توسعة المسجد الحرام

لعل أحداً لا يختلف على حقيقة أن توسعات المسجد الحرام الذى هو أعظم وأقدس بقعة على وجه الأرض ظلت مستمرة ولم تتوقف منذ أن أمر الله نبيه إبراهيم عليه السلام بوضع أساس هذا البيت العتيق، {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26]، كما أن هذه التوسعات بقيت مرتبطة بالظروف الزمانية والمكانية وتزايد أعداد الزائرين للمسجد الحرام.

ويذكر المؤرخون أن أول توسعة انطلقت من مخطط عمراني ذي أفق واسع كان أيام الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما شعر بحاجة المسلمين إلى توسعة المسجد الحرام بعد أن زاد عدد الحجاج والزائرين إلى المسجد سنوياً، فقام رضي الله عنه بشراء البيوت المجاورة ليوسع بها ساحة المطاف التى جعل لها أبواباً يدخل الحجاج والمعتمرون منها للطواف حول الكعبة المشرفة وقد توالت هذه التوسعات في العهد الإسلامي.

ومما لا جدال فيه أن المسجد الحرام قد شهد في عهد الدولة السعودية العديد من التوسعات والإصلاحات ابتداءً بما قام به الملك عبدالعزيز ثم أولاده من بعده سعود بن عبدالعزيز، وخالد بن عبدالعزيز، وفهد بن عبدالعزيز والتي نتجت عنها زيادة الأماكن المخصصة للمصلين والتى لم تكن تتجاوز في مراحل ماضية لأكثر من 50 ألف مصل لترتفع إلى300 ألف مُصَلٍّ ثم إلى ما هو أكبر من ذلك بكثير.

ورغم كل ما قيل عن الأثر البالغ لكل توسعة شهدها المسجد الحرام خلال الفترات الماضية فإن من تهيأت له فرصة الوقوف على تفاصيل التوسعة الكبرى التى يشهدها المسجد هذه الأيام لا بد وأن يخرج بقناعة أكيدة أن هذه التوسعة بشكل عام هي من أبرز المشروعات وأكثرها تحدياً لكونها تجمع بين المتطلبات الوظيفية من حيث زيادة الطاقة الاستيعابية ووفرة وتنوع ورقي الخدمات التي ستتاح للحجاج والزائرين للمسجد الحرام.

ويؤد الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس أن التوسعة التي أمر بها خادم الحَرَمَيْن الشَّرِيفَيْن الملك عبدالله بن عبدالعزيز تعد الأضخم في تاريخ الحَرَمَيْن الشَّرِيفَيْن، ليس من كونها تهدف إلى توسعة صحن الطواف وإعادة بناء وتأهيل الأروقة المحيطة به في الطوابق كافة وهي الأجزاء التي لا تخلو من الطائفين على مدى 24 ساعة، وإنما للفكرة الابتكارية والتي ركزت في مضمونها على إيجاد الحلول العملية لضيق مساحة المطاف، والتي كانت تسبب ازدحام وتكدس الطائفين، الأمر الذي كان يشكل خطراً على سلامتهم، ناهيك عن إقلاق راحتهم وصحتهم؛ ولذلك فقد روعي أن يتسع المطاف عند اكتماله إلى 105 آلاف في الساعة بدلاً من 22 إلى 38 ألف طائف كما هو الأمر حالياً.

وبالتالي فلا بد من الإقرار هنا أن المشاريع الكبيرة التي يتم تنفيذها في المشاعر المقدسة والمسجد الحرام والمسجد النبوي حالياً إنما هي التى ستسهم جميعها في إراحة الحجاج والمعتمرين وتمكينهم من أداء مناسكهم بكل يسر وسهولة وأمان، وهو ما يجب أن يفهم من قبل الجميع، وبالذات أولئك الذين انتقدوا إجراءات المملكة بتقنين أعداد الحجاج والمعتمرين خلال فترة تنفيذ هذا المشروع، وربما التبست على البعض الرؤية فطفق يوجه نيرانه الصديقة والعدوة في مصب واحد غافلاً أو متجاهلاً حقيقة المغزى والمدلول العملي والضرورات التي فرضت إجراء مثل هذه التوسعات من أجل استيعاب الأعداد الكبيرة من المترددين على المسجد الحرام حجاجاً أو معتمرين.

وبكل أمانة فإن مشروع توسعة الحرم سيكون عند اكتماله مفخرة لكلّ المسلمين، وذلك لما يتميز به هذا المشروع من فكر ابتكاري من حيث المعمار والدقة في التشييد والمنهجية العلمية التي تتحرك في نطاقها عملية البناء التي تسير أهم مقوماتها على قدم وساق وبكفاءة يمثل الرقم الصعب فيها المعادلة القائمة على الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *