جبل أحد

التعريف به:

جبل أُحُد من أهم المعالم الطبيعية في المدينة وأظهرها، ويمتد أحد كسلسلة جبلية من الشرق إلى الغرب، مع مَيل نحو الشمال، في الجهة الشمالية من المدينة، ومعظم صُخُوره من الجرانيت الأحمر، وأجزاء منه تميل ألوانها إلى الخُضرة الداكنة والسواد، وتتخلله تجويفات طبيعية تُمْسِك مياه الأمطار أغلب أيام السنة؛ لأنها مستورة عن الشمس، وتُسمى تلك التجويفات (المهاريس). ويبلغ طول جبل أحد سبعة أكيال، وعرضه ما بين 2-3 أكيال، ويبعُد عن المسجد النبوي خمسة أكيال تقريبًا، وتنتشر على مقربة من جبل أُحد عدة جبال صغيرة، أهمها: جبل ثور في شماله الغربي، وجبل عَيْنَيْنِ في جنوبه الغربي. ويمر عند قاعدته وادي قناة ويتجاوزه غربًا ليصب في مجمع الأسيال.

ويرتبط اسم هذا الجبل بموقعة تاريخية وقعت في السنة الثالثة للهجرة وسُميت باسمه (غزوة أحد) وكان ميدانها الساحة الممتدة ما بين قاعدته الجنوبية الغربية وجبل عينين الذي يَبْعُد عنه كيلًا واحدًا تقريبًا، ويُسمى أيضا (جَبَل الرُّمَاة) .

 وبسفحه قبر سيد الشهداء أسد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم حَمْزَة بن عبد الْمُطَّلِب رضي الله عنه، وقبور شهداء أحد. ويبعُد عن المسجد النبوي الشريف بحدود 5.5 كم تقريبًا.

موقعة أحد:

وكانت في شوال في السنة الثالثة للهجرة، ومن أسبابها أن قريشاً أرادت الثأر لقتلاها في بدر، كما أرادت إنقاذ طرق التجارة إلى الشام من سيطرة المسلمين، واستعادة مكانتها عند العرب بعد أن زعزعتها موقعة بدر.

جيش المشركين:

بلغ عدد جيش المشركين ثلاثة آلاف رجل، ومعهم مائتا فرس، وجعلوا على الميمنة خالدَ بنَ الوليدِ، وعلى الميسرة عِكْرِمَةَ بنَ أبي جَهْلٍ، وكان منهم سبعُمائة دارِعٍ، وشاركت في هذا الجيش قريش ومن أطاعها من كِنانة وتِهامة.

الرسول صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه:

شاور الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في البقاء في المدينة والتحصُّن فيها أو الخروج لملاقاة جيش قريش، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يرى عدم الخروج، ولكن أصحابه رأوا الخروج فأمضى لهم رأيهم تأصيلًا لمبدأ الشورى، وعملًا بقول الله عز وجل: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159].

ولما عدلوا عن رأيهم إلى رأيه في البقاء في المدينة، رفض صلى الله عليه وسلم وعزم على الخروج، ليعلمهم عدم التردد بعد العزيمة والشروع في التنفيذ.

جيش المسلمين:

ارتفعت الراية تتقدم ثلاثة أَلْوِيَة؛ لِواء المهاجرين يحمله مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ، فلمَّا قُتل حَمَلَه عليُّ بنُ أبي طالبٍ، ولِواء الأَوْس يَحْمِلُه أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ، ولواء الخزرج يحمله الحُبَاب بنُ المُنْذِر، واجتمع تحت الألوية ألف من المسلمين والمتظاهرين بالإسلام، ومعهم فرسانِ فقط ومائة دارع، ولبس الرسول صلى الله عليه وسلم دِرعين ليعلمنا الأخذ بالأسباب.

انسحاب المنافقين من جيش المسلمين:

خرج الجيش الإسلامي إلى أُحُد مخترقاً الجانب الغربي من الحرة الشرقية، حيث انسحب المنافق عبدُ اللهِ بنُ أبيٍّ ابنُ سَلُولَ بثلاثمائة من المنافقين، وبذلك تميز المؤمنون من المنافقين، قال الله تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران: 179].

المواجهة بين الجيشين:

نظّم الرسول صلى الله عليه وسلم الجيش ورد صِغار السن، وهم أربعة عشر صبيًّا؛ منهم عبد الله بن عمر، وجعل صفوف الجيش بمواجهة المدينة وظهورها إلى أحد، وجعل خمسين من الرماة بقيادة عبد الله بن جُبير فوق جبل عَيْنَيْنِ المقابل لأُحُد، لحماية المسلمين من الخلف، وقال لهم: «إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخْطَفُنَا الطَّيْرُ فَلَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا القَوْمَ وَأَوْطَأْنَاهُمْ فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ»(1).

وتقدم جيش قريش وهو يواجه أُحُدًا وظهره إلى المدينة، واشتد القتال بين الجيشين وتراجع المشركون أمام بطولة المسلمين، واستشهد الصحابة: أبو دُجَانة، وحمزة بن عبد المطلب، ومُصْعَب بن عُمير رضي الله عنهم، ورأى الرماة انتصار المسلمين فتركوا مواقعهم يطلبون الغنيمة ظنًّا منهم أن المعركة حُسمت لصالح المسلمين.

وهنا بدأ التحول من النصر إلى الهزيمة، فقد التفَّ خالدُ بنُ الوليدِ على رأس خيالة المشركين بجيش المسلمين من الخلف، وطوّق المشركون المسلمين، وأخذ المسلمون يتساقطون شهداء، وشاع بينهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قُتل فتفرقَ المسلمون، وبقِي حوله سبعة من الأنصار وقرشيان، فاستشهد السبعة وبقي طلحة بن عُبيد الله وسعد بن أبي وقَّاص يدافعانِ عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أصيب الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه المعركة فكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وشُجَّ في وَجْهِه حتى سال الدم منه.

نتائج المعركة:

أُصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم – كما تقدم – واستشهد من المسلمين سبعون، ولم يُؤْسَر أَحَد، وقتل من قريش اثنان وعشرون رجلًا، وأُسر منهم أبو عزة الشاعر، فقُتل صبرًا لاشتراكه قبل ذلك في قتال المسلمين ببدر.

وصبر المسلمون على هذه المصيبة، وأنزل الله عزل وجل: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169].

نقل شُهداء أُحُد:

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: «لَمَّا أَرَادَ مُعَاوِيَةُ أَنْ يُجْرِيَ الْكَظَامَةَ(2) قِيلَ: مَنْ كَانَ لَهُ قَتِيلٌ فَلْيَأْتِ قَتِيلَهُ. يَعْنِي قَتْلَى أُحُدٍ. قَالَ: فَأَخْرَجْنَاهُمْ رِطَابًا يَتَثَنَّوْنَ. قَالَ: فَأَصَابَتِ الْمِسْحَاةُ أُصْبُعَ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَانْفَطَرَتْ دَمًا». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: وَلَا يُنْكِرُ بَعْدَ هَذَا مُنْكِرٌ أَبَدًا(3).

_________________________________

(1) أخرجه البخاري (4/ 65، رقم 3039).

(2) قناة الماء تحت الأرض.

(3) أخرجه ابن المبارك في الجهاد (1/ 84، رقم 98)، وعبد الرزاق في المصنف (3/ 547، رقم 6656).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.