الرئيسية » الآثار والشريعة » المزارات الطبيعية » حِرار المدينة المنورة:

حِرار المدينة المنورة:

توجد بالمدينة المنورة حَرَّتان (1) -أي لَابتان-، إحداها شَرْقَ المدينة المنورة، وتُسمى (حَرَّة وَاقِم)، والأُخرى غربَ المدينة المنورة، وتُسمى (حرة الوبرة)، وهما اللَّتان تَحُدَّان حَرَم المدينة المنورة، كما جاء في الحديث الشريف.

1- حَرَّة واقِم (حرة بني قريظة)

هي الحَرَّة الواقعة شرقيَّ المدينة المنورة، وتسمى أيضًا (الحَرَّة الشرقية)، و(زهرة)، وهي هَضْبَةٌ طويلة ممتدة شرقيَّ المدينة، فيها مجموعةُ تِلال، وفيها أراضٍ مُنبسطة، وسُميت الحَرَّة، لأن جزءًا كبيرًا مِن سَطْحِها مُغَطًّى بِصُخورٍ وحجارة بُركانية سوداء، تجعلها شديدة الحرارة في الصيف.

ويُروى أنها سُميت (واقِم) نِسبةً إلى شخصٍ، أو جماعةٍ مِن العماليق نزلوا فيها.

كما يُروى أن التسمية قُصد بها الدَّلالة اللغوية لكلمة (واقِم) وهي الحاجز، وهو من قولهم: وَقَمْتُ الرَّجُلَ عن حاجته إذا رددتَه(2).

وتُشكل حَرَّةُ واقِمٍ حاجزًا طبيعيًّا يحمي المدينة مِن شَرقها، فمِن الصعب -إن لم يكن من المستحيل- السيرُ عليها، ولكنها لا تخلو مِن ممرات ضيِّقة وقابلة للحراسة.

وعلى الجانب الغربيِّ مِن حَرَّةِ واقِمٍ سكنت قبائلُ عدة قديمًا للاستفادة مِن حمايتها الطبيعية، ومِن الأودية التي تنحدر منها.

وتنقسم حرةُ واقِم باعتبار المنازل الواقعة فيها قديمًا إلى خَمس مناطق متجاورة: منطقتان كانتا لليهود، وثلاثة كانت للأَوْس مِن الأنصار، فزُهْرَةُ مَنازل بني النضير، وبِشَمَالها منازلُ بني قريظة، وبشَمَال هذه منازلُ بني ظَفَر مِن الأنصار، حيث مسجدُهم المعروف بمسجد بني ظَفَر، وبجانبها شَمالًا أيضًا منازلُ بني عبد الأَشْهَل مع بني زعور بن جُشَم الأنصاري، وفي منازل عبد الأشهل كان حصنهم الذي بنوه (واقِم)، الذي سُميت به الحرة.

ويرتبط اسمُ هذه الحَرَّة بمعركة دامية وقعت عام (63هـ) المعروفة بموقعة الحَرَّة، عندما خَلع مُعظم أهل المدينة بَيْعَةَ يزيدَ بنِ معاوية؛ فأرسل يزيدُ جيشًا بقيادةِ مُسلم بن عُقبة، وحفر الثائرون الخندق، وتَحَصَّنُوا خَلْفَه، ونزل جيش عُقبة في أدنى الحَرَّة، فأعطى الثائرين مُهلة ثلاثة أيام ليعودوا إلى الطاعة، ولهم الأمان، ولكنهم رفضوا واستطاعت مجموعة مِن فرسانه بقيادة مروان بن الحكم أن تتسلل مِن إحدى ثغرات الحَرَّة غير المعروفة وتُفاجئ المرابطين خلف الخندق، وكان هذا سببًا لانتصار جيش مُسلم بن عُقبة وحُدوث مجازرَ داميةٍ، قُتل فيها بقايا المهاجرين والأنصار، وخِيار التابعين، ومِن حَمَلَة القرآن الكريم سبعمائة رجل.

وكان ممن قُتِل ثلاثة آلاف وخمسمائة رَجُل مِن الموالي، وألف وأربعمائة رَجل من الأنصار، وألف وثلاثمائة رَجُل مِن قريش.

وكان ممن قُتل الفضلُ بنُ العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ومَعْقِل بن سِنان، وأبو بكر بن عبد الله، ويعقوب بن طلحة، وعبد الله بن زيد، وعبد الله بن حنظلة (ابن غَسيل الملائكة) مع ثمانيةٍ مِن بَنِيه وغيرهم.

ودخل جُنْد يَزِيدَ المدينة المنورة، فنَهبوا الأموالَ، وسَبَوُا الذُّرِّية، ويقال: إنه استباح المدينة المنورة ثلاثةَ أيام،  ثم أَحْضَر الأعيان لمبايعة يزيدَ، فلَم يَرْضَ إلا أن يُبايِعوه أنهم عَبِيد يَزِيدَ بنِ معاوية، فمَن تَلَكَّأَ أَمَر بضَرْب عُنقه، وجالت الخيل في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبالَت ورَاثَت بين القَبْر والمِنْبر، حسب رواية السمهودي.

وفي عام (654هـ) ثَار بُركانٌ قويٌّ مِن إحدى تِلال هذه الحَرَّة، واستمر قُرابَةَ ثلاثة أشهر، فازدادت المقذوفات البركانية في المنطقة.

وفي العصر الحاضر زَحَف العمران إلى حرة واقم،  وبها حاليًّا أحياء سكنية.

2- حرة الوَبَرة

وتُسمى أيضًا (الحرة الغربية)، لأنها تقع في الجهة الغربية مِن المدينة، وهي أقلُّ وُعُورَةً مِن حَرَّة وَاقِم، إلا أنها تَكثُر بها الهضبات والتِّلاع والمرتفعات والمنخفضات.

ويتخللها مساحات مُنبسطة صالحة للعمران، وبها قِيعانٌ تتجمع فيها مياه الأمطار.

وتمتد مِن مسجد القِبلتين شمالًا إلى محاذاة مسجد قباء جنوبًا.

وكانت تُشَكِّل حاجزًا طبيعيًّا يحمي المدينة مِن جهتها الغربية، وجزءًا مِن جهتها الجنوبية.

وكانت مزارع النخيل الكثيفة تغطي المساحات المنبسطة منها، وليس لها سوى مَنافِذ قليلة، أشهرُها مَنفذ ثَنِيَّة الوداع التي يخرج منها المسافرون إلى مكة.

ويقع بطرَف الحَرَّة مِن الجهة الشمالية الشرقية منازلُ بني سلمة، ومِن طرفها الغربي قصرُ عروة وبئره، وبعضُ قصور العَقيق.

وقريبًا مِن بئر عروة، توجد بِركةٌ كبيرة مُجَصَّصَة قديمة اسمها بِركة (وبيك)، وهي إحدى بِرَك الحاج الثلاث بالمدينة المنورة.

وفي العصر الحاضر استُصلِح قِسم كبير مِن أراضي هذه الحرة، وزحف العمران إليها.


(1) الحَرَّةُ: اسمٌ لأَرضٍ ذاتِ حِجارةٍ نَخِرَةٍ سُودٍ، كأَنَّهَا أُحْرِقَتْ بالنّار، وَقيل: الحَرَّةُ مِن الأَرَضِينَ: الصلْبَةُ الغَلِيظَةُ الَّتِي أَلْبَستَهْا حِجارَةٌ سُودٌ نَخِرَةُ، كأَنَّهَا مُطِرَتْ. تاج العروس: حرر.

(2) معجم البلدان، لياقوت الحموي (2/249).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.