الرئيسية » الآثار والشريعة » المقتنيات الشخصية » حقيقة الآثار المنسوبة للنبي -صلى الله عليه وسلم-

حقيقة الآثار المنسوبة للنبي -صلى الله عليه وسلم-

يقول الشيخ عبد الرحمن السحيم(1) ردًّا على سؤال حول مثل هذه الآثار المزعومة وما يُزعم أنه بيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

«…فقد انتشرت بعض الصور، ويزعم ناشروها أنها لبيت النبي صلى الله عليه وسلم. ولا صحة لما يُزعم أنه صور بيت النبي صلى الله عليه وسلم لأسباب، منها:

أولًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له في حجة الوداع: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَنْزِلُ فِي دَارِكَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ، أَوْ دُورٍ؟». متفق عليه(2).

ومعنى هذا أنه صلى الله عليه وسلم لم تبقَ له دار قبل فتح مكة وقبل حجة الوداع، فكيف بعد فتح مكة؟ فكيف تبقى إلى الآن؟!

ثانيًا: وجود الْمِحْرَاب في المصلَّى، والمحراب لم يكن موجودًا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

ثالثًا: أين السند الصحيح على أن هذا هو بيته صلى الله عليه وسلم؟ فما يُزعم أنه بيته أو شعره أو سيفه كل هذا بحاجة إلى إثباته عن طريق الأسانيد الصحيحة، وإلا لقال من شاء ما شاء. فمن الذي يُثبت أن هذا مكان ميلاد فاطمة رضي الله عنها، وأن هذه غرفة خديجة رضي الله عنها، وما أشبه ذلك.

رابعًا: أنه لو وُجد وكان صحيحًا لاتخذه دراويش الصوفية معبدًا ولاشتهر بين الناس، كما يفعلون عند مكتبة مكة (شرق الحَرَم) يزعمون أن مولد النبي صلى الله عليه وسلم كان فيها، فهم يأتونها ويتبركون بها! بل كانوا يتبرّكون بمكان في المدينة النبوية يُسمّونه (مَبْرَك الناقة) وكانوا يأتونه ويتبركون به، وربما أخذوا من تُربة ذلك المكان بقصد الاستشفاء!

خامسًا: عدم اهتمام الصحابة رضي الله عنهم بحفظ مثل هذه الآثار، بل عدم التفاتهم إليها، فقد بلغ عمر بن الخطاب أن أُناسًا يأتون الشجرة التي بُويع تحتها، فأمر بها فقُطعت. رواه ابن أبي شيبة في المصنَّف(3).

وهذا يدل على أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يهتمون بآثار قدم أو منزل أو مَبْرَك ناقة ونحو ذلك.

ومثل ذلك يُقال عما يُزعم أنه شعرة الرسول صلى الله عليه وسلم أو موطئ قدمه أو وجود سيفه أو ما يُزعم أنه الصخرة التي صعِد عليها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحد لما أُصيب. حتى زعم بعضهم أن حجرًا بقرب جبل أُحد هو مكان (طاقية) الرسول صلى الله عليه وسلم!!

وأين إثبات هذا بالأسانيد الصحيحة؟!

وفي زمان الخَليفة المَهْدِيّ جاءه رجل وفي يده نعل ملفوف في مِنديل، فقال: يا أمير المؤمنين، هذه نعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أهديتها لك. فقال: هاتها. فدفعها الرجل إليه، فقبّـل باطنها وظاهرها ووضعها على عينيه وأمر للرجل بعشرة آلاف درهم، فلما أخذها وانصرف قال المهدي لِجُلَسَائه: أترون أني لم أعلمْ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرها فضلًا عن أن يكون لبِسها! ولو كذّبناه لقال للناس: أتيتُ أمير المؤمنين بنَعْلِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فردّها عليّ، وكان من يُصدّقه أكثر ممن يدفع خَبَرَه، إذ كان من شأن العامة مَيْلها إلى أشكالها، والنُّصرة للضعيف على القوي وإن كان ظالمًا، فاشترينا لِسانه وقبِلنا هديته وصدّقناه، ورأينا الذي فعلناه أنجح وأرجح(4).

فإذا كان هذا في ذلك الزمان، ولم يلتفتوا إلى مثل هذه الأشياء، لعلمهم أن الكذب فيها أكثر من الصدق، فما بالكم بالأزمنة المتأخرة؟! والله أعلم».

ويقول الشيخ المنجد(5):

«لا يثبُت بقاء شيء من آثارِ النبي صلى الله عليه وسلم على وجه اليقين، فقد زُعم وجود نعل وشعر وثياب وأحجار تخص النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة في العالم، وكل دولة تزعُم أنها المحِقَّة وغيرها ليس محقًّا، وثبت في القديم والحديث زيف ادعاءات كثيرين بنسبة ما يملكونه للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ لما في ذلك من التكسب من أموال الناس.

وقد ذكر ابن طُولون في كتابه «مفاكهة الخِلان في حوادث الزمان» في حوادث سنة تسع عشرة وتسعمائة أن بعضهم زعم أنه يملك قدحًا وبعض عكاز للنبي صلى الله عليه وسلم، وأنه تبيَّن أنهما ليسا من الأثر النبوي، وإنما هما من أثر الليث بن سعد!

وقد حافظ بعض الخلفاء والكبراء على بعض آثار النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ذهب كثير منها في الفتن التي تعاقبت على دولة الإسلام.

ومن ذلك: إحراق التتار عند غزوهم بغداد (سنة 656 هـ) بُردة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي فتنة تيمورلنك في دمشق (سنة 803 هـ) ذهب نعلان يُنسبان إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

ولذا شكك الأئمة بثبوت شيء من آثار النبي صلى الله عليه وسلم باقٍ إلى الآن، بل إن منهم من جزم بعدم ثبوته.

1. قال ابن كثير رحمه الله وهو يتحدث عن أثواب النبي صلى الله عليه وسلم: «قلتُ: وهذه الأثواب الثلاثة لا يُدرى ما كان من أمرها بعد هذا»(6).

2. وقال السيوطي رحمه الله: «وقد كانت هذه البُردة عند الخلفاء يتوارثونها ويطرحونها على أكتافهم في المواكب جلوسًا وركوبًا، وكانت على المقتدر حين قُتل وتلوثت بالدم، وأظن أنها فُقدت في فتنة التتار، فإنا لله وإنا إليه راجعون»(7).

3. ويقول العلامة أحمد تيمور باشا بعد أن سرد الآثار المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالقسطنطينية في إسطنبول:

«لا يَخفى أن بعض هذه الآثار محتمِل الصحة؛ غير أنّا لم نرَ أحدًا من الثقات ذكرها بإثبات أو نفي، فالله سبحانه أعلم بها، وبعضها لا يَسَعُنا أن نكتم ما يخامر النفس فيها من الرَّيب ويتنازعها في الشكوك»(8).

وقال بعد أن ذكر أخبار التبرك بشعرات الرسول صلى الله عليه وسلم من قِبل أصحابه رضي الله عنهم:

«فما صح من الشعرات التي تداولها الناس بعد بذلك فإنما وصل إليهم مما قُسم بين الأصحاب رضي الله عنهم، غير أن الصعوبة في معرفة صحيحها من زائفها»(9).

4. وقال الشيخ الألباني رحمه الله:

«هذا ولا بد من الإشارة إلى أننا نؤمن بجواز التبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم ولا ننكره، خلافًا لما يوهمه صنيع خصومنا، ولكن لهذا التبرك شروطًا، منها:

الإيمان الشرعي المقبول عند الله، فمن لم يكن مسلمًا صادق الإسلام فلن يحقق الله له أي خير بتبركه هذا.

كما يُشترط للراغب في التبرك أن يكون حاصلًا على أثر من آثاره صلى الله عليه وسلم ويستعمله.

ونحن نعلم أن آثاره من ثياب، أو شعر، أو فضلات قد فُقدت، وليس بإمكان أحد إثبات وجود شيء منها على وجه القطع واليقين(10).

5. وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله في مقال «تعقيب على ملاحظات الشيخ محمد المجذوب بن مصطفى»:

وأما ما انفصل من جسده صلى الله عليه وسلم أو لامسه: فهذا يُتَبَرَّك إذا وُجد وتحقق في حال حياته وبعد موته إذا بقِي، لكن الأغلب أن لا يبقى بعد موته، وما يدَّعيه الآن بعض الخرافيين من وجود شيء من شعره أو غير ذلك فهي دعوى باطلة لا دليل عليها…

لا وجود لهذه الآثار الآن؛ لتطاول الزمن الذي تبلى معه هذه الآثار وتزول، ولعدم الدليل على ما يُدَّعى بقاؤه منها بالفعل(11).

6. وتحت عنوان «هل يوجد شيء من آثار الرسول صلى الله عليه وسلم في العصر الحاضر» بيَّن الدكتور ناصر بن عبد الرحمن الجديع(12) أنه يشك في ثبوت نسبة ما يوجد الآن من هذه الآثار إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وبيَّن فُقدان الكثير من آثار الرسول صلى الله عليه وسلم على مدى القرون والأيام بسبب الضَّياع، أو الحروب


(1)http://www.islam2all.com/

(2) أخرجه البخاري (4/ 71، رقم 3058)، ومسلم (2/ 984، رقم 1351).

(3) (2/ 150، رقم 7545).

(4) كتاب الأذكياء لأبي فرج بن الجوزي (1/ 39).

(5)http://www.kavkazcenter.com/arab/content/2012/07/16/8735.shtml

(6) البداية والنهاية (6/ 10)، والسيرة النبوية (4/ 713).

(7) تاريخ الخلفاء (ص 14).

(8) الآثار النبوية (ص 78).

(9) المصدر السابق (ص 82).

(10) التوسل (1/ 145).

(11) البيان لأخطاء بعض الكتَّاب (ص 154).

(12) التبرك أنواعه وأحكامه (ص 256- 260).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *