سعة الصفا والمروة (الامتداد والحد)

الصفا والمروة المذكوران في كتاب الله جبلان بالقرب من البيت العتيق، وهما كأي جبل من الجبال له ارتفاع في السماء، وسعة في العرض للمقابل له، وله كذلك امتداد محدد، وبما أن الصفا والمروة متقابلان ويرقى إليهما الساعي؛ تعبدًا لله، فلا بد من معرفة امتدادهما من الجهة الأمامية لكل منهما، لتعلقهما بالبينية المطلوب توفرها كشرط لصحة السعي؛ بحيث يتحقق مدلول السعي بين الصفا والمروة بمماسة قدم الساعي في الحد المجزئ شرعًا، وهذا في الواقع العملي مفروغ منه بعد بناء المجسم المشاهد في فناء المسعى قبل الشروع في التوسعة الجديدة، فالجدار الأيمن بالنسبة للقادم من الصفا محدد لآخر حد الامتداد، وهذا بعد الزيادة المذكورة، وبمراعاة الشكل الهندسي كما تقدم، بيد أن من المسلَّم به لدى الجميع أن البناء حادث، وأن الجغرافيين قد أفصحوا عن تحديد لسعة وارتفاع وامتداد أطراف أي جبل مهما ترامت أطرافه الشرقية والغربية، وكذلك تحدثوا عن أول درجته من جهته السفلى، ولم يخالف مسلك المؤرخين والفقهاء وأهل اللغة مسلك أولئك الجغرافيين، فالفقهاء فرعوا على أول درجات الصفا والمروة السفلى أحكام وجوب أو استحباب الصعود منها إلى الجبلين أم الاكتفاء بمماسة أول درجة فقط باعتبارها من الجبلين الصفا والمروة، وتحقق مدلول الطواف بينهما واستيعاب جميع المسافة، والمؤرخون تناولوا بالتفصيل ما آلت إليه حالة الدرج من الأسفل، وذكروا سعة الصفا والمروة، وما حولها من جبال وشعاب، وغير ذلك.. ونبين كل هذا مفصلا على هذا النحو:

أولا – الأمر بالطواف بين الصفا والمروة:

قال تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158]. ومعنى الطواف في لغة العرب: الدَّوَرَان حول الشيء، قال ابن دُرَيْد (ت321هـ): «وطاف يطوف طوفًا إذا دار حول الشيء وأطاف به يُطِيف إطافةً إذا أَلَمَّ به، وقُرئ على أبي حاتم – رحمه الله – لأبي خِراش الهُذَلِيّ:

ما لِدُبَّيةَ منذُ اليومِ لم أَرَه  * وَسْطَ الشُّروبِ فلم يُلْمِمْ وَلَمْ يَطُفْ»

وفي البارع لأبي علي القالي (ت 356هـ): «قال الأَصْمَعِيّ: يُقالُ: طاف الرجل يطوف طوفًا إذا أقبل وأدبر وجالَ. ومنه الطواف بالبيت، ويقال: أطاف فلان بالقوم إطافةً على مثال أَفْعَلَ إِفعالة،إذا استدار بالقوم وأتاهم من نواحيهم، وهو مُطِيفٌ بهم، على مثال مُفعِل بضم الميم وكسر العين».

وقال ابن السِّكِّيت (ت 244هـ): «…وقد طاف حول الشيء يَطُوف طَوفًا إذا دار حولَه».

وقال ابن سِيده (ت 458هـ): «وطافَ بالقومِ وعليهم طَوْفًا وطَوَفَانًا وأطافَ؛ استدارَ وجاء من نواحيه، وفي التنزيل: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا} [الإنسان: 15]. وقيل: طاف به؛ حام حولَه… وطاف بالبيت، وأطاف عليه؛ دار حولَه. قال أبو خِراش:

تُطِيفُ عليه الطيرُ وهو مُلَحَّبٌ * خلافَ البيوت عند مُحْتَملِ الصِّرْم»

وقال ابن فارس (ت395هـ): «(طوف): الطاء والواو والفاء أصل واحد صحيح يدل على دوران الشيء، وأن يُحفَّ به ثم يُحمل عليه، يقال: طاف به وبالبيت يطوف طَوْفًا وطَوَافًا، واطَّاف به، واستطاف، ثم يقال لما يدور بالأشياء ويغشِّيها من الماء: طُوفَان».

فالمقصود من قوله تعالى: {أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158] هو أن يبدأ الحاج أو المعتمر من الصفا وينتهي بالمروة، ثم يأتي من المروة إلى الصفا وهكذا، فيكون بذلك مثل الطواف بالبيت، بجامع أن كلا منهما دوران شيء على شيء. وقد غلب السعي على الطواف بالصفا والمروة، مع أن السعي المشي بشدة في موطن واحد من مكان السعي بين الصفا والمروة، فالحاصل أن الحاج والمعتمر عليه أن يدور بين الصفا والمروة في مكان مخصوص حتى يكون منقادًا للأمر الوارد في التنزيل: {أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} [البقرة: 158]، سواء دار في مبتدأ أحدهما الأول المحاذي للبيت أو آخر حد لامتدادهما من الجهة الشرقية، ولا يتصور أن يقال أن يأتي من خلفهما مما يلي الصفا مثلا بسبب مفارقة تناول جبل الصفا لمسمى الأرض التي تليه من الجنوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد سعى بين الصفا والمروة، وقال: «اسْعَوْا فَإِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ»([1]).

ثانيًا – الصفا والمروة جبلان ضبط امتدادهما منذ القِدم:

جميع النصوص الواردة عن علماء التاريخ واللغة والفقه تُثبِت أن جبلي الصفا والمروة جبلان مستقلان بمكة علق الشارع بهما شَعيرة السعي، ونذكر من هذه النصوص ما يأتي:

1-             قال الحربي: «وحيال باب القاضي من طرف باب الصفا إلى منعرج الوادي جبل الصفا، ثم الركن ركن المسجد فيه منارة، وحيالها جبل أبي قُبيس، يتعرج خلف الصفا طرف منه، ثم يرجع الحد إلى الرواق الأيسر للداخل من باب بني شيبة، وهو حيال باب البيت، وهناك باب على ثلاث طاقات يقال له: باب بني هاشم، وقبله في بطن الوادي مع باب المسجد علم أحمر، وحياله في شق الوادي الآخر علم مثله، وذاك حد المسعى». فقوله: «جبل أبي قيس يتعرج خلف الصفا طرف منه» لا يدل على جواز اعتباره من الصفا وامتداده؛ لأن هذا الطرف من أجزاء جبل أبي قُبيس وامتداده، والحقيقة الشرعية تقتضي السعي في أجزاء جبل الصفا والمروة وامتدادهما، لا في أطراف أجزاء من جبال آخر، وإلا لزم جواز السعي في أطراف وأجزاء واسعة؛ نظرا لارتباط واتصال جبلي الصفا والمروة بجبل أبي قبيس وجبل قعيقعان، مما سيؤدي إلى نقض البينية المشروطة في السعي بين الصفا والمروة عند جميع الفقهاء، فلا بد من التسليم بامتداد مخصوص تفرضه الحقيقة الشرعية والعرفية، وتضبطه حدود الرسم والتعريف بالأسماء والإطلاقات. وسيظهر لك من الآتي سعة الصفا والمروة وامتدادهما كما ضبطه المحققون من أهل العلم ممن يُحتج بهم في هذا الأمر.

2-              قال البَكْرِيّ (ت 487هـ): «المروة جبل بمكة معروف، والصفا جبل آخر بإزائه، وبينهما قُدَيْد ينحرف عنهما شيئًا. والْمُشَلَّل هو الجبل الذي ينحدر منه إلى قديد، وعلى المشلل كانت مناة، فكان من أهلّ بها من المشركين، وهم الأوس والخزرج يتحرج أن يطوف بين الصفا والمروة، ثم استمروا على ذلك في الإسلام، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158]. هكذا روى الزُّهري عن عُروة عن عائشة…» ([2])، والبَكْري هنا سَمى كل واحد منهما جبلا، يتقابلان ويتوازيان، لا أن امتدادهما طويل إلى حد يصعب تمييزُه عن غيره، إما لاستغراقه وتشعبه بغيره، أو لاعتباره أوسع بكثير مما حددته بعض الروايات من جهة البيت إلى جهة دار العباس عرضًا، ومن زقاق بني عباد إلى زقاق بني أبي حسين طولا، وكل ذلك محسوم بذراع الأزرقي والفاكهي ومن وافقهما، ولا عبرة بإطلاقات بعض الشعراء الجاهليين، لاحتمال استعمال المجاز في إلحاق الصفا والمروة بالجبال المحيطة بها.

3-             قال القاضي عياض (ت 544هـ): «والمروة هي الحِجارة، ومنه سُميت المروة قرينة الصفا». ولم يقل: قرينة جبل آخر غير الصفا، فدل هذا على محدودية المكان المجزئ للسعي الذي عهده الفقهاء ولم يحتاجوا إلى التفصيل في عرضه وافتراض توسيعه.

4-             قال ابن عَطِيَّة الأندُلسي (ت546هـ): «الصفا والمروة جُبيلان». وقال أيضًا: «وجُبيل الصفا بمكة صَلِيب، وجبيل المروة إلى اللِّين ماهق، فبذلك سُميا..». وقال: «ومن شعائر الله»، معناه: من معالمه ومواضع عبادته، وهي جمع شعيرة أو شعارة. وقوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] خبرٌ يقتضي الأمر بما عهد من الطواف بهما». وتُؤخذ من كلام ابن عطية فائدة، وهي إفصاحه عن صغر جبلي الصفا والمروة بتصغيره لكلمة جبل، ومعلوم أن الأسماء ذات الشرف والقدسية لا تُصغر، لكن يُصغر ما أُضيف إليها، فدل ذلك على تنبيه ابن عطية على صغر مكان السعي؛ لأنه قرن التصغير بالكلام عن مواضع عبادة السعي، في قوله: «معناه من معالمه ومواضع عبادته».

5-             نقل أُسامة بن مُنْقِذ (ت 584هـ) شاهدًا على قُرب الديار من الساعين بين الصفا والمروة فقال: «ودُعيت دار الأرقم على ولده، فقرأتُ نسخة صدقة الأرقم بداره: «بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما قضى الأرقم في ربعه ما حاز الصفا أنها صدقة بمكانها من الحرم لا تُباع ولا تُورث، شهِد هشام بن العاص، وفلان مولى هشام بن العاص». قال: فلم تَزَلْ. قال يحيى بن عمران بن عثمان بن الأرقم: إني لأعلم اليوم الذي وقعت في نفس أبي جعفر – المنصور – أنه يسعى بين الصفا والمروة في حجة حجها، ونحن على ظهر الدار في فسطاطها، فيمر تحتنا، ولو أشاء أن آخذ قلنسوة عليه لأخذتها، وإنه لينظر من حيث يهبط بطن الوادي حتى يصعد إلى الصفا..». ونقل ابن منقذ قول الشاعر:

ولو كنتُ في الدار التي مسقط الصَّفَا * مَرِضْتُ ولكن غابَ عنِّي معللي

«ومسقط الصفا منتهاه، والصفا مكان مرتفع من جبل أبي قُبيس، بينه وبين المسجد الحرام عرض الوادي الذي هو طريق وسوق».

6-             قال ابن الأَثير (ت 606 هـ): «وفيه ذكر الصفا والمروة في غير موضع، والصفا اسم أحد جبلي المسعى». وقال أيضا: «ومروة المسعى التي تذكر مع الصفا، وهي أحد رأسيه اللذين ينتهي إليهما السعي». وعنصر الإطلاق العرفي يرجح ما حدده الأزرقي والفاكهي، ويرجحه أيضا اكتفاء العلماء المحتج بهم بالاستناد على المؤرخين الثقات، وعدم تكلفهم بالبحث في أقوال الشعراء العرب في أقصى امتداد الصفا والمروة في أحوال تحققت فيها أسباب يصح جعلها مسوغةً لتوسيع مكان المسعى كما ينادى بذلك اليوم بعض المجازفين، فلا ندع تحديد هؤلاء الأثبات إلى شهادة شهود لا يحتج بأقوالهم ممن هو ليس من أهل الدراية والرواية، وإن جاور أرض المسعى، وتقدَّم به العُمُر.

قال ياقوت الحَمَوِي (ت 626هـ): «الصَّفا: بالفتح والقصر، والصفا والصفوان والصفواء كله العريض من الحجارة الملس، جمع صَفاة، ويُكتب بالألف، ويثنَّى صفوان، ومنه الصفا والمروة، وهما جبلان بين بطحاء مكة والمسجد، أما الصفا فمكان مرتفع من جبل أبي قُبيس، بينه وبين المسجد الحرام عرض الوادي الذي هو طريق وسوق، ومن وقف على الصفا كان بحذاء الحجر الأسود، والمشعر الحرام بين الصفا والمروة».

وقال ياقوت أيضًا: «المروة: واحدة المرو الذي قبله: جبل بمكة يعطف على الصفا، قال عرّام: ومن جبال مكة المروة: جبل مائل إلى الحُمرة، أخبرني أبو الربيع سليمان بن عبد الله المكي المحدث أن منزله في رأس المروة، وأنها أَكَمَة لطيفة في وسط مكة تحيط بها، وعليها دور أهل مكة ومنازلهم، قال: وهي في جانب مكة الذي يلي قعيقعان، وقد ثناه جرير، وهو واحد، في قوله:

فلا يقربنّ المروتَيْنِ ولا الصفا * ولا مسجد الله الحرام المطهَّر»

فمن كلام ياقوت ومن نقل عنهم يظهر أن جبلي الصفا والمروة موضع يتوسط بطحاء مكة والبيت الحرام، وأنهما إلى البيت أقرب؛ لكون الراقي على الصفا محاذيًا للحجر الأسود، وأن المروة جبل يُعطف على جبل الصفا، وأن الصفا جبل ومكان مرتفع من جبل أبي قبيس، وأن جبل المروة في جانب مكة الذي يلي قعيعقان، فيحصل من ذلك اختصاص كل منهما بحيز محدد، وينطبق على المستوعب لما بينهما مفهوم السعي شرعًا. وعندما يقول ياقوت: «والمشعر العلم المتعبد من متعبداته، وهو بين الصفا والمروة، وهو من مناسك الحج، وقد روى عِياض في ميمه الفتح والكسر، والصحيح الفتح..»، فأين سينقل هذا المشعر إذا أُحدثت التوسعة الجديدة؟ وهو ذو مكان محدد تواترت الروايات عليه؟ كما أنه مشعر متعبَّد به بين الصفا والمروة عهِد بَيْنِيَّته أهل العلم منذ القِدم.

7-             قال ابن منظور (ت 711هـ): «ومنه الصفا والمروة، وهما جبلان بين بطحاء مكة والمسجد، وفي الحديث ذكرهما، والصفا اسم أحد جبلي المسعى، والصفا موضع بمكة»، وهذا صريح في أن الصفا اسم موضوع على مكان يبتدأ به العبادة، فلا يصار إلى غير موضعه، ومن قال بنقيض ذلك تحكم. وقال ابن منظور أيضًا: «ومروة المسعى التي تُذكر مع الصفا، وهي أحد رأسيه اللذين ينتهي السعي إليهما. والمروة جبل بمكة شرفها الله تعالى».

8-             قال عبد المؤمن البغدادي (ت 739هـ): «الصَّفا بالفتح والقصر المذكور في القرآن الكريم: مكان مرتفعٌ من جبل أبي قبيس، بينه وبين المسجد الحرام عرض الوادي الذي هو طريق وسوق، وإذا وقف الواقف عليه كان حذاء الحجر الأسود، ومنه يبتدئ السعي بينه وبين المروة». وقال البغدادي أيضًا: «المروة واحدة المرو، جبل بمكة ينتهي إليه السعي من الصفا، أكمة لطيفة في سوق مكة، حولها وعليها دُور أهل مكة، عُطفت على الصفا، وهو أول المسعى في قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158]. فلذلك ثنَّاها قوم في الشعر فقالوا: المروتين.

9-             قال البلوي (ت نحو 767 هـ) عن جبل أبي قبيس: «وهو أحد أَخْشَبَي مكة، والأخشب الثاني الجبل المتصل بقعيقعان في الجهة الغربية، وبسفح أبي قبيس مسجد محتفل البناء عليه».

10-        قال الفيروزآبادي (ت817هـ): «الصفا من مشاعر مكة بِلِحْفِ أبي قُبَيْس، وابتُنيت على متنه دار فيحاء».

11-        قال الزَّبيدي (ت 1205هـ): «والصفا من مشاعر مكة شرفها الله تعالى، وهو جبل صغير بِلِحف جبل أبي قبيس، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158]. وابتُنيت على متنه دار فيحاء، أي واسعة». وقال أيضا: «والمروة بهاء، جبل بمكة، يُذكر مع الصفا، وقد ذكرهما الله تعالى في كتابه العزيز».

ثالثًا – تحديد سعة الصفا والمروة بالخطوة والقدم:

1-             ذكر ابن جُبير (ت614هـ) أن سعة الصفا تضاهي سبع عشرة خُطوة، ومعلوم أن ابن جبير ألف كتابًا سماه (رسالة اعتبار الناسك في ذكر الآثار الكريمة والمناسك) عُرف بعد ذلك برحلة ابن جُبير، فابن جبير وقف بنفسه على سعة الصفا، ولم يقلد فيه من تقدم عليه، يقول ابن جبير: «وللصفا أربعة عشر درجًا، وهو على ثلاثة أقواس مشرفة، والدرجة العليا متسعة كأنها مصطبة، وقد أحدقت بها الديار، وفي سعته سبع عشرة خطوة».

ويقول ابن جبير عن المروة: «وأدراج المروة خمسة، وهما بقوس واحد كبير، وسعتها سعة الصفا سبع عشرة خطوة، وما بين الصفا والمروة مَسيل هو اليوم سوق حفيلة بجميع الفواكه وغيرها من الحبوب وسائر المبيعات الطعامية، والساعون لا يكادون يخلُصون من كثرة الزحام، وحوانيت الباعة يمينًا وشمالًا، وما للبلدة سوق منتظمة سواها إلا البزازين والعطارين، فهم عند باب بني شيبة تحت السوق المذكورة، وبمقربة تكاد تتصل بها». وذكر ابن جبير أن جبل أبي قُبيس أحد أخشبي مكة، والأخشب الثاني الجبل المتصل بقعيقعان في الجهة الغربية، ونقل أيضًا أنه كان يظن أن الكعبة المقدسة قد انحرفت عن وسط المسجد إلى جهة باب الصفا، لكن الاختبار الذي قام به هو – ابن جبير- في جوانبها المباركة بالكيل تبين بالدليل على أن الكعبة المقدسة في وسط المسجد، بحسَب ما تضمنه رسم السارية.

على أن الدليل القوي الذي يُثْبِت تواتر وتعاقب العمل على تحديد الحد الأيمن للمسعى للقادم من الصفا الذي يجاور دار العباس هو قول ابن جبير: «ومنها يُرمل في السعي إلى الميلين الأخضرينِ، وهما أيضًا ساريتان خَضراوان على الصفة المذكورة، الواحدة منها بإزاء باب علي في جدار الحرم، وعن يسار الخارج من الباب، والميل الآخر يقابله في جدار تتصل بدار الأمير مكثر، وعلى كل واحدة منهما لوح قد وضع على رأس السارية كالتاج ألفيت منه نقوشًا برسم مُذهَّب: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] الآية». فقوله: «والميل الآخر يقابله في جدار تتصل بدار الأمير مكثر» فيه إشارة إلى آخر عرض المسعى باعتبار أن ما بين الميلين له عرض مخصوص وطول مخصوص، والعرض هو مسامتة لعرض المسعى في الجملة أو في أكثر عرضه أو أدناه، وفيه دليل على عدم استقامة حافتي عرض المسعى مثلما نشاهد اليوم، وفيه دليل على تسليم الناس للأمر التعبدي المتعلق بعدم تجاوز ما بين الجدارين، خاصة الجدار المقابل للجدار القريب من البيت الحرام. وقد اختلفت التسميات بحسب العصور التاريخية، فتارة أطلق عليها دار العباس، وتارة أُطلق عليها رباط العباس وفق ما ذكره التقي الفاسي. ويقوي ما عليه هذا العمل الذي يتمثل في وضع علم يشير إلى ما بين عرضي الهرولة (العلمين) قول ابن رستة (ت نحو 300هـ): «وهو باب العباس بن عبد المطلب، وعنده علم المسعى من خارج».

ويحاذي دار العباس سوق الليل، فمَن التوى في سعيه حتى دار من سوق الليل، أو نزل من الصفا ودخل من المسجد لم يصح سعيه كما قال الحطاب، مع أن سوق الليل لا يبعد كثيرًا عن آخر عرض المسعى من جهة دار العباس أو آخر حد للجانب الأيمن للمسعى، قال الحربي: «ثم باب آخر على ثلاث طاقات يقال له: باب بني هاشم، قبله علمان أحمران على صفة، وهما حدا المسعى وبطن الوادي، والناس يسعون من ذينك العلمين الأولين إلى هذين العلمين الآخرين، وحياله سوق الليل، وحيال ما بين هذين البابين مما في صحن المسجد بيت الشراب».

2-             قال ابن رستة عن الصفا وسعتها: «وما بين جداري الباب ست وثلاثون ذراعًا، وجدار الباب ملبس رخامًا… وفي عتبة الباب ست درجات، وفي الدرجة الرابعة إذا خرجت من المسجد الحرام حذاء الطاق الأوسط حجر من رصاص علامة في ذلك الموضع، ذكر المكيون أن النبي صلى الله عليه وسلم وطئ في موضعها حيث خرج إلى الصفا، وكان في موضعه زقاق ضيق يخرج منه من مضى من الوادي يريد الصفا، فكانت هذه الرصاصة في وسط الزقاق يتحرونها ويجدونها».

3-             وقال ابن رستة: «وذرع جدار المسجد الحرام الذي يلي المسعى، وهو الشرقي ثمانية عشر ذراعًا، وطول الجدار الذي يلي الوادي، وهو في الشق اليماني اثنتان وعشرون ذراعًا».

فإذا جعلت المسافة بين جدار الكعبة إلى أول حد المسعى ثمانية عشر ذراعًا، جاءت نتيجة بديهية، وهي احتفاظ المسعى بعرض مخصوص، وهذا أول حد من جهة البيت العتيق، وآخره عند دار العباس لا أبعد، ومن ثم لا تتداخل الحقائق ويستقيم الأمر وتسلم الحدود والأسماء من دخول غيرها فيها، وعليه يُحمل قول الحربي المتقدِّم: «وذرع المسعى من المسجد الحرام إلى دار العباس اثنتان وثلاثون ذراعًا»، فيندفع التوهم عن ابتداء حد المسعى هل هو من أول باب الكعبة الموازي لعرض المسعى أم ابتداء أوله من جهة الصفا المقابلة للكعبة مباشرة؛ هذا إن رُوعي عدم وجود جدار مماثل للجدار الموجود اليوم يفصل بين الكعبة وأرض المسعى، فيقال: الصحيح أن يُعتد بالبدء من قرب الجدار الأول أو الأيسر لمن كان ذاهبًا من الصفا إلى المروة؛ بدليل انتفاء تنبيه العلماء على عدم كون حد المسعى الأول من جهة البيت محاذيًا للبيت أو مماسًّا له، بحيث لا يوجد بينه وبين الطواف فاصل، وكذلك لدفع اختلاط الساعي بالطائف، فيكون الاعتداد من الجدار الفاصل بين الكعبة وأرض المسعى كما هو عليه الآن، ومن جهة أخرى يقال: إن الواقع يشهد لعدم دخول الجهة المحاذية للبيت في الذرع؛ فهو أكثر من اثنتين وثلاثين ذراعًا، بحسَب ما ذكره الحربي نفسه في موضع آخر من كتابه المناسك، وكذلك بحسب ما سَرَدَهُ اليعقوبي (ت292هـ) عن أعمال المهدي التوسيعية في الحرم عندما قال: «وزاد مما يلي الكعبة إلى باب الصفا تسعين ذراعًا… فكان المهدي آخر من زاد في المسجد الحرام، وبنى العلمين اللذين يسعى بينهما، وبين الصفا والمروة».

وقال ابن رستة: «ذكر بناء درج الصفا والمروة، قال: كانت الصفا والمروة يُسند فيهما من سعى بينهما سعيًا، ولم يكن فيهما بناء ولا درج، فلم يزل على ذلك حتى كان في خلافة أبي جعفر المنصور، فعملها عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فجعل لهما درجًا وسوّاها، وأوطأها، فدرجهما إلى اليوم قائمة، وقد كانت تُعمر وتكحل بالنورة، وكان أول من أحدث فيهما بناء بعد بناء عبد الصمد، وكحلها بالنورة الطبري في خلافة المأمون».

4-             قال النووي (ت676هـ): «الصفا هو مَبْدَأ السعي، مقصور، وهو مكان مرتفع عند باب المسجد الحرام، وهو أنف جبل أبي قُبيس، وهو الآن إحدى عشرة درجة، فوقها أَزَج كإيوان، وعرض فتحة هذا الأَزَج نحو خمسين قدمًا، وأما المروة فلاطئة جدًّا، وهي أنف جبل قعيقعان، وهي درجتان، وعليها أيضًا أَزَج كإيوان، وعرض ما تحت الأَزَج نحو أربعين قدمًا، فمن وقف عليها كان محاذيًا للركن العراقي، وتمنعه العمارة من رؤيته. وقولهم: إذا نزل من الصفا سعى حتى يكون بينه وبين الميل الأخضر المعلق بفناء المسجد نحو ست أذرع فيسعى سعيًا شديدًا حتى يحاذي الميلين الأخضرين اللذين بفناء المسجد وحذاء دار العباس، ثم يمشي حتى يصعد المروة. اعلم أن السعي وهو ما بين الصفا والمروة واد، وهو سوق البلد ملاصق للمسجد الحرام».

5-             قال البلوي (ت767هـ): «ومن باب الصفا إلى الصفا ست وسبعون خطوة، والصفا أربعة عشر درجًا، وهو على ثلاثة أقواس مشرفة، والدرجة العليا متسعة كأنها مصطبة، وقد أحدقت به الديار، وفي سعته سبع عشرة خطوة، والميل سارية خضراء، وهي خضرة صياغية، وهي إلى ركن الصومعة التي على الركن الشرقي من الحرم الشريف، وفيها يرمل في السعي إلى الميلين، وهما أيضًا ساريتان خضراوان على الصفا المذكورة الواحدة منها بإزاء باب علي رضي الله عنه في جدار الحرم الشريف، وعن يسار الخارج من الباب، والميل الآخر يقابله في جدار دار، وعلى كل واحد منهما لوح قد وُضع على رأس السارية كالتاج منقوش فيه برسم مذهب: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} [البقرة: 158] الآية. وبعدها أمر بعمارة هذا الميل عبد الله وخليفته أبو محمد المستضيء بأمر الله أمير المؤمنين، أعز الله نصره، سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، فجميع خطى الساعي من الصفا إلى المروة أربعمائة خطوة، والخطوة ثلاثة أقدام، وما بين الصفا والمروة (مَسيل) هو اليوم سوق حافلة بجميع الفواكه وغيرها».

6-             قال ابن بطوطة (ت779هـ) في رحلته الشهيرة باسمه، المسماة (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار): «ذكر الصفا والمروة: ومن باب الصفا الذي هو أحد أبواب المسجد الحرام إلى الصفا ست وسبعون خطوة، وسعة الصفا سبع عشرة خطوة، وله أربع عشرة درجة، علياهن كأنها مصطبة… وللمروة خمس درجات، وهي ذات قوس واحد كبير، وسعة المروة سبع عشرة خطوة… وبين الصفا والمروة دار العباس رضي الله عنه، وهي الآن رباط يسكنها المجاورون».

والملاحظ أن ابن جُبير والبَلَوِي وابن بَطُّوطَة استعملوا في التحديد قياس الخطوة، لا الذراع والقدم كما فعل النَّوَوِي، ولا يَخْفَى أن البلوي وابن بطوطة قد أخذا عن ابن جبير، ذلك أن الناظر في كلامهم يجد تشابًها بيِّنًا في المضمون والأسلوب، إلا أن ذلك لا يدل على اعتماد البلوي وابن بطوطة المطلق على ابن جُبير؛ لأن كلًّا منهما ألَّف كتابه أثناء رحلته للحج، بمعنى أن كل واحد منهما قد وقف على القياس والتحديد، مع إضافة البلوي تحويل حجم الخطوة إلى ما يقابلها من القدم، في قوله: «والخطوة ثلاثة أقدام»، كما أن تحديد المؤرخين لما بين الصفا والمروة بالذراع أو الخطوة يدل على استقرار ما في أذهانهم من البينية، ويدفع توهم امتداد الصفا والمروة لأكثر من المعهود، ولعل هذا هو المغزى من قول الأزرقي: «وذرع ما بين الصفا والمروة سبعمائة ذراع وستة وستون ذراعا ونصف». وقول الحربي: «وذرع ما بين الصفا والمروة سبعمائة ذراع وتسع أذرع، وثماني أصابع، وذرع المسعى من ذلك مائة ذراع وتسع عشرة ذراعا»، وقول ابن جبير: «فجميع خطى الساعي من الصفا إلى المروة أربعمائة خطوة وثلاث وتسعون خطوة».

الخطوة وما يقابلها في النظام المتري:

قال البلوي: «والخطوة ثلاثة أقدام»، والخطوة هي خطوة الآدمي ذي الخلقة المعتدلة المعتادة في أكثر الآدميين، لا القصير ولا الضخم العظيم ذي الجثة والخطوة الواسعة، فيكون مقدار الخطوة التي استعملها ابن جبير والبلوي وابن بطوطة ثلاثة أقدام بوضع قدم في الأمام، والقدم الأخرى وراءها، وبينهما مقدار قدم مماثلة لهما، ويصح أن تكون المعادلة على هذا النحو:

القدم = 30 سنتيمترا × 3 أقدام = 90 سنتيمترا.

فتكون الخطوة بمقدار 90 سنتيمترا، والمتر فيه 100 سنتيمتر، ويطلق على الخطوة: يارد بالنظام التقديري الحديث، وعليه تكون السبع عشرة خطوة مضروبة في 90 سنتيمترا ليتحصل على المقدار المتري، فتكون المعادلة على هذا النحو:

90  سنتيمترا × 17= 1530 سنتيمترا، 9 (1530) = 30 ,15 (خمسة عشر مترا وثلاثين سنتيمترا)، أي أن سعة الصفا والمروة بحسب قياس ابن جبير ومن وافقه خمسة عشر مترًا ونصف متر تقريبًا، وهو لا يختلف عن تحديد النووي في الصفا دون المروة؛ لأن تحديد النووي للمروة أقل من تحديد الآخرين بأحد عشر قدمًا، أي ثلاث خطوات، وهو ما يساوي مترين ونصفًا تقريبًا، وهذا اختلاف خفيف غير مؤثر في الحكم.

الاحتجاج بذرع ابن جبير والبلوي وابن بطوطة:

لا ريب أن رواية ابن جبير والبلوي وابن بطوطة فيها دقة من حيث جزمهم بمقدار السعة التي حددوها وشاهدوها بأمهات أعينهم، ورواياتهم في الآثار المكانية والمشاهد التاريخية مقدَّمة عند طائفة من العلماء، وفيما يأتي الدليل على ذلك:

 

1-             توثيق ابن جبير وكتابه (الرحلة):

قال المنذري المحدث (ت 656هـ) عن ابن جبير وهو ممن عاصره وسمع منه: «كان من أهل العلم والديانة والفضل والصيانة، وكان مقدمًا في بلاده في ذلك، وانفرد منقطعًا إلى الخير وأهله».

وقال عنه لسان الدين بن الخطيب (ت 776هـ): «وكان أديبا بارعًا شاعرًا مجيدًا سنيًّا فاضلًا، نزيه الهمة، سري النفس، كريم الأخلاق، أنيق الطريقة في الخط… ورحلته نسيجة وحدها، طارت كل مطار».

وقال لسان الدين أيضا: «وصنف الرحلة المشهورة وذكر مناقله فيها، وما شاهده من عجائب البلدان وغرائب المشاهد… وسكن غرناطة، ثم مالقة، ثم سبتة، ثم فاس منقطعًا إلى إسماع الحديث والتصوف وتروية ما عنده، وفضله بديع، وورعه يتحقق، وأعماله الصالحة تزكو».

2-             توثيق البَلَوي وكتابه (تاج المَفْرِق):

أثنى عليه الشاطبي (ت790هـ) بقوله: «هو الشيخ الفقيه القاضي الأعدل». وذكره أحمد بابا التنبكتي فقال عنه: «من أهل الفضل، كثير التواضع والخُلُق الحسن، جميل المعشر، محب الأدب، تقضَّى ببلده وغيرها، حج وقيد رحلته في سفره، وصف فيها البلاد ومن لقي بها.

ورحلته مشحونة بالفوائد والفرائد، وفيها من العلوم والآداب ما يتجاوزه الرائد، ورحلته كانت من بلده فيتورية إلى بيت الله الحرام، وقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأداء النسك والزيارة… واشتهرت رحلته بالمغرب والمشرق وتداولتها الأيدي، وكانت عمدة في تراجم الكثير من الرجال والأعلام، وله تخريج في حديث الرحمة، وكتاب عن أسانيد ثلاثيات البخاري، أشار له في تاج المفرق».

3-             توثيق ابن بطوطة وكتابه (رحلة ابن بطوطة):

قال لسان الدين بن الخطيب نقلا عن شيخه أبي البركات: «وجاور بمكة، واستقر عند ملك الهند، فحظِيَ لديه وولاه القضاء، وأفاده مالا جسيمًا، وكانت رحلته على رسم الصوفية زيًّا وسجيةً، ثم قفل إلى بلاد المغرب، ودخل جزيرة الأندلس، فحكى بها أحوال المشرق وما استفاد من أهله، فكُذب».

ونقل الحافظ ابن حَجَر (ت 854 هـ) أن البلفيقي رمى ابن بطوطة بالكذب، فبرأه ابن مرزوق، وقال: «إنه بقي إلى سنة سبعين ومات وهو متولي القضاء ببعض البلاد، قال ابن مرزوق: ولا أعلم أحدًا جال البلاد كرحلته، وكان مع ذلك جوَادًا محسنًا».

ورحلة ابن بطوطة وصلتنا من طريق ابن جزي المالكي (ت 741 هـ)، فهو الناقل والكاتب لها فيما بعد، وله مقدمة عليها، ويثبت كلامه أحيانًا في صلب الرحلة، فمثلا يقول: أخبرني بعض أشياخي الرحالين أن أحد الرمالين بالإسكندرية…

وشهد ابن جزي لابن بطوطة برسوخ القدم في أحوال البلدان وأخبارها، ومن ذلك قوله فيه:  «الشيخ الفقيه السائح الثقة الصدوق، جوال الأرض، ومخترق الأقاليم بالطول والعرض، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي المعروف بابن بطوطة، المعروف في البلاد المشرقية بشمس الدين، وهو الذي طاف الأرض معتبرا، وطوى الأمصار مختبرا، وباحث فرق الأمم».

تحديد عرض المسعى في القرنين الأخيرين:

انقضى عصر الأزرقي والفاكهي والحربي وعصر ابن جُبير والنووي والبلوي، وتعاقبت عصور، حتى جاء أهل التاريخ والمعرفة بالآثار المكانية في القرنين المنصرمين بتحديد ينقص نقصانًا بينًا عن تحديد المؤرخين والعلماء السابقين، فذكر غير واحد من أهل الاختصاص التاريخي في العصر الحديث أن عرض المسعى اثنا عشر مترًا، ومن هؤلاء محمد بيرم التونسي (ت 1307 هـ) في قوله عن المسعى: «وبينهما – الصفا والمروة – طريق متسع عرضه ما بين عشرة أمتار واثني عشر مترًا».

ومنهم محمد باشا صادق، فقد قال عن وصف شارع المسعى: «في شارع عرضه تارة عشرة أمتار، وتارة اثنا عشر مترًا».

ويرجع السبب في اختلاف عرض المسعى في بعض مواضعه بحسَب ما ذكره محمد بيرم التونسي ومحمد باشا صادق إلى أن الوادي يضيق أحيانًا ويتسع أحيانًا، وتظهر الصور الفوتوغرافية التي يقال: إن محمد باشا صادق أول الملتقطين لها حالة المسعى ومدى قربه من الكعبة، وكذلك إحاطة البناء والحوانيت به، وكأنه ممر أو زقاق ضيق يخترقها، وما ذاك إلا لدخولها في أجزاء شاسعة منه تصل إلى سبعة أمتار في مواضع أخرى.

وقال إبراهيم رفعت باشا (ت 1353 – 1935 م) الذي كان أميرًا لِمَحْمَل الحج المصري عدة مرات: «والشارع الذي بين الصفا والمروة هو المسعى، وطوله أربعمائة وخمسة أمتار، وعرضه تارة عشرة أمتار، وتارة اثنا عشر مترًا».

وقال حسين عبد الله باسلامة المكي: «وعرض أصل الصفا التي عليها الثلاثة عقود اثنا عشر مترًا».

وقال محمد طاهر الكردي المكي (1903 م – 1980 م): «وعرض أصل الصفا التي عليها الثلاثة عقود اثنا عشر مترًا».

وهكذا تطابقت تحديدات مؤرخي القرنين الأخيرين الرابع والخامس عشر، فوجد فرق بين تحديد المتقدمين، وتحديدهم يصل إلى قرابة ستة أمتار، والغالب أن حساب محمد بيرم ومن وافقه قد اعتبر مكان سعي الناس في ذلك الوقت دون الاكتراث بحقيقته وامتداده الأصلي، وذلك لدخول الأبنية والأسواق أو الدكاكين في أجزاء من عرض المسعى من جهته الشرقية؛ لأن محمد بيرم نفسه يقول: «وحول المسجد من أغلب الجهات طرق، وباب السلام يفتح في الطريق الواقع بين الصفا والمروة، وهو طريق متسع حوله ديار ذات عدة طبقات، ومنها: دار الشيبي، وأسفل الديار حوانيت عليها مظلات يباع بها المأكولات وغيرها… وكل من الصفا والمروة محل في نهاية زاوية من الطريق متسع ذو درج عريضة تنتهي إلى حائط… وفي جبل أبي قبيس المطل على المسجد الحرام مسجد صغير، وبعض ديار وزاوية للشيخ السنوسي».

وقد يكون الاختلاف في حساب حجم المسعى راجعًا إلى الاختلاف في المقاييس، كما ذكر حسين باسلامة بقوله: «قد اعتنى بذرع شارع المسعى كثير من العلماء في كتب شتى من مناسك وتاريخ وما أشبه ذلك بالذراع والخطوة في الأزمنة القديمة، وبالمتر في العصر الحاضر، ونتج من ذلك خلاف سببه اختلاف المقاييس».

وعلى كل حال فالذي يَتَعَيَّنُ الاعتماد عليه في تحديد عرض المسعى هو كلام المتقدمين؛ كالأزرقي والفاكهي، لا كلام هؤلاء المتأخرين الذين عاينوا المسعى في زمن ضاق فيه عرضُه بسبب ما اقتطعه منه مَن يجاوره من أصحاب الدُّور والدكاكين.



([1]) أخرجه أحمد (45/ 363، رقم 27367).

([2]) أخرجه البخاري (2/ 157، رقم 1643)، ومسلم (2/ 929، رقم 1277).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.