محل رمي الجمرات

 

مَحَلّ الرَّمْي: الجِمَار الثلاث، أوَّلها التي تلي مسجد الخَيْف، والوُسطى، والأخيرة وهي جمرة العَقَبَة.

وقد اتفقَ الفُقهاءُ على أن الجَمْرة هي مُجْتَمَع الحَصَى الذي تحت العمود، فإذا وقع الحصى تحت العمود أَجْزَأَ([1]).

ولكنهم اختلفوا فيما خرج عن مُجْتَمَع الحَصَى، أو وقع على الشاخِصِ ولم ينزِلْ؛ فذهب بعض علماء الحَنَفِيَّة إلى أن الحَصَاةَ إذا وقعت قريبًا من الجمرة أجزأتْ، والقُرب حَسَب العُرف؛ فما عُدَّ قريبًا فهو قريبٌ، وما عُد في العُرْف بعيدًا فهو بعيدٌ، جاء في المحيط البُرْهَاني: «ينبغي أن تقع الحصاة عند الجمرة أو قريبًا منها، حتى لو وقعت بعيدًا منه لم يُجْزِئْه؛ لأنا إنما عرفنا الرمي قربة بالشرع، بخلاف القياس في مكان مخصوص، إلا أن قريبَ الشيء حُكْمُه حُكْمُ ذلك الشيءِ»([2]).

وجاء في إرشاد السَّارِي: «والبُعد والقُرب بحسَب العُرف، ولذا قال في الفتح: فلو وقعت بحيث يقال فيه: ليس بقريب منه ولا بعيد، فالظاهر أنه لا يجوز احتياطا»([3]).

فبناءً على ما ذهب إليه الحنفية لا يلزم إصابة مجتمع الحصى بالرمي، بل لو رمى ووقع قريبًا منه أجزأ.

وأما بالنسبة للشاخص فليس موضعًا للرمي عند الحَنَفية، ولكنه علامةٌ للجمرة، ولكن لو وقع على أحد جوانب الشاخص أجزأه، للقرب، ولو وقع على قبة الشاخص ولم ينزل عنها لا يجزئه، للبعد([4]).

وذهب المالكيَّةُ في القول المعتمد عندهم إلى أن الشاخص مَوْضِعٌ للرمي؛ لأنه يقع عليه اسم الجمرة، فيصح الرمي فيه ويُجْزِئ، ولو لم تقع الحصاة على مجتمع الحصى، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالجمرة مجتمع الحصى، فلا يجزئ ما خرج عنه، قال الدردير: الجمرة هي البناء، وما حوله من موضع الحصى، وهو أَوْلَى، فإن وقعتِ الحصاةُ في شق من البناء أجزأت على التحقيق. قال الصاوي: وقيل إن الجمرة اسم للبناء الذي حول المكان فقط محل اجتماع الحصى، وعليه فلا يجزئ ما وقف في البناء، ولكن التحقيق الإجزاء([5]).

وعند جمهور الشافعية – كما ذكر النووي – «الجمرة مجتمع الحصى، لا ما سالَ من الحصى، فمن أصاب الحصى بالرمي أجزأه، ومن أصاب سائل الحصى الذي ليس هو بمجتمعه لم يُجْزِئْه، والمراد بمجتمع الحصى في موضعه المعروف»([6]).

وأما الشاخص فلا يصح رَمْيُه، قال ابن حَجَر الهَيْتَمِيّ: «وعُلم من عبارته – يعني النووي – أن الجمرة اسم للمرمى حول الشاخص، ومن ثَم لو قلع لم يجز الرمي إلى مَحَلِّه، ولو قصده لم يُجْزِئ»([7]).

ويرى بعض علماء الشافعية الإجزاء إذا قصد الشاخص، ولو لم تسقط في مجتمع الحصى؛ لأن العامة لا يقصدون بذلك إلا فعل الواجب، والرمي إلى المرمى، وقد حصل فيه بفعل الرمي، قال الشرواني: «وهذا هو الذي يَسَعُ عامة الحجيج اليوم»([8]).

ويرى الحنابلةُ أنَّ المرمى مجتمع الحصى، لا نفس الشاخص، ولا مَسِيله، فلا يجزي عندهم رمي الشاخص([9]).

ويُفهم مما سبق أن جمهور العلماء يَرَوْنَ أن محَل الرمي هو مجتمع الحصى، ويزيد الحنفية جواز وُقُوع الحصى قريبًا من المرمى، ويرى المالكية وبعض الشافعية جواز رمي الشاخص أو محله.

وأما مساحة محل الرمي فللعلماء فيها خلاف، وقد قدَّرها بعض المتأخرين من الشافعية بثلاثة أذرع([10])، قال ابن حجر الهيتمي: «حَدّه الجمال الطبري([11]) بأنه ما كان بينه وبين الجمرة ثلاثة أذرع فقط، وهذا التحديد من تفقهه، وكأنه قرر به مجتمع الحصى غير السائل، والمشاهدة تؤيده؛ فإن مجتمعه غالبًا لا ينقص عن ذلك»([12]).

وقال ابن حجر الهيتمي أيضًا: «تحديد الشافعي رضي الله عنه، والأصحاب، ومن بعدهم إلى زماننا، رضي الله عنهم، المرمى بمجتمع الحصى صريحٌ؛ أي صريح في أن مجمع الحصى المعهود الآن بسائر جوانب الجمرتين الأوليينِ تحت شاخص جمرة العقبة هو الذي كان في عهده صلى الله عليه وسلم»([13]).

وقال الشيخ عبد الله البَسَّام: «أما الحنابلة فلم نَعْثُرْ لهم على تقدير وتحديد لموضع الرمي، وإنما يتناقلون عبارة الشافعي المتقدمة»([14]).

وقال الشيخ سليمان بن علي([15]): «المرمى الذي يترتب عليه الأحكام هو الأرض المحيطة بالميل المبني، ولم أقِفْ على حدِّ ذلك؛ هل هو ذراع أو أكثر أو أقل… والذي يظهر لي – والله أعلم – أن المرمى منها الأرض التي في أصل البناء مما يلي بطن الوادي، فلو رمى ظهرها لا يُعتد به»([16]).

وجاء في رسالة «الأنهار الأربعة في مرمى جمرة العقبة»([17]) أن: الزحمة التي عند جمرة العقبة يلزم إزالتها بوضع شباك حواليها – ونقل اتفاق جمع من العلماء على أنه يجب إزالة الزحمة بالشباك – فأُحدث في آخر شهر ذي القعدة من شهور السنة إحدى وتسعين ومائتين وألف شباك حديدي، والحامل لهم على ذلك دفع معظم زحمة الرامين لجمرة العقبة، لا لتحديد ذات المرمى … قال الشيخ عبد الله البسام: وقد اعترض على إحداث هذا الشباك بعض العلماء، وأشدهم إنكارًا له الشيخ علي باصبرين([18]) (عالم مدينة جدة في زمنه) فقال في رسالة له: إن المقصود من وضع ذاك الشباك رفع معظم زحمة الرامين، وهو حَسَنٌ، غير أنه بالتحويط بذلك الشباك وعلى ما يعتبر فيه الرمي وما لا يعتبر يحصل إيهام العوامّ، فيتوهمون أن جميع ما أحاط بذلك مرمى، وليس الأمر كذلك، ودرء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح، فكان يتعين على فاعلي ذلك الشباك بالقصد الحسن أن يتداركوا رفع إيهام المفسدة الشرعية بأحد أمرين:

أحدهما: إحداث شباك ثانٍ من حديد، يكون بقدر منصوص المرمى المتفق عليه، في عرض أساس العلم المبني، والثلاثة الأذرع معتبرة من أساس ظاهر العلم إلى جهة الوادي.

الثاني: وضع دكة مرتفعة على المرمى المذكور بخصوصه ليميز من غيره مما أحاط بالشباك الحادث من الأرض التي لا يجزئ الرمي فيها، وإما بإزالة هذا الشباك الحادث الموهم…

وذكر الشيخ عبد الله البسام أنه بعد مناقشة طالت أُزيل وأُحدث بدله بناء أحواض حول الجمار الثلاث، وذلك في السنة التي بعدها، وهي سنة اثنتين وتسعين و مائتين وألف، وقال الشيخ البسام: ويظهر لي من الرسالة والبحث والمناقشة أن أحواض الجمار لما بُنيت عام ( 1292هـ) بُنيت بشكل واسع، ثم اختصرت أحواضها على ما هي عليه الآن([19]).

ويتضح مما سبق ما يلي:

1-             أن مرمى الجمار غير محاط ببناء، وأن الناس كانوا يرمون الحصى قريبًا من الشاخص.

2-             أنه ليس هناك مساحة محددة للمرمى، ولذلك اختلف العلماء في تقديرها.

3-             أن اعتراض الشيخ علي باصبرين على وضع الشباك؛ لأنه يرى أن الرمي لا يجوز فيما زاد على ثلاثة أذرع، وذلك أنه شافعي المذهب، والمتأخرون من الشافعية حددوه بهذا المقدار.

4-             أن الأحواض لما بُنيت عام ( 1292هـ) بنيت بشكل واسع ثم اختصرت أحواضها على ما هي عليه الآن، ولعل اختصارها عملًا بما ذهب إليه المتأخِّرون من علماء الشافعية، جاء في منسك «دليل الطريق لحجاج بيت الله العتيق»: المرمى هو المحل المبني فيه العلم، أي العمود، وضبطه بثلاثة أذرع من جميع جوانبه، وقد حُوط الآن على هذا المقدار بجدار قصير، فالرمي يكون داخله – وهذا في غير جمرة العقبة – وعليه دائرة أمامه، فالرمي يكون في وسط الدائرة تحتها([20]).

ويظهر لي – والله أعلم – أن بناء الأحواض بشكل واسع بناءً على رأي بعض العلماء في ذلك الوقت، ثم ضُيقت بناء على رأي بعض علماء الشافعية، وسدًّا لباب الخلاف، علمًا بأن الحجاج في ذلك الوقت عددهم قليل، وليس هناك حاجة لتوسيع المرمى، فاكتفي به على هذا المقدار.


([1]) يُنظر: المحيط البرهاني 3/ 24، وغُنية الناسك ص: 187.

([2]) يُنظر: المحيط البرهاني 3/ 24، وغنية الناسك ص: 187.

([3]) إرشاد الساري إلى مناسك الملا علي القاري ص: 164، ويُنظر: فتح القدير لابن الهُمام.

([4]) يُنظر: غُنية الناسك: 186، واللباب للميداني 1/ 173، والجوهرة النيرِّة ص: 204.

([5]) بلغة السالك للصاوي على الشرح الصغير للدردير 1/ 282، وينظر: جامع الأمهات لابن الحاجب ص: 199.

([6]) الإيضاح للنووي ص: 410 (مطبوع مع حاشية ابن حجر) وينظر: الأم للشافعي 2/332، ومغني المحتاج 1/ 507، وتحفة المحتاج 3/ 313.

([7]) تحفة المحتاج (مع حاشيتي الشرواني وابن قاسم) 5/ 236.

([8]) حاشية الشرواني على تحفة المحتاج 5/ 236.

([9])كشاف القناع للبهوتي 2/ 501.

([10]) ينظر: فتح الجواد بشرح الإرشاد لابن حجر الهيتمي 1/ 338، ومغني المحتاج للشربيني الخطيب 1 / 508، وتحفة المحتاج للرملي 3/ 313، وإعانة الطالبين للبكري 2/ 347، وحاشية القليوبي على كنز الراغبين 2/ 195، والسراج الوهاج للغمراوي ص: 165.

([11]) هو جمال الدين محمد بن محب الدين أحمد بن عبد الله الطبري المكي الشافعي، من مؤلفاته: التشويق إلى البيت العتيق، تُوفي في حدود سنة 700 هـ، ينظر: كشف الظنون 1 / 410، وهدية العارفين 6/ 139.

([12]) حاشية ابن حجر الهَيْتَمِي على الإيضاح ص: 410، والفتاوى الكبرى الفقهية 2 / 108.

([13]) الفتاوى الكبرى الفقهية 2 / 108.

([14]) مجلة العرب العدد (7، 8) س 22، ص 470 مقال للشيخ عبد الله البسام عنوانه (حدود حمى المشاعر).

([15]) هو: سليمان بن علي بن مشرف، وُلد في أشيقر في نجد، وانتهت إليه الرياسة في العلم في نجد، وتولى القضاء في العُيينة، (ت 1079 هـ) ينظر: علماء نجد خلال ستة قرون 1 / 309 – 313.

([16]) نقل ذلك الشيخ عبد الله البسَّام، ينظر: مجلة العرب العدد (7، 8) س 22.

([17]) الأنهار الأربعة: رسالة للشيخ محمد شكري إسماعيل حافظ كاتب الحرم المكي، ينظر: مجلة العرب العدد (7، 8) س 22، ص 470 مقال للشيخ عبد الله البسام عنوانه (حدود حمى المشاعر).

([18]) هو: علي بن أحمد بن سعيد المعروف بصابرين، فقيه شافعي، من رجال الحديث، حضرمي الأصل، له مؤلفات في الفقه والحديث (ت 1304هـ(. ينظر: الأعلام للزركلي 4/ 260.

([19]) ينظر: مجلة العرب العدد (7، 8) س 22، ص (471، 472) مقال للشيخ عبد الله البسام عنوانه (حدود حمى المشاعر).

([20]) نقل ذلك الشيخ عبد الله البسام، ينظر: مجلة العرب العدد (7، 8) س 22.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.