من الآثار النبوية (1)

القَضيب والبُردة:

وهما أثران نبويانِ كانا من شَارات الخِلافة في الدولة العبَّاسية، كما كان الخاتم من الشارات السُّلطانية في دول المغرِب، والمِظَلَّة في الدولة الفاطمية على ما يقول ابن خَلْدُون(2).

أما القَضيب فرُوي في كتب السِّيرة أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان له قضيب من شَوْحَط يُسمَّى المَمْشُوق(3)، قيل: وهو الذي كان الخلفاء يتداولونه. قال الإمام المَاوَرْدِيّ في الأحكام السُّلطانية: «وأما القضيب فهو من تَرِكة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي صدقة، وقد صار مع البُردة من شِعار الخلافة»(4). وكان المتبَع أن يكون بيد الخليفة في المواكب، وكانوا يطرحون البُردة على أكتافهم في المواكب. قال ابن كَثير في البداية والنهاية: «كان الخليفة يَلْبَسُها يوم العيد على كتِفيه ويأخذ القَضيب المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى يديه فيخرج وعليه من السَّكِينة والوَقار ما يَصْدَع القلوب ويُبْهِر به الأبصار»(5). وبلغ من عنايتهم بهذين الأثرين أنهم كانوا كلما قام منهم خليفة اهتم بهما اهتمامه بالبَيعة.

صفة البُردة:

في الكلام عن شِعار الخلافة من صُبْح الأَعْشَى نقلًا عن ابن الأَثير أن بُردة النبي صلى الله عليه وسلم التي كان الخلفاء يلبسونها في المواكب كانت شَمْلَة مُخَطَّطَة. وقيل: كانت كِساءً أسودَ مربعًا فيها صِغَر. اهـ.

وفي تاريخ الخُلفاء للسيوطي: «أخرجَ الإمامُ أحمدُ في الزُّهد عن عُروة بن الزُّبير رضي الله عنه أن ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يخرج فيه للوفد رِداء حَضْرَمي طوله أربع أَذْرُع وعرضه ذِراعان وشبر، فهو عند الخلفاء قد خَلَقَ وطووه بثياب تُلبس يوم الأضحى والفِطر»(6).

المِنبر:

الثابت أن منبره صلى الله عليه وسلم الذي كان يخطب عليه لم يُنقل من مسجده، وإنما كان معاوية رضي الله عنه أراد نقله إلى الشام، وكتب بذلك إلى مروان بن الحكم عامله بالمدينة، فلما اقتلعه كثر لغط الناس، فخشِي الفتنة وزاد فيه درجًا ورده، وقال: إنما اقتلعته لأزيد فيه. فبقي في مكانه حتى احترق باحتراق المسجد سنة 654، فالمراد أن بني العباس ورثوه وهو في مكانه، لا أنه نُقل إليهم بالعراق كغيره من الآثار التي نُقلت إليهم. وقد كان لاحتراق هذا الأثر النبوي وقْع أليم في نفوس المسلمين، ولا سيما عند ساكني المدينة وزائريها.

السَّرير:

وهو سرير كان ينام عليه قوائمه من ساجٍ، بعث به إليه أَسعد بن زُرارة. وفي سيرة ابن سيد الناس أن الناس من بعده كانوا يحملون عليه موتاهم تبركًا به. وقال البرهان الحلبي في حاشيته على هذه السِّيرة(7): «قوله: وكان له سرير ينام عليه، قال السُّهيلي في أول النصف الثاني من روضه(8): وكان سريره صلى الله عليه وسلم خشبات مشدودة بالليف، بيعت في زمن بني أمية فاشتراها رجل بأربعة آلاف درهم. قاله ابن قُتيبة. اهـ. فيَحتمِل أن السرير المذكور هنا غير ما ذكره المؤلف؛ وذلك لأن المؤلف قال فيه هنا: فكان الناس يحملون عليه موتاهم تبركًا. ويَحتمل أنه هو، وهو الظاهر، والله أعلم». اهـ.

الخاتم:

وكان يَلبسه صلى الله عليه وسلم ويختم به كتبه إلى الملوك ونقش عليه (محمد رسول الله)، وكان من بعده عند الصديق، ثم عند الفاروق رضي الله عنهما، فلما كانت خلافة ذي النُّورين عثمان رضي الله عنه سقط من يده في بئر أَرِيس بالمدينة، والتمسوه فلم يجدوه، فاغتم لذلك غمًّا شديدًا، واتخذ له خاتمًا على مثاله نقش عليه (محمد رسول الله) فكان يختم به(9).

العِمامة:

وهي المُسَمَّاة بالسَّحَاب(10)، وكان صلى الله عليه وسلم وهبها لعلي رضي الله عنه، ثم صارت بعد ذلك لبني العباس.

السيف:

وهو المعروف بذي الفَقَار، وهو سيف كان للعاص بن مُنَبِّه السَّهْمِي الذي قُتل كافرًا يوم بدر، فغنِمه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لا يفارقه في حرب من حروبه، وسُمي بذلك لحزوز مثل فِقْرات الظهر كانت في وسطه، وكانت قائمته وقبيعته وحلقته وعلاقته من فضة(11).


(1) ما يرد تحت هذا العنوان مستقى من كتاب أستاذ أحمد تيمور باشا «الآثار النبوية»، وليس المراد في هذا العنوان بيان صحة هذه الآثار أو زيفها، أو تقصيها، فهذا جهد لا أدعيه في هذا البحث. وسيرد في العنوان التالي: «حقيقة الآثار الآثار النبوية» تفصيل بخصوص بعض الآثار الموجودة إلى الآن.

(2) راجع «ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر» لابن خلدون (1/ 329).

(3) أسد الغابة (1/ 38).

(4) الأحكام السلطانية (1/ 258).

(5) البداية والنهاية (8/ 377).

(6) تاريخ الخلفاء (1/ 21). والحديث أخرجه أحمد في الزهد (ص38).

(7) اسمها عيون الأثر في فنون المغازي والسير، للحافظ محمد بن محمد اليعمري الشهير بابن سيد الناس، المتوفى سنة 734. واختصرها مؤلفها في جزء صغير سماه نور العيون في سيرة الأمين المأمون. وعلى الأصل حاشية اسمها النبراس على سيرة ابن سيد الناس للحافظ برهان الدين إبراهيم الحلبي الشهير بالبرهان الحلبي وبسبط ابن العجمي المتوفى سنة 841.

(8) هو الروض الأنف للإمام العلامة عبد الرحمن السهيلي المتوفى سنة 581، وهو شرح على السيرة النبوية لابن هشام.

(9) السنن الصغرى للنسائي (8/ 178، رقم 5217).

(10) راجع زاد المعاد (1/ 131).

(11) وينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم خلاف ذي الفقار ثمانية أسياف غيره. وراجع على سبيل المثال «زاد المعاد» ص1/ 126-128 (فصل في ذكر سلاحه وأثاثه صلى الله عليه وسلم) وغيره من كتب السيرة؛ ففيها مزيد تفصيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *