الرئيسية » القبور والشريعة » القبور والشريعة » دعوى اعتبار الصحابة بناء المساجد على القبور من الدين وادعاء مخالفة شيخ الإسلام ابن تيمية لهم فى ذلك

دعوى اعتبار الصحابة بناء المساجد على القبور من الدين وادعاء مخالفة شيخ الإسلام ابن تيمية لهم فى ذلك

يرى المناوئون لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أن البناء على القبور، وتشييدها، وجعل الستور عليها، وبناء المساجد عليها كلَّه من الدين، وأن بناءَ المساجد على القبور سُنَّةٌ رائجةٌ في صدر الإسلام ([1])، وأن عبارات العلماء قد تضافرت على بيان جواز البناء على القبور فكأنه إجماع عملي منهم ([2]).

ويرون -بعد ذلك- أن ابن تيمية -رحمه الله- هو مؤسس القول بحرمة بناء المساجد على القبور([3])، زاعمين أن من شُبهة ابن تيمية -رحمه الله- كما يذكر السبكي (ت- 756هـ)، أن اتخاذ القبور مساجد – مطلقًا – من أصول الشرك. وقد ردَّ السبكي  على ابن تيمية -رحمه الله- هذا الإطلاقَ، مُبيِّنًا أن الشركَ هو العكوفُ على القبور وتصوير الصور فيها ([4])؛ إذ يرى المناوئون أن تكريم أصحاب القبور من صميم التوحيد ([5]).

وذكروا أن الذي أشكل على ابن تيمية -رحمه الله- هو حديث أبي الهيّاج الأسدي([6])، وهو قوله: قال لي عَلِيُّ بن أبي طالب: «أَلَّا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم : أَنْ لاَ تَدَعَ تِمْثَالًا إِلاَّ طَمَسْتَهُ، وَلاَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيْتَهُ»([7]). فيقولون: إن هذا لا يدل على وجوب هدم البناء على القبور، وأن استدلال ابن تيمية به على تحريم البناء على القبور ليس بصحيح([8]).

وحديث أبي الهياج -رضي الله عنه- قد أجابوا عنه بضعف في السند([9]). وبحثوا عن عِلَّة النهي عن البناء على القبور، ثم أتوا بعلل واهية، وأجابوا عنها بأجوبة – رأوا أنهم – ردُّوا فيها على ابن تيمية رحمه الله:

فذكروا أن العلة قد تكون للنهي عن البناء بما مسته النار كالجبس، والطوب الآجر وغيره، فأجابوا بأن هذا خاص ببناء القبر نفسه، لا بما يُبنَى عليه أو حوله.

وذكروا أن العلة قد تكون لخوف تداعي القبر، وأجابوا بأن الإجراءات إذا اتُّخِذت لتقوية القبر، فإن العلة تزول.

وذَكروا أن العلةَ قد تكون من خوف المُباهَاة والتفاخر، وأجابوا بأن المباهاة انفعال شخصي يُحاسَب المرء عليه، ولا علاقة له بتحقق المصلحة العامة.

وذكروا أن العلة قد تكون من أجل التَّشبُّه بغير المسلمين، وأجابوا بأن إيجاد أي فارق بالبناء، فإن العلة تنتفي([10]).

وذكروا أن النهي في الحديث إنما هو للتنزيه، وليس للتحريم، أو أن معنى التسوية: هو التعديل إن كان القبر مُسنَّمًا، أو هدم الشرف إن كان مشرفًا فقط([11]).

 

مناقشة الدعــوى

يقرر ابن تيمية -رحمه الله- أن تعظيم القبور من أعظم أسباب الشرك، وهو ذَريعة وطريق مُوصِّلة إلى تعظيم المقبورين من دون الله فيمن كان قبلنا، فقد قال الله -عزّ وجل- عن قوم نوح: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالاً} [نوح: 23 – 24].

قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في تفسير هذه الآيات: «أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ، أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ»([12]).

قال ابن تيمية رحمه الله: “وقد كان أصلُ عبادة الأوثان من تعظيم القبور”([13])، ولذلك كان هذا التعظيم للقبور من دين المشركين، ومِن عَمَل أهل الكتاب، وقد أُمِرنا بمخالفة أهل الكتاب والمشركين أصحاب الجحيم([14]).

إن المأمور به في شريعة الإسلام هو عِمارة المساجد لا بناء المشاهد على القبور، لكن الذين يُعظِّمون القبور: يُعمِّرون المشاهد، ويُعطِّلون المساجد مُضاهاةً للمشركين، ومخالفةً للمؤمنين، وقد قال الله تبارك وتعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ } [الأعراف: 29]. ولم يقل عند كل مشهد.

وقال تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 17 – 18].

ولم يقل: إنما يَعمُر مشاهد القبور، بل عُمَّار المشاهد يخشون بها غير الله، ويرجون غير الله.

وقال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً} [الجن: 18]، ولم يقل: وأن المشاهد لله.

وقال سبحانه: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ} [النور: 36 – 37].

قال ابن تيمية رحمه الله: “عُلِم بالنَّقْل المتواتر، بل عُلِم بالاضطرار من دين الإسلام أن رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم – شرع لأمته عِمارة المساجد بالصلوات، والاجتماع للصلوات الخمس، ولصلاة الجمعة والعيدين، وغير ذلك، وأنه لم يشرع لأمته أن يبنوا على قبر نبي ولا رجل صالح لا من أهل البيت ولا من غيرهم لا مسجدًا ولا مشهدًا، ولم يكن على عهده صلَّى الله عليه وسلَّم  مَشهدٌ مبني على قبر…”([15]).

وأما جَعْلُ بناء المساجد على القبور من الدين فهذا ليس بصحيح، وهي دعوى تحتاج إلى دليل بل هي مناقضة للدليل، وكل الأدلة القرآنية والأدلة من أقوال المصطفى -صلَّى الله عليه وسلَّم – تخالف القول بجواز البناء على القبور، والصلاة إليها، بل الأدلة تحذر من هذا الفعل أشد التحذير.

وحَكَم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- على الأدلة التي تنهى عن اتخاذ القبور مساجد بالتواتر، فحين ذَكَر المحدثات من الأمور في تعظيم القبور قال: “منها: الصلاة عند القبور مُطلقاً، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، فقد تواترت النصوص عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم  بالنهي عن ذلك، والتغليظ فيه”([16]).

ومما ورد في النهي عن ذلك: ما رواه جندب بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلاَ وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ أَلاَ فَلاَ تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ »([17]).

وعن عائشة (ت – 58هـ) رضي الله عنه قالت: «لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم  -يعني: نَزل به الموت- طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً([18]) لَهُ عَلَى وَجْهِهِ فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ يَقُولُ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا»([19]).

وعن أبي هريرة (ت – 57هـ) رضي الله عنه أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم  قال: «قَاتَلَ اللَّـهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» ([20])، وفي رواية لمسلم (ت – 261هـ) : «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»([21]).

وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم – قال: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَمَنْ يَتَّخِذُ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ»([22]).

ولما ذكرت أم سلمة الكنيسة بأرض الحبشة، وذكرت ما فيها من التصاوير قال صلَّى الله عليه وسلَّم : «إِنَّ أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»([23]).

وقال عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَناً يُعْبَدُ. اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»([24]).

وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا» ([25]).

ومن هذه الأحاديث يرد ابن تيمية -رحمه الله- على من جعل من الدين اتخاذ القبور مساجد، فهل من الدين أن يذكر الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- عمل الأمم السابقة، ويُحذِّر منه، وينهى عنه.

وهل مِن الدين أن يذكر الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- لَعْنَ الله لمن اتخذ القبور مساجد، أو الدعاء بمقاتلة الله لمن فعل ذلك، أو الحكم عليهم بأنهم من شرار الناس، وشرار الخلق عند الله، ثم النهي عن اتخاذ القبور مساجد، والنهي عن الصلاة إليها.
قال رحمه الله: “وأما القبور فقد ورد نهيه صلَّى الله عليه وسلَّم  عن اتخاذها مساجد، ولعن من يفعل ذلك”([26]).

وأما دعوى مخالفة ابن تيمية -رحمه الله- إجماع الصحابة: فهذا باطل من أوجه عدة:
الأول: أن الصحابة -رضوان الله عليهم- لا يقول واحد منهم، فضلًا عن حكاية إجماعهم بمخالفة الدين، ولا تقديم قولهم على قول الله ورسوله، أو أن يكون لهم الخيرة في أمرٍ قضاه الله ورسوله، وقد تقدَّم بيان تواتر الأحاديث التي تنهى عن اتخاذ القبور مساجد، ومن عظيم النهي عن هذا الأمر: أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم  جعل التحذير منه وصيةَ مُودِّع تأكيدًا لتحذيره لهم في حال حياته؛ ولذا كثرت الأحاديث التي حذَّر النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- فيها عن اتخاذ القبور مساجد في مرض موته.

الثاني: أن الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- لم يُشرِّع بناء المساجد على القبور، ولا وَضْع المشاهد، ولم يكن ذلك في عهد الصحابة رضوان الله عليهم.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: “المشاهدُ المبنية على قبور الأنبياء والصالحين من العامة، ومن أهل البيت كلها من البدع المحدثة المحرمة في دين الإسلام”([27]).

وقال رحمه الله: “لم يكن على عهده -صلَّى الله عليه وسلَّم- في الإسلام مشهدٌ مبني على قبر، وكذلك على عهد خلفائه الراشدين، وأصحابه الثلاثة، وعلي بن أبي طالب ومعاوية، لم يكن على عهدهم مشهد مبني لا على قبر نبي ولا غيره”([28]).
الثالث: أن الأنبياء والصالحين لا يُقرُّون أحدًا على الشرك مع قدرتهم على نهيه، فهم في حياتهم يُنكرون ما هو أقل من الشرك من المنكرات، وإنكارهم للشرك في حياتهم بهم أو بغيرهم من باب أولى، وقد بَيَّنوا لأممهم أنهم يُصلَّى خلفهم في حياتهم، ولا يجوز أن يصلى خلفهم بعد مماتهم.

وقال ابن تيمية رحمه الله: “الصلاة خلف أحدهم من أفضل العبادات في حال حياتهم. وبعد مماتهم: لا يجوز أن يُصلَّى خلف قبورهم، ولا أن تتخذ قبورهم مساجدَ، ولا تستقبل في الصلاة” ([29]).

الرابع : حِرص الصحابة على حماية التوحيد، وسَدِّ جميع ذرائع الشرك، والبُعْد عنها اتباعًا للرسول صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأن الدين أصله متابعة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وموافقته بفعل ما أمرنا به، وشرعه لنا، وسنَّه لنا، ونقتدي به في أفعاله التي شرع لنا الاقتداء به فيها.

أما الفعل الذي لم يَشرَعه لنا، ولا أمرنا به، ولا فعله فعلًا سَنَّ لنا أن نتأسى به فيه، فهذا ليس من العبادات والقُرَب، فاتخاذ هذا قُرْبة مخالفةٌ له صلَّى الله عليه وسلَّم، فالدين مبني على أصلين: ألَّا نعبد إلا الله، وأن نعبده بما شرع لنا في كتابه، وبما شرعه رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم  في سنته لا بالبدع.

وما وُجِد في زمن الصحابة في البلاد المفتوحة من المشاهد فإنهم يزيلونها ويسوونها في الحال من غير تأخير([30]).

الخامس : عدم وجود مشاهد، وبناء على القبور في عهد الصحابة – رضوان الله عليهم – ولا في زمن التابعين، ولا في عهد بني أمية، وبني العباس، وإنما ظهر ذلك وكثر بعد ذلك، لما ظهرت القرامطة بأرض المشرق والمغرب، وكان بها زنادقة كُفَّار مقصودهم تبديل دين الإسلام، فبنوا المشاهد المكذوبة، وصنَّف أهلُ الفِرْية الأحاديث في زيارة المشاهد، والصلاة عندها، والدعاء عندها، فصار الزنادقة والمبتدعة المتبعون لهم يعظمون المشاهد، ويهينون المساجد([31]).

قال ابن تيمية رحمه الله : “ولهذا قال علماؤنا: لا يجوز بناء المسجد على القبور([32]).

السادس : أن الإجماع المزعوم من الصحابة على اتخاذ القبور مساجد مردود على قائله، بإجماعهم -رضي الله عنهم- على عدم جواز بناء المساجد على القبور، وهو متفق مع نصوص الكِتاب والسُّنَّة، وإجماع الصحابة مربوط بموافقته النصوصَ، لا بمخالفته كل نصوص الكتاب والسنة.

وحين رد ابن تيمية -رحمه الله- قولَ القائل بتحديد مكان قبر نوح – عليه الصلاة والسلام – قال بعد ذلك: “ولو كان قبر نبي، أو رجل صالح لم يشرع أن يُبنَى عليه مسجدٌ بإجماع المسلمين، وبسنة رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- المستفيضة عنه”([33]).

السابع : أن القائل بإجماع الصحابة على جواز بناء المساجد على القبور مطالب بتصديق دعواه، وذلك بأن يذكر أقوال الصحابة، أو أغلبهم، لإثبات هذا الإجماع المخالف لقول الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم،  وأَنَّى له أن يجد قولًا واحدًا !

الثامن : أن رواية أحاديث المصطفى -صلَّى الله عليه وسلَّم- التي تَنهَى عن البناء على القبور، وجعل القبور مساجد، حتى بلغت حد التواتر، والتحديث بها في جيل الصحابة، ثم نَقْلها إلى جيل التابعين، ومَن بعدهم، ولم ينقل لهم معارض أو مخالف، أو متردد في نقل الحديث، وتبليغ هذا الحكم للناس، لهو دليل واضح وكافٍ في أن الإجماع في عصر الصحابة على خلاف ما ذكره المبتدعة، وأهل تعظيم القبور.

التاسع : أن النقول عن الصحابة والتابعين متوافرة على موافقة سنة المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم.

فقد رأى ابن عمر (ت – 72هـ) رضي الله عنهما فسطاطًا([34]) على قبر عبد الرحمن([35]) فقال: “انْزِعه يا غُلامُ، فإنما يُظِلُّه عَمَلُه”([36]).

وعن أبي هريرة (ت – 57هـ) رضي الله عنه أنه أوصى أن لا يضربوا على قبره فسطاطًا([37]).

وعن محمد بن كعب قال: “هذه الفساطيط على القبور محدثة”([38]).

وعن عائشة (ت – 58هـ) رضي الله عنها أنها قالت بعد روايتها حديث «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» قَالَتْ: «فَلَوْلَا ذَاكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا» ([39]).

وعن أنس (ت – 93هـ) رضي الله عنه قال: “كنت أصلي قريبًا من قبر، فرآني عمر بن الخطاب فقال: القبر القبر” ([40]).

العاشر : أن من جاء بعد الجيل الأول من الأئمة، كان على ما كان عليه سَلَفُهم من الاتباع والتأسي بحبيبهم، وقدوتهم محمد صلَّى الله عليه وسلَّم.

فقال محمد بن الحسن الشيباني  رحمه الله: “لا نرى أن يزاد على ما خرج من القبر، ونكره أن يُجصَّص، أو يُطيَّن، أو يُجعل عنده مسجدًا، أو علمًا، أو يكتب عليه”([41]).
وقال الإمام الشافعي (ت – 204هـ) رحمه الله: “وأكره أن يُبنَى على القبر مسجد، وأن يُسوَّى، أو يُصلَى عليه وهو غير مسوى، أو يصلى إليه”([42]).

وقال ابن عبد البر رحمه الله: “يَحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والصالحين مساجد”([43]).

وقال ابن قدامة (ت – 620هـ) رحمه الله: “ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور”([44])،
حتى مَن جاء بعد ابن تيمية -رحمه الله- من مناوئيه، فضلًا عن مؤيديه ممن يعتقد معتقد السلف، قالوا بُحرمة اتخاذ المساجد على القبور، فيرى ابن حجر الهيتمي (ت – 973هـ) أن اتخاذ القبور مساجد من الكبائر، وعدها الكبيرة الحادية والعشرين بعد المائة([45]).

وبعد هذا العرض لأقوال الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، وأقوال الصحابة والتابعين، وأقوال طائفة من علماء الأمة: هل يبقى شيء من الشك في أن ابن تيمية -رحمه الله- لم يقل إلا بقول الصحابة والتابعين، وسلف الأمة، وأن المخالف لإجماع الصحابة في حرمة بناء المساجد على القبور إنما هم المناوئون أنفسُهم، ولكن أكثرهم لا يعلمون.



(1) انظر: الوهابية في الميزان للسبحاني ص121، وقد نقل النجمي في أوضح الإشارة ص28 عن أحد الشيعة نصًا يدعي فيه أن ابن تيمية خرج على إجماع الصحابة في جواز بناء المساجد على القبور.

(2) انظر: التوسل بالنبي لأبي حامد مرزوق ص167، وفيض الوهاب للقيلوبي 5/150.

(3) انظر: الوهابية في الميزان للسبحاني ص111.

(4) انظر: شفاء السقام ص130 – 131.

(5) انظر الإفهام والإفحام لمحمد زكي إبراهيم ص123.

(6) أبو الهياج الأسدي: حيان بن حصين الكوفي، تابعي ثقة، كان كاتب عمار رضي الله عنه انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر 3/67.

(1) أخرجه مسلم: 2/ 666، رقم 969.

(2) انظر البراهين الجلية للموسوي ص52، 55.

(3) انظر المقالات للكوثري ص248، والوهابية في الميزان للسبحاني ص77 – 79.

(4) انظر: الإفهام والإفحام لمحمد زكي إبراهيم ص113 – 114.

(5) انظر المقالات للكوثري ص248، البراهين الجلية للموسوي ص55 – 56، الوهابية في الميزان للسبحاني ص79 – 87.

(1) أخرجه البخاري 6/160، رقم 4920.

(2) الفتاوى الكبرى 4/366.

(3)        انظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية 1/474، مجموع فتاوى ابن تيمية 27/134، 169.

(1) انظر منهاج السنة النبوية 1/479، و2/437 – 438، والفتاوى الكبرى 4/374، ومجموع فتاوى ابن تيمية 27/168.

(1 ) اقتضاء الصراط المستقيم 2/672.

(2)  أخرجه مسلم 1/377، رقم 531.

(3)  الخميصة: ثَوْب خَزٍّ أَوْ صُوف مُعْلَم. وَقِيلَ لَا تُسَمَّى خَمِيصَة إِلَّا أَنْ تَكُونَ سَوْدَاء مُعْلَمة، وَكَانَتْ مِنْ لِبَاس النَّاسِ قديِماً. وجَمْعُها الخَمَائِصُ. النهاية خمص.

(4)  أخرجه البخاري 1/95، رقم 435، 436، ومسلم 1/377، رقم 531.

(1) أخرجه البخاري 1/95، رقم 437.

(2)        أخرجه مسلم 1/376، رقم 529.

(3) أخرجه أحمد 6/394، رقم 3844، و7/209 رقم 4143. وقال الشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند 5/324: إسناده صحيح.وأخرجه الألباني فى تحذير الساجد 23.

(4) أخرجه البخاري 1/95، رقم 434، و مسلم 1/375، رقم 528.

(5 ) أخرجه الإمام مالك فى الموطأ 2/240، رقم 593، والإمام أحمد فى المسند 12/314، رقم 7358.

(6) أخرجه مسلم 2/668، رقم 972.

(1) مجموع فتاوى ابن تيمية 27/78، وانظر حول تقرير ابن تيمية تحريم اتخاذ القبور المساجد شرعًا من كتبه: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 1/347، منهاج السنة النبوية 1/474 – 478، 2/435 – 437، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص335، مجموع فتاوى ابن تيمية 27/156 – 159، قاعدة عظيمة 38 – 42، اقتضاء الصراط المستقيم 2/672 – 675.

(2) منهاج السنة النبوية 2/437.

(1) منهاج السنة النبوية 1/479، وانظر: منهاج السنة النبوية 2/437، الفتاوى الكبرى 4/374، مجموع فتاوى ابن تيمية 27/167، 271.

(2 ) الرد على البكري 1/115، وانظر: قاعدة عظيمة ص35.

(1) انظر: منهاج السنة النبوية 1/480، وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 27/504، منهاج السنة النبوية 2/447 – 448، وقد ذكر في منهاج السنة 1/480 – 481، قصة أبي موسى الأشعري رضي الله عنه حين كتب لعمر بن الخطاب عن ظهور قبر دانيال بتستر، فكتب إليه عمر أن تحفر بالنهار ثلاثة عشر قبراً، وتدفنه بالليل في واحد منها لئلا يفتتن الناس به.

(2) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 27/167، منهاج السنة النبوية لابن تيمية 1/480.

(3) مجموع فتاوى ابن تيمية 27/77.

(1) مجموع فتاوى ابن تيمية 27/62.

(2 ) الفسطاط: بيت من الشَعر. انظر: لسان العرب فسط.

(3 ) هو عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق القرشي التيمي، تأخر إسلامه، فأسلم وحسن إسلامه، كان شجاعًا راميًا حسن الرمي، شهد اليمامة فقتل سبعة من أكابرهم، ت سنة 53هـ. وقيل غير ذلك. انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر 3/399، الإصابة لابن حجر 3/407.

(4) الحديث رواه البخاري تعليقًا 3/222 كتاب الجنائز، باب الجريدة على القبر، قال ابن حجر في فتح الباري 3/223: (وورد موصولًا عن ابن سعد من طريق أيوب بن عبد الله بن يسار).

(5) أخرج هذا الأثر عبد الرزاق في مصنفه 3/418، رقم 6154، والطيالسي فى مسنده 4/98، رقم 2457 وابن أبي شيبة في مصنفه 3/23، رقم 11748، وصحح إسناده الألباني في تحذير الساجد 143.

(1) أخرج هذا الأثر ابن أبي شيبة في مصنفه 3/24، رقم 11752، وقال الألباني في تحذير الساجد ص143 (رجاله ثقات غير ثعلبة بن الفرات).

(2) أخرجه البخاري 2/88، رقم 1330،  ومسلم في صحيحه 1/377، 529.

(3) الأثر رواه البخاري تعليقًا 1/437، ووصله عبد الرزاق في مصنفه 1/404، رقم 1581، وصحح إسناده الألباني في تحذير الساجد ص36.

(4) الآثار ص84، وانظر: الفتاوى الهندية 1/166.

(5 ) الأم 1/246.

(6 ) التمهيد 1/168.

(1) المغني 3/441.

(2) انظر: الزواجر عن اقتراف الكبائر 1/165، وانظر: بدع القبور وحكمها لمحمد درامن (رسالة ماجستير ص68 – 72)، وإصلاح المساجد من البدع والعوائد للقاسمي ص164 – 165.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.