الرئيسية » القبور والشريعة » القبور والشريعة » حالات الصلاة إلى القبور

حالات الصلاة إلى القبور

إن الصلاة إلى القبور واتخاذها مساجد لها ثلاث حالات:

الحالة الأولى : أن يتوجه المصلي، وينوي هذه الصلاة لصاحب القبر، فيسجد له من دون الله، ويدعوه من دون الله، ويخافه ويرجوه من دون الله فهذا شِرْكٌ أكبر مُخرِجٌ من الملة، وقد قال تعالى: { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [الزمر: 65].

وقال سبحانه: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [المائدة: 72]. فالعبادة يجب أن تكون خالصة لله -عزّ وجل- ليس لأحد فيها نصيب غيره، كما قال عزّ وجل: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5].

الحالة الثانية : أن لا تكون الصلاة لصاحب القبر، لكن قَصْد المكان إنما هو للتبرك بهذه البقعة – أي القبر – فهذا بدعة، وعده شيخ الإسلام -رحمه الله- مُحادَّةً لله ولرسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، كما قال:

“إذا قَصَد الرجل الصلاة عند بعض قبور الأنبياء والصالحين، متبركًا بالصلاة في تلك البقعة: فهذا عين المُحادَّة لله ورسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله” ([1]).

الحالة الثالثة : أن يُصلي عند القبر اتفاقًا لا لقصد شيء: لا لعبادة صاحب القبر ودعائه من دون الله، ولا التبرك بصاحب القبر، وهذا مُحرَّم ولا يجوز، لما فيه من التشبه بالمشركين والوسيلة إلى الشرك.

قال ابن تيمية رحمه الله: “ليس لأحد أن يصلي في المساجد التي بنيت على القبور، ولو لم يقصد الصلاة عندها، فلا يقبل ذلك لا اتفاقًا ولا ابتغاء، لما في ذلك من التشبه بالمشركين، والذريعة إلى الشرك”([2]).

وقال رحمه الله: “المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين لا تجوز الصلاة فيها” ([3]).
وقد رد -رحمه الله- على مَن ظن مِن الفقهاء أن تحريم الصلاة عند القبور، لكونه مظنة النجاسة، لاختلاط تُربَتها بصديد الموتى، ولحومهم.

وذكر أن بعضهم يُفرِّق بين المقبرة الجديدة والقديمة، وبين أن يكون بينه وبين التراب حائل، أو لا يكون، وقال: “التعليل بهذا ليس مذكورًا في الحديث، ولم يدل عليه الحديث لا نصًا ولا ظاهراً، وإنما هي علة ظنوها”([4]).

وذكر أن السبب هو التَّشبُّه بالمشركين واليهود والنصارى، ومظنة اتخاذها أوثانًا، كما نقل عن الشافعي (ت – 204هـ) -رحمه الله- قوله: “كُرِه – والله تعالى أعلم – أن يُعظَّم أحدٌ من المسلمين يعني يُتَّخَذ قبره مسجدًا، ولم تُؤمَن في ذلك الفتنة والضلال على مَن يأتي بعده”([5]).

فالنهي عن الصلاة إلى القبور لأجل أمرين:

الأمر الأول : النهي عن التشبه بالمشركين، وقد قال ابن تيمية رحمه الله: “ونُهِى أن يستقبل الرجلُ القبرَ في الصلاة حتى لا يتشبه بالمشركين الذين يسجدون للقبور” ([6]).

الأمر الثاني : سَدُّ ذريعة الشرك، قال رحمه الله: “والسبب الذي من أجله نُهِي عن الصلاة في المقبرة في أصح قولي العلماء هو سَدُّ ذريعة الشرك، كما نُهِي عن الصلاة وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها”([7]).

أما الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- فإنه دُفِن في بيته، ولم يُدفَن في المسجد، كما أن مسجده صلَّى الله عليه وسلَّم  لم يُبْنَ على قبره.

والبيت بما فيه القبر أُدخِل في المسجد، ولم يكن في المدينة أحدٌ من الصحابة، فأدخله الوليدُ بن عبد الملك، وقد كُان يحب عمارة المساجد، فأمر عامله على المدينة عُمرَ بن عبد العزيز -رحمه الله- أن يشتري حُجَر أزواج النبي صلَّى الله عليه وسلَّم مِن مُلَّاكها ورثةِ أزواج النبي صلَّى الله عليه وسلَّم.

وأما جابر بن عبد الله رضي الله عنه فقد توفي سنة (78هـ) أي قبل تولي الوليد بن عبد الملك (ت – 96هـ) بثمان سنوات؛ إذ تولى الخلافة عام (86هـ).

إن قبر الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم  لا يمكن أن يباشر بالعبادة له من دون الله، وذلك استجابة من الله -عزّ وجل- دعاءَ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم  بأن لا يجعل قبره وثنًا يعبد، ولذلك قال ابن القيم (ت – 751هـ) رحمه الله:

ولقــد نهانا أن نُصيِّر قبرَه *** عيدًا حَذارَ الشرك بالرحمن
ودعا بأن لا يُجعَل القبر الذي *** قد ضَمَّه وثنًا من الأوثان
فأجاب رب العالمين دُعاءَه *** وأحاطه بثلاثة الجدران
حتى اغتدت أرجاؤه بدعائه *** في عِزة وحماية وصيان
ولقد غدا عند الوفاة مُصرِّحًا *** باللَّعْن يَصرُخ فيهم بأذان
وعَنَى الأُلى جعلوا القبور مساجدًا *** وهم اليهودُ وعابدوا الصُلبان
والله لولا ذاك أُبرِز قبرُه *** لكنهم حجبوه بالحيطان
قصدوا    إلى    تسنيم    حجرته    ليمتنع    ***   السجود     له     على   الأذقان([8])

ومما قاله ابن تيمية -رحمه الله- في ذلك: “كان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم  لما مات دُفِن في حُجرة عائشة رضي الله عنها، وكانت هي وحُجَر نسائه في شرقي المسجد وقِبلِيه، لم يكن شيء من ذلك داخلًا في المسجد، واستمر الأمر على ذلك إلى أن انقرض عصر الصحابة بالمدينة”([9]).

وقال رحمه الله: “لما أدخلت الحجرة في مسجده المفضل في خلافة الوليد بن عبد الملك بنوا عليها حائطًا وسنَّمُوه، وحَرَّفوه لئلا يصل أحد إلى قبره الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم” ([10]).

وأما حديث أبي الهياج الأسدي، فلا شك في ثبوته، فكل ما ورد في صحيح مسلم -رحمه الله- فهو صحيح، والمغالطة في صحة أحاديثه، مخالفة للقطعيات، وخرق لما عليه إجماع الأمة من تلقيه بالقبول، واتباع غير سبيل المؤمنين.

قال مسلم (ت – 261هـ) -رحمه الله- عن كتابه الصحيح: “لو أن أهل الحديث يكتبون مائتي سنة الحديث، فمدارهم على هذا المسند”([11]).

وقال ابن الصلاح رحمه الله: “جميع ما حكم مسلم بصحته من هذا الكتاب فهو مقطوع بصحته، والعلم النظري حاصل بصحته في نفس الأمر…؛ وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول، سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه في الإجماع”([12]).

وحين تحدث السخاوي -رحمه الله- عن المفاضلة بين الصحيحين قال بعد ذلك: “وبالجملة فكتاباهما أصح كتب الحديث”([13]).

وأما معنى الحديث فيذكره ابن تيمية -رحمه الله- بقوله: “أمره بمحو التمثالين: الصورة الممثلة على صورة الميت، والتمثال الشاخص المشرف فوق قبره، فإن الشرك يحصل بهذا وبهذا”([14]).

وأما عِلَّةُ النهي عن البناء على القبور: فهو سد ذريعة الشرك، ولذلك استدل ابن تيمية -رحمه الله- بهذا الحديث حين قال: “ولما كان هذا مبدأ الشرك في النصارى، وفي القبور، سدّ النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- ذريعة الشرك”([15]).

وقد ذكر -رحمه الله- أن تعظيم القبور عند من يعظمها من المنتسبين إلى الإسلام، ولم يَنْقَد إلى شرع الله فيها، أدى بهم إلى الشرك بالله -عزّ وجل- فبعضهم يعتقد أن زيارة شيخه مرة أفضل من عشر حجج، ومنهم مَن إذا سافر إلى مكان يُضافُ إلى نبي يُحْرِم إذا ذهب إليه كما يُحرِم الحاج، ومنهم مَن يستقبل قبر شيخه إذا صلى، ويستدبر الكعبة، ويقول: هذه قِبلةُ الخاصة، والكعبة قِبلةُ العامة، وهذه الحالات موجودة عند كثير من أعيان العُبَّاد والزهاد.

وأما غير هؤلاء فمنهم مَن يصلي إلى القبر، ومنهم مَن يسجد له، ومنهم مَن يسجد من باب المكان المبني على القبر، ومنهم مَن يستغني بالسجود لصاحب القبر عن الصلوات الخمس.

ومنهم من يطلب من الميت ما يطلب من الله، فيقول: اغفر لي، وارزقني، وانصرني إلى أمثال هذا من الشرك الذي حرمه الله ورسوله ([16]).

ولورود النهي الصريح مِن الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- بعدم اتخاذ القبور مساجد، وعدم البناء عليها؛ فإن شيخ الإسلام -رحمه الله- ينقاد إلى هذه الأحاديث طائعًا مُتَّبعًا ليقول بحرمة بناء هذه المساجد المبنية على القبور فمن قوله: “المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين لا تجوز الصلاة فيها، وبناؤها محرم”([17])، وقد استدل بنهي النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن اتخاد المساجد على القبور بقوله: «أَلاَ فَلاَ تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ »([18]).

وقال رحمه الله: “لا يجوز اتخاذ القبور مساجد، سواء كان ذلك ببناء المسجد عليها، أو بقصد الصلاة عندها”([19]).

ولأن المسجد المبني على القبر قد قام أساسه على غير طاعة الله عزّ وجل، وعلى معصية الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، فإنه يتعين إزالته وهدمه، حتى تُسدَّ ذريعة الشرك، وحتى لا يتشبه الناس بالمشركين، وحتى لا يُغرَّر الجهلةُ به، أو المارة فيصلون فيه وهم لا يشعرون بوجود قبر بداخله، إضافة إلى امتثال أمر الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم  ونهيه عن اتخاذ القبور مساجد.

قال ابن تيمية رحمه الله: “هذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين، والملوك وغيرهم: يتعين إزالتها بهَدْم أو بغيره، هذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين”([20]).

وقال: “قال العلماء: يَحرُم بناء المساجد على القبور، ويجب هدم كل مسجد بُنِي على قبر”([21]).

نقلا عن كتاب ” دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية ” للدكتور عبدالله الغصن – وفقه الله، طبع دار ابن الجوزي بالدمام بتصرف طفيف، ورابط الكتاب : د. عبد الله بن صالح بن عبد العزيز الغصن
http://www.saaid.net/monawein/taimiah/12.htm



(1) اقتضاء الصراط المستقيم 2/680 إذا كان يقصد أن الله جعل فيها بركة ذاتية فهذا شرك أكبر، وإذا كانت البركة بسبب دفن فلان فيها: فهذا شرك أصغر وهو بدعة.

(2) مجموع فتاوى ابن تيمية 27/488، وانظر: ص502.

(3) مجموع فتاوى ابن تيمية 27/140.

(2) مجموع فتاوى ابن تيمية 27/159، وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية 2/678.

(3) الأم 1/246.

(4) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 1/349

(5) منهاج السنة النبوية 2/439، وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 24/318، الرد على البكري 1/115، الفتاوى الكبرى 4/364، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص332 – 337.

(1 ) الكافية الشافية (النونية) انظر: شرح النونية لهراس 2/212، وانظر: الرد على الأخنائي لابن تيمية ص102.

(2) الجواب الباهر ص9، وانظر: المغني لابن قدامة 3/441.

(1) الجواب الباهر ص12، وانظر ص71 – 74، قاعدة عظيمة ص88 – 89، مجموع فتاوى ابن تيمية 27/140 – 141.

(2) انظر: صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط لابن الصلاح ص68.

(3) صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط ص85.

(4) فتح المغيث شرح ألفية الحديث للعراقي 1/30.

(1) مجموع فتاوى ابن تيمية 17/462.

(2) قاعدة عظيمة ص47.

(3 ) انظر: قاعدة عظيمة ص72 – 73.

(1) مجموع فتاوى ابن تيمية 27/140.

(2)  أخرجه مسلم 1/377، رقم 531.

(3) مجموع فتاوى ابن تيمية 27/488.

(4) اقتضاء الصراط المستقيم 2/675.

(5) تفسير سورة الإخلاص (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية 17/463).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.