الرئيسية » القبور والشريعة » القبور الأثرية » قبور ومشاهد مكذوبة ( 3 ) مسجد (السيدة زينب) بمصر

قبور ومشاهد مكذوبة ( 3 ) مسجد (السيدة زينب) بمصر

هذه الحلقة ستكون عما يُسمَّى قبر السيدة زينب بنت علي  -رضي الله عنهما- المزعوم وجوده في مصر، وهو من القبور التي يُعظمها دعاة الخُرَافة، ويَصرفون من خلالها وما ينسجونه عنها بعضَ جهلة المسلمين عن توحيد ربهم إلى الوقوع في البدع والشركيات، اتباعًا للهوى، أو طلبًا للاسترزاق المُحرَّم.

حتى قال قائلهم -وهو  الصوفي أحمد فهمي، صاحب كتاب “العقيلة الطاهرة السيدة زينب ” في كتابه هذا: “كم من مكروب نفَّس اللهُ كُربتَه بنفحتها، وكم من مريض عميد توالت عليه الأوصاب، وتواترت عليه الأسقام، وترادفت عليه الأوجاع، فتَقمَّص بزيارتها ثوب العافية …”(1)!

وقال عن “حَرَمها”: ” مازال هذا الحَرَم قِبلةَ العارفين، وأَمْن الخائفين، بركاته مُشاهَدة مرئية، ونفحاته عائدة على زائريه بلا مرية …”!(2) وبمثل هذا الخداع وقعت أمة التوحيد فيما حُذِّرت عنه.

وقد كفانا الشيخ محمود المراكبي – وفقه الله – مؤنة إبطال هذا القبر المكذوب وغيرَه في كتابه الصادر حديثًا بعنوان : ” القول الصريح عن حقيقة الضريح “، وأُلخِّص منه هنا ما يتعلق بقبر السيدة زينب، مع قليل من الإضافات.

لم يرد ذِكْرُ قبر السيدة زينب الكبرى في العديد من روايات شهود العيان من الرحَّالة الذين رحلوا إلى مصر، وكتبوا عن آثارها، وتحدثوا عن مزاراتها، وبالطبع أهمها مشاهد تخص آل البيت، ومن أبرز هؤلاء الرحالة : ابن جبير، والهروي، وياقوت الحموي، وابن بطوطة، وابن دقماق المصري، وخليل بن شاهين الزاهري، وغيرهم.

فلا نجد عند كل هؤلاء أي ذكر لقبر يُنسب إلى زينب بنت علي بن أبي طالب، فمن أين جاء هذا القبر؟

ولكن جاء ذكر هذا الضريح ممن يُسمَّى الرحَّالة الكوهيني الذي دخل القاهرة في 14 محرم 369هـ في فترة حكم المعز العبيدي (أثناء استيلاء الدولة العبيدية الرافضية على مصر )؛ حيث زار عدة مشاهد، وقال: “دخلنا مَشهد زينب بنت عَلِي فوجدناه داخل دار كبيرة، وهو في طرفها البحري ليشرف على الخليج، فنـزلنا إليه بدرج، وعاينا الضريح، فوجدنا عليه دربوزا … ومكتوب على باب الحجرة هذا ما أمر به عبدَ الله ووليَه أبو تميم أمير المؤمنين الإمام العزيز بالله -صلوات الله عليه وعليه آبائه الطاهرين وأبنائه المكرمين- بعمارة هذا المشهد على مقام السيدة الطاهرة بنت الزهراء البتول زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما وعلى آبائها الطاهرين وأبنائها المكرمين”.

وقد أنكر العلماء ما ورد على لسان الرحالة الكُوهِيني لسبب يُبرزه لنا البحاثة السابقي في كتابه “مرقد العقيلة” بقوله: “إن هذا المشهد ليس للسيدة زينب؛ إذ لو كان لها مشهد بمصر بهذه الأبهة والفخامة التي يذكرها، فلماذا اختفى عن بقية الرحالين والمؤرخين ؟ ولماذا اختفى أمره على معاصر الكوهيني : المؤرخ الكبير الذي صَرَف همَّه في تحرير حوادث مصر خاصة، وهو ابن زولاق المتوفى 388هـ، الذي كان حيًّا في مصر وقت زيارة الكوهيني، بينما ينكر دخول أي وَلَدٍ لعَلِيٍّ لصُلْبه في مصر، ويقول إن أول من دخلها سكينة بنت علي بن الحسين ؟ فالظاهر أن ما رآه الكوهيني هو مشهد زينب بنت يحيى المتوج بن الحسن الأنور ابن زيد بن حسن بن علي بن أبي طالب، وبه قال شيخ الأزهر الشيخ محمد بخيت المطيعي”(3).

وتعليقًا على هذا التحليل : إن ما رآه الكوهيني يُـثبت بما لا يدع مجالًا للشك التزوير المتعمد الذي تُخطِّط وتُنفِّذ له الدولة العُبَيْدية الرافضية كي تُروِّج لدى الشعب المصري زيارة الأضرحة، وهي تعلم يقينًا كَذِب دعواها؛ أي إن الكوهيني اطلع على لوحة كتبها الحاكم نزار بن المعز  العبيدي للترويج لحب آل البيت، كما فعل الوزير طلائع بن زريك بعد ذلك بمائتي سنة في مشهد رأس الحسين، والخطأ الذي وقع فيه الكوهيني هو تَصْديقُه لهذه الخدعة، وترديده لها دون أن يتأملها، أو يراجعها مع علماء عصره.

 لقد اتفقت كلمة المؤرخين على أن السيدة زينب بنت علي لم تدخل مصر، وبالتالي لم تُدفَن فيها، ومن هؤلاء ابن ميسر [677هـ]، وابن تغري بردي [704هـ]، وابن الزيات المصري [814هـ] الذي ذكر جميع المسميات بزينب المدفونات بمصر في قائمة تضم [11] ممن اسمهن زينب، وليس فيهن زينب بنت علي بن أبي طالب. وكذا تلميذه نور الدين السخاوي [814هـ] ترجم للمدفونات بمصر، وذكر منهن [4] اسمهن زينب، وليست منهن زينب الكبرى، وكذلك ابن ظهيرة المصري [891هـ]، والحافظ  السخاوي [902هـ]، وله تأليف منفرد عن السيدة زينب الكبرى، ولم يذكر أنها دُفِنت في مصر، والحافظ السيوطي [911هـ] له رسالة ” العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبية ” لم يُشِر فيها إلى سفر زينب الكبرى إلى مصر، ودفنها في أراضيها.

ولقد ذكر المقريزي [845هـ] مشهد زين العابدين يعني مشهد رأس زيد بن علي، ومشهد أم كلثوم بنت محمد بن جعفر الصادق، ومشهد السيدة نفيسة، وقال في موضع آخر: “وفي خارج باب النصر في أوائل المقابر قبر السيدة زينب بنت أحمد بن جعفر بن محمد بن الحنفية … وتسميه العامَّةُ مشهد السيدة زينب”، وهذا التصريح منه يكشف منشأ خطأ العامة وانتشار هذا الوهم.

ولقد تأسس بناء المشهد المنسوب لزينب بعد ذلك بناء على رؤيا رآها الصوفي عَلِي الخوَّاص شيخ الصوفي الشهير عبد الوهاب الشعراني في القرن العاشر الهجري !

قال الشعراني: “أخبرني علي الخواص أن السيدة زينب المدفونة بقناطر السباع ابنة الإمام علي رضي الله عنه،  وأنها في هذا المكان بلا شك” !!  ثم تابعه الصوفية الخرافيون على هذا الكذب والكشف الشيطاني.

لقد اعتمد المثبتون لرواية دخول السيدة زينب القاهرة على ما روى عن الرحالة الكُوهيني كما سبق، وعلى رسالة منسوبة للمؤرخ العبيدلي مكذوبة عليه.

ومضمون هذا : أن زينب بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنها، لما قدمت إلى المدينة عائدة من دمشق، جعلت تخطب في الناس وتُؤلِّبهم على خلع يزيد والأخذ بثأر الحسين، فكتب والي المدينة عمرو بن سعيد بن العاص -الأشدق- إلى يزيد يُعلِمه الخبر، فرد عليه أن فرِّق بينها وبينهم، فأمرها بالخروج فاختارت مصر، ودخلتها في شعبان سنة [61هـ]، ومعها فاطمة، وسكينة، وعَلِي أبناء الحسين، واستقبلها الناس في بلبيس، وتقدم إليها واليها مسلمة بن مخلد الأنصاري، واستضافها في داره الحمراء، فأقامت به أحد عشر شهرًا وخمسة عشرة يومًا، وتوفيت يوم الأحد لخمسة عشر يومًا مضت من رجب سنة [62هـ]، وصلى عليها مسلمة بن مخلد ورَجَّع بها فدفنوها بالحمراء بمخدعها من الدار حسب وصيتها”.

وجوابًا عن هذا يُقال :

1- استبعاد تصدي السيدة زينب رضوان الله عليها للخطابة في الناس،  وهي التي لم يرَ أحد من الأجانب شخصها في نور النهار، وأيضًا في وجود زوجها عبد الله بن جعفر وابن أخيها علي بن الحسين، وهو الولي الوحيد لدم أبيه، وأحق الناس به.

2- انشغال المدينة وأهلها بأحداث عبد الله بن الزبير عن المطالبة بثأر الحسين.

3- أن مصر في ذلك الوقت كان بها مسلمة بن مخلد ومعاوية بن خديج على وجه الخصوص، وقد كانا رأس المطالبين بدم عثمان، ولم يبايعا عليًا ولم يأتمرا بأمر نوابه بمصر؛ ولذلك تَعُدُّهما الشيعةُ من أَلدِّ أعداء عَلِي ومِن أَخلص أحباء معاوية، فكيف طابت مصر لزينب أن تتخذها مسكنًا لها، ثم تنـزل في داره، وتموت عنده، بل ويصلي عليها !!

4- لم يذكر أي مصدر أن زوجها عبد الله بن جعفر الطيار سافر معها، أو أذن لها بالسفر، أو زارها بعد استقرارها في مصر، ولا أن أحدًا من بني هاشم زارها في حياتها، ولا بعد مماتها.

5- أن كتب العُبَيْدلي الأخرى؛ مثل “أخبار المدينة”، و”كتاب النسب” لم تشر لما نُسِب إليه في وريقات رسالته “أخبار الزينبيات”، وكثير من المؤلفين نقلوا عن كتبه كثيرًا كأبي الفرج الأصفهاني في “مقاتل الطالبين”، وشيخ الشرف العبيدلي في “تهذيب الأنساب”، وابن طقطقي في “النسب الأصيلي”، والنسابة العمري في “المجدي”، وأكثرهم تعرَّض لترجمة زينب الكبرى ولكن لم ينقل أحد عنه أنها ذهبت إلى مصر وماتت بها.

6- أقوال كبار المؤرخين لم تُثبت دخول زينب الكبرى مصر، ومنهم: عبد الرحمن بن الحكم، المعاصر للعبيدلي، والمتوفى سنة 257هـ الذي ألَّف عدة كتب في أخبار مصر وذكر جملة من الصحابة الذين دخلوا مصر، وليس فيهم ذِكْر زينب الكبرى ورحلتها إلى مصر، ومعاصره محمد بن الربيع الجيزي ترجَّم للصحابة والصحابيات الذين دخلوا مصر، وكذا القضاعي [ت:453] وله تأليف في مزارات مصر سمَّاه أنس الزائرين، وابن جبير الأندلسي أثناء رحلته إلى القاهرة عام 578هـ، وهكذا ابن أسعد الجواني [ ت:600]، وله مزارات الأشراف، وابن ميسر المصري [ت:677]، وله كتاب في تاريخ مصر، وابن تغري بردي [ت:704]، وكتابه “النجوم الزاهرة في أخبار ملوك مصر والقاهرة”، وابن دقماق [ت:792]، وله في أخبار مصر وخططها كتاب “الانتصار لواسطة عقد الأمصار”، وابن الناسخ المصري [ت:800] وكتابه “مصابيح الدياجي وغوث الراجي”، وهو مخطوط لم يُطبَع بعد، وابن الزيات الأنصاري [ت:814]، وكتابه الكواكب السيارة في ترتيب الزيارة، ونور الدين السخاوي [ت:814]، وله كتاب “تحفة الأحباب”، والمقريزي [ت:845]، وكتبه “الخطط” و”اتعاظ الحنفاء”، والقاضي ابن ظهيرة [ت:891]، وكتابه “الفضائل الباهرة في محاسن مصر والقاهرة”، والحافظ السخاوي [ت:902]، وله كتاب مفرد في ترجمة زينب الكبرى، والسيوطي [ت:911]، وله كتاب “حسن المحاضرة”،وكتاب “در السحابة فيمن دخل مصر من الصحابة”، ترجم فيه مئات الصحابة، وسبع صحابيات ليس فيهن زينب الكبرى، وأحمد بن محمد السلفي [ت576]  يصرح بأنه لم يمت لعلي بن أبي طالب ولد لصلبه في مصر.

        قُلت: وقد أقرَّ بهذا الشيعي حسن الصفار في كتابه “المرأة العظيمة – قراءة في حياة السيدة زينب” وبيّن ضعفَ مُستند القائلين بسفر السيدة زينب الكبرى إلى مصر، وموتها فيها”(4).

 وقال في موضع آخر: “المصدر الأساس لدعوى هجرة السيدة زينب الكبرى إلى مصر وموتها ودفنها فيها -رسالة “أخبار الزينبيات” للنسابة العبيدلي، وحول هذه الرسالة ومؤلفها ورواتها، وبالخصوص الرواية المتعلقة بهذا الموضوع، حولها كلام عند أهل التحقيق سَندًا ومتنًا “(5).

                وأخيرًا : قال الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي مصر في عصره: “جزم كلٌّ من ابن الأثير في تاريخه 4/48والطبري 6/264وما بعدها – بأن السيدة زينب بنت علي رضي الله عنه، وأخت الحسين -رضي الله عنه- قد عادت مع نساء الحسين أخيها، ومع أخوات الحسين بعد مقتله إلى المدينة … ولا عِبرة بمن يَشِذ عنهما، أي الطبري وابن الأثير.. وعليه: فلا مدفن لها في مصر، ولا جامع، ولا مشهد “. (مجلة الفتح ).

نقلا عن : سليمان بن صالح الخراشي، بتصرف يسير .


(1) العقيلة الطاهرة السيدة زينب: ص 61.

(2) المصدر السابق : ص 71 .

(3) مرقد العقيلة، للسابقي: ص 58.

(4) المرأة العظيمة – قراءة في حياة السيدة زينب: 295.

(5) المرأة العظيمة – قراءة في حياة السيدة زينب: ص 298، ويُنظر كتاب “مجموعة وفيات الأئمة” لمجموعة من علماء الشيعة، ص 468-469، وفيه أيضا اعترافهم ببطلان دفنها في مصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.