مقبرة البقيع

قال في تاج العروس(1): البَقِيعُ: المَوْضِعُ فِيهِ أَرُومُ الشَّجَرِ مِنْ ضُرُوبٍ شَتَّى، وبه سُمِّيَ بَقِيعُ الغَرْقَدِ، وقَدْ وَرَدَ في الحَدِيثِ، وهي مَقْبَرَةٌ مَشْهُورَةٌ بالمَدِينَة، لأَنَّهُ كانَ مَنْبَتَهُ، والغَرْقَدُ: شَجَرٌ لَهُ شَوْكٌ، فَذَهَبَ وبَقِيَ الاسْمُ لازِمًا لِلْمَوْضِعِ. والبَقِيعُ في الأَرْضِ: المَكَانُ المُتَّسعُ، ولا يُسَمَّى بَقِيعًا إِلَّا وفيه الشَّجَرُ.

وتُعد مَقبرة البَقيع أولَ مقبرة اتخذها الرسول -صلى الله عليه وسلم- للمسلمين بعد هجرته إلى المدينة المنورة.

وكان يقال: بقيع الخَبْخَبة، وكان أكثر نباته الغَرقد, وكان أول مَن قُبِر هناك من المهاجرين عثمان بن مَظْعُون -رضي الله عنه-، فوضع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حجرًا عند رأسه وقال: «هَذَا قَبْرُ فَرَطِنَا(2)»، وكان إذا مات المهاجر بعده، قيل: يا رسول الله، أين ندفنه؟ فيقول: «عِنْدَ فَرَطِنَا عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ»(3).

وفي رواية عند أبي داود أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد دفن عثمان بن مظعون أخذ حجرًا ووضعه عند رأسه، وقال: «أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِى»(4).

ووَرَد في فضل مَقْبَرة البقيع العديد مِن الأحاديث، جمعها كلٌّ مِن ابنِ شَبَّةَ، والفَيْرُوزابادي، والسمهودي.

ومِن فضائل البقيع التي وردت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- دعاؤه -صلى الله عليه وسلم-، وصلاته على أهل البقيع، فقد وَرَد عن السيدة عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: كَانَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كلَّما كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى البَقِيعِ، فَيقولُ: «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأتَاكُمْ مَا تُوعَدُونَ، غَداً مُؤَجَّلْونَ، وَإنَّا إنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأهْلِ بَقِيعِ الغَرْقَدِ»(5).

وأفرد السمهودي فصلًا في ذكر من دفن بالبقيع من الصحابة وأهل البيت.

وقال الفيروزابادي: لا شك أن مقبرة البقيع محشوّة بالجَمَّاء الغَفير مِن سادات الأُمة، غير أن اجتناب السلف الصالح المبالغة في تعظيم القبور وتجصيصها، أفضى إلى انطماس آثار أكثرهم، فلذلك لا يعرف قبرٌ مُعَيَّن منهم، إلا أفرادًا معدودة.

الدفن في البقيع

قد يُفيد في فضل الدفن بالبقيع ما صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن أنه رَغَّب في الموت في المدينة، وذلك يستلزم الدفنَ فيها، والبقيعُ هو مَدْفَنُ أهل المدينة على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ومِن ذلك ما روى الترمذي وابن ماجه وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا، فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا» (6).

ورواية ابن ماجه: «مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَفْعَلْ، فَإِنِّي أَشْهَدُ لِمَنْ مَاتَ بِهَا»(7).

وقد روى البخاري في الصحيح مِن حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه كان يقول: «اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-» (8).

وقد حَرَص كل مَن عاش في المدينة المنورة، أو جاور فيها، أن يُدفن في هذه التُّربة المباركة التي صحَّ في فضلها أقواله وأفعاله -صلى الله عليه وسلم- لأهل البقيع المبارك، فالدفن بِمقبرة البقيع له خصوصية، ومزيد فضلٍ على غيره.



(1)  مادة: بقع.

(2) فَرَط يَفْرِط فَهُو فارِطٌ وفَرَطٌ: إذا تقَدَّم وسَبَق القوم ليَرْتادَ لهم الماء ويُهَيئ لهم الدِّلاء والأَرِشيَة. النهاية: فرط.

(3) أخرجه الحاكم في المستدرك (3/190).

(4) أخرجه أبو داود (3/203، رقم 3208).

(5) أخرجه مسلم (2/669، رقم 973).

(6) أخرجه الترمذي (5/719، رقم 3917)، وصححه الألباني.

(7) أخرجه ابن ماجه (4/292، رقم 3112)، وصححه الألباني.

(8) أخرجه البخاري (2/668، رقم 1791).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.