الرئيسية » القبور والشريعة » القبور والشريعة » اتِّخاذُ القبورِ مَساجدَ

اتِّخاذُ القبورِ مَساجدَ

لقد انبرى علماءُ المملكة في الدِّفاع عن السنَّة ومحاربةِ البِدعة من خلال فَتاواهم التي تُوضِّح المخالفاتِ الشرعيةَ التي يقعُ فيها عوامُّ الناس من بناء المساجدِ على القبورِ وما يَسْتَتْبِعُ ذلك من بِدَعِ التقرُّبِ إلى الصالحين والأولياء، موضحينَ حقيقةَ هذا الأمر ودافعينَ لبعضِ الشُّبُهاتِ التي قد تُشْكِل على الكثير، وموجِّهين كلامَهم إلى المستفتينَ من العامَّة تارَةً، وإلى أولياء الأمورِ تارةً.  وهذه نماذج من هذه الفتاوى:

يقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحِمه الله تعالى في فتواه عبر برنامج «نُور على الدَّرب»(1):

«لا ريب أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، قالت عائشة رضي الله عنها: «يُحَذِّرُ ما صَنَعُوا»، رواه الشيخان البخاري ومسلم في الصحيحين(2), وقال عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» أخرجه مسلم في صحيحه(3)، وهذه الأحاديث وما جاء في معناها كلها واضحةٌ في تحريم اتخاذ المساجد على القبور, أو الصلاةِ عندها, أو القراءة عندها, أو نحو ذلك, ولكن بعض الناس قد تَشْتَبِهُ عليه الأمورُ ولا يعرف الحقيقة التي جاء بها المصطفى عليه الصلاة والسلام، فيعمل ما يعمل من البناء على القبور, واتخاذ المساجد عليها جهلاً منه وقلة البَصيرةِ».

ثم يتابع سماحته فيما يخص قبرَ النبي صلى الله عليه وسلم: «وأما ما يتعلقُ بقبرِ النبي صلى الله عليه وسلم فلم يُدْفَنْ في المسجد صلى الله عليه وسلم، الرسول صلى الله عليه وسلم دُفِنَ في بيت عائشة، ثم وُسِّع المسجدُ في عهد الوليدِ بنِ عبدِ الملِكِ في آخِر القرنِ الأَوَّل، فأُدخلتِ الحُجْرَةُ في المسجد، وهذا غلطٌ من الوليد لما أدخلها، وقد أنكر عليه بعضُ مَن حَضَرَه ممن في المدينة, ولكن لم يقدَّر أنه يَرْعَوِي لِمَن أنكرَ عليه, فالحاصلُ أن قبرَ النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيت عائشة رضي الله عنها، ثم أُدخلت الحجرةُ في المسجد بسبب التوسعة، فلا حجة في ذلك، ثم إنه من فعل أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، وقد أخطأ في ذلك لما أدخله في المسجد, فلا ينبغي لأحد أن يحتجَّ بهذا العمل».

ثم يوجه سماحته خطابه إلى ولاة الأمور قائلًا: «فالذي فعله الناس اليوم من البناء على القبور, واتخاذ المساجد عليها كلُّه منكَرٌ مخالِفٌ لِهَدْيِ النبي صلى الله عليه وسلم, فالواجب على ولي الأمر من المسلمين إزالتُه؛ أن يزيل هذه المساجد التي على قبور، وأن يسير على السُّنَّة، وأن تكون القبور في الصحراء بارزةً ليس عليها بناءٌ لا قِبَابٌ, ولا مساجد، ولا غير ذلك، كما كانت القبور في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في البَقِيع وغيره بارزةً ليس عليها شيء، وهكذا قبور الشهداء؛ شهداء أحد، لم يكن عليها شيء، فالحاصل أن هذا هو المشروع أن تكون القبور بارزة ضاحيةً ليس عليها بناء كما كانت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي عهد السلف الصالح، أما ما أحدثه الناس من البناء فهو بِدعةٌ ومنكَرٌ لا يجوزُ إقرارُه ولا التأسِّي به، ولهذا وَقَع الشرك؛ لَمَّا وجد العامةُ والجهَّال من القبور المشيَّد عليها مساجد والقِباب المعظَّمة والمنقوشة والمطيَّبة ظنوا أنها تقضي حوائجهم وتشفي مرضاهم وتنفعهم؛ فدعوها واستغاثوا بها ونذَروا لها، فوقع الشرك، نعوذ بالله، فالغلوُّ في القبور كله شرٌّ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ»(4). نسأل الله السلامة والعافية».

ويقول فضيلة الشيخ ابن عُثَيْمِين رحمه الله مبينا حكم المساجد التي يعتقد أن بها قبورا لصالحين وحكم الصلاة فيها، وذلك من خلال منبر «نور على الدرب» أيضا(5):

«أولاً يجب أن نعرف أن بناء المساجد على القبور حرامٌ، ولا يصح، يعني لا يجوز لأحد من ولاة الأمور وغير ولاة الأمور أن يبني المساجد على القبور؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ ما صَنَعُوا(6). فإذا كانت اللعنةُ قد وَجَبَتْ لمن بَنَى مسجدًا على قبر نبي، فما بالك بمَن بَنَى مسجدًا على مَن هو دون النبي، بل على أمرٍ قد يكون موهومًا لا محقَّقًا، كما يُقال في بعض المساجد التي بُنيت على الحُسَيْنِ بنِ عليٍّ رضي الله عنه، فإنها قد تكون في العراق وفي الشام وفي مصر، ولا أدري كيف كان الحسين رضي الله عنه رجلًا واحدًا ويُدفن في ثلاثة مواضع! هذا شيء ليس بمعقولٍ، فالحسين بن علي رضي الله عنه الذي تقتضيه الحال أنه دفن في المكان الذي قُتل فيه، وأن قبره سيكون مخفيًّا خوفًا عليه من الأعداء كما أُخفي قبر علي بن أبي طالب رضي الله عنه حينما دُفن في قصر الإمارة بالكوفة خوفًا من الخوارج، لهذا نرى أن هذه المساجد التي يقال: إنها مبنية على قبور بعض الأولياء نرى أنه يجب التحقق هل هذا حقيقة أم لا؟ فإذا كان حقيقة فإن الواجب أن تُهدم هذه المساجد وأن تبنى بعيدًا عن القبور، وإذا لم تكن حقيقة وأنه ليس فيها قبر، فإنه يجب أن يُبَصَّر المسلمون بأنه ليس فيها قبور وأنها خاليةٌ منها حتى يُؤَدُّوا الصلاة فيها على الوجه المطلوب. وأما اعتقاد بعض العامة أنهم إذا صلوا إلى جانب قبر ولي أو نبي أن ذلك يكون سببًا لقبول صلاتهم وكثرة ثوابهم فإن هذا وَهْمٌ خاطئ، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة إلى القبور فقال: «لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ»(7)، وكذلك قال: «الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا المَقْبَرَةَ وَالحَمَّامَ»(8)، فالقبور ليست مكانًا للصلاة، ولا يجوز أن يُصلى حول القبر أبدًا إلا صلاة القبر على صاحب القبر، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على القبر(9). على كل حال نقول: هذه المساجد إن كانت مبنية على قبور حقيقةً فإن الواجبَ هَدْمُها وبناؤها في مكان ليس فيه قبر، وإن لم تكن مبنية على قبور حقيقية فإن الواجب أن يبصَّر المسلمون بذلك، وأن يُبَيَّنَ لهم أن هذا لا حقيقةَ له، وأنه ليس فيه قبر فلان ولا فلان، حتى يعبدوا الله تعالى في أماكن عبادته وهم مطمئنون. أما الصلاة في هذه المساجد فإن كان الإنسان يعتقد أنها وهم وأنه لا حقيقة لكون القبر فيها فالصلاة فيها صحيحة، وإن كان يعتقد أن فيها قبرًا، فإن كان القبر في قِبلته فقد صلى إلى القبر، والصلاة إلى القبر لا تصح للنهي عنه، وإن كان القبر خلفَه أو يمينه أو شماله فهذا محلُّ نَظَرٍ».


(1) يراجع في ذلك موقع سماحة الشيخ ابن باز على الشبكة: http://www.alimam.ws/ref/33

(2)  البخاري (1/ 95، رقم 435)، ومسلم (1/ 377، رقم 531).

(3)  (1/ 377، رقم 532).

(4)  أخرجه الإمام أحمد (3/ 350، رقم 1851)، والنسائي (5/ 268، رقم 3057)، وابن ماجه (2/ 1008، رقم 3029).

(5)  يراجع في ذلك موقع فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: http://www.ibnothaimeen.com/index.shtml

(6)  سبق تخريجه.

(7)  أخرجه مسلم (2/ 668، رقم 972).

(8)  أخرجه الإمام أحمد (18/ 307، رقم 11784)، وأبو داود (1/ 132، رقم 492)، والترمذي (2/ 131، رقم 317)، وابن ماجه (1/ 246، رقم (745).

(9)  سيأتي حديث المرأة التي كانت تَقُمّ المسجد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.