الرئيسية » المواقع الأثرية » الحرمان الشريفان » بداية إنشاء المسجد النبوي

بداية إنشاء المسجد النبوي

عندما وَصَل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إلى داخل المدينة بَرَكَت ناقتُه في موضعٍ كان لغُلامين يَتِيمَيْن مِن الأنصار مِن بني مالِك بن النَّجَّار، هما سَهْلٌ وسُهَيْلٌ ابنا رافعِ بنِ أبي عمرِو بنِ عائذِ بنِ ثَعْلَبَةَ بِن غَنْمٍ, وكانا تحتَ كفالَة مُعاذ بنِ عَفْرَاءَ، أو أبي أُمَامَة أَسْعَد بن زُرَارة أو كليهما, وكان أسعدُ بن زُرَارَة قد اتخذه مُصَلًّى قَبْلَ هجرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة, فكان يُصلي بأصحابه فيه، فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يَبْنِيَ ذلك الموضعَ مسجدًا, ودعا الغلامين فساوَمَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه, فقالا: بل نَهَبُهُ لك يا رسول الله, فأبى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى ابتاعه منهما بِعَشَرة دنانير، وكان فيه شَجَرُ غَرْقَدٍ ونَخل وقبورٍ قديمة لبعض المشركين, فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالقبور فنُبشت, وبالنخيل والشجر فقُطعت, وصُفَّت في قِبلة المسجد, وجَعَل طُولَه مما يلي القِبلة إلى مُؤخره 70 ذراعًا, وفي الجانبين مِثل ذلك، أو دُونه, ثم بَنَوْهُ باللَّبِن.

وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُباشر البناء مع أصحابه، ويَنقل معهم الحجارة بنفسه, وجعل قِبلته إلى بيت المقدس, وجَعَل عُمُدَه الجُذُوع, وسَقَّفَه بالجريد.

وقيل له: ألا نُسَقِّفُه؟ فقال: «عَرِيشٌ كَعَرِيشِ مُوسَى، خُشَيْبَاتٌ وَثُمَامٌ (1) الشَّأْنُ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ» (2).

أما أرضُه فقد فُرِشَت بعد ذلك بالرِّمَال والحصباء.

وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما (3) عن أنس بن مالك, أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم, قال: ثم إنه أمر ببناء المسجد, فأرسل إلى ملأ من بني النجار فجاءوا, فقال: «يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا». فقالوا: لا والله لا نطلب ثَمَنَه إلا إلى الله. فقال أنس: فكان فيه ما أقول لكم: كانت فيه قبور المشركين, وكانت فيه خرب, وكان فيه نخل. فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقبور المشركين فنُبشت، ثم بالخِرَبِ فسُوِّيَت، وبالنخل فقُطع, قال: فصَفُّوا النخل قِبلة المسجد قال: وجعلوا عضادتيه حجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- معهم وهو يقول: «اللهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَهْ، فَانْصُرِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ».

ثم وَسَّعَه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بعد عودته مِن خيبر، وكثُر المسلمون، فصار مائة ذراع طُولًا، ومِثل ذلك عَرْضًا.

وقد ظل مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على هذا الشكل دون أي زيادة أو تغيير على عهد أبي بكر -رضي الله عنه-.


(1) الثُّمَام: نبْت ضَعِيفٌ قَصِيرٌ لَا يَطُول. النهاية: ثمم.

(2) أخرجه عبد الرزاق (3/154، رقم 5135).

(3) أخرجه البخاري (1/165، رقم 418)، ومسلم (1/374، رقم 524).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.