الرئيسية » المواقع الأثرية » الحرمان الشريفان » حجرات النبي –صلى الله عليه وسلم-

حجرات النبي –صلى الله عليه وسلم-

التعريف بها

هي تلك الحجرات -أو البيوت- التي بناها النبي –صلى الله عليه وسلم- لنسائه في المدينة بعد هجرته، وكانت ملاصقة للمسجد النبوي.

قال صاحب الدرة الثمينة (1): لما بنى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مسجده، بنى بيتين لزوجتيه عائشةَ وسَوْدَة -رضي الله عنهما- على نَعْتِ بناء المسجدِ مِن لَبِنٍ (2) وجَريدِ النَّخْلِ، وكان لبيت عائشةَ -رضي الله عنها- مِصراعٌ (3) واحدٌ مِن عَرْعَرٍ (4) أو سَاجٍ(5)، ولما تزوج رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- نساءه بنى لهن حُجَرًا، وهي تسعةُ أبياتٍ، وهي ما بين بيت عائشةَ -رضي الله عنها- إلى الباب الذي يلي بابَ النبي -صلى الله عليه وسلم-.

قال أهل السير: ضَرَب النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- الحُجرَاتِ ما بَيْنَه وبَيْنَ القِبلة والشَّرْقِ إلى الشامِ، ولم يَضْرِبْهَا في غَرْبِيِّهِ، وكانت خارجةً مِن المسجد مُديرةً به إلا مِن المغرب، وكانت أبوابُها شَارِعَةً (6) في المسجد.

قال عِمرانُ بنُ أبي أنس: كان منها أربعةُ أبياتٍ بِلَبِنٍ لها حُجَرٌ مِن جَرِيدٍ، وكانت خمسةَ أبياتٍ مِن جريدٍ مُطَيَّنَةً (7) لا حُجَرَ لها، على أبوابها مُسُوح (8) الشَّعْر، وذَرَّعْتُ (9) السِّتْرَ فوجدتُه ثلاثةَ أَذْرُعٍ في ذِراعٍ.

قال مالك بن أنس -رضي الله عنه-: وحَدَّثَني الثِّقَةُ عندي أن الناسَ كانوا يَدْخُلون حُجُرَاتِ أزواجِ النبي -صلى الله عليه وسلم- بَعد وفاته يُصَلُّون فيها يوم الجمعة.

قال مالكٌ: وكان المسجدُ يَضِيقُ عن أهله، وحُجَرُ النبي -صلى الله عليه وسلم- ليست مِن المسجدِ، ولكنْ أبوابُها شارعةٌ في المسجد.

قالت عائشةُ -رضي الله عنها-: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ البَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ» (10). أ.هـ.

وقال الحافظ ابن حَجَر: وَكَانَتْ بُيُوتُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَوَالَيْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ (11).

وقد أَسَّس النبي -صلى الله عليه وسلم- تِسعةَ بُيوت حَوْلَ المسجد في الجهةِ الجَنُوبية والشرقية والشمالية.

وقد أخذ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في تأسيسها بَعد الهِجرة، واحدًا بَعْدَ الآخَر، فَبَنى أولًا بيتًا لِسَوْدَةَ بنتِ زَمْعَةَ، كما بَنى بيتًا ثانيًا لعائشةَ بنتِ أبي بكرٍ -رضي الله عنهما-، فهُما زَوْجَتَاه حين الهجرةِ، وبَعْدَ ذلك كان -صلى الله عليه وسلم- كُلَّما أَحْدَث أهلًا بَنَى بَيتًا، واستمر هكذا حتى بَنى سائر البُيوت، وعَدَدُها تسعة.

والأرضُ التي أُقِيمت فيها البيوتُ كانت مملوكةً لِحَارِثَةَ بنِ النُّعْمان الخَزْرَجِيِّ -رضي الله عنه- وكان يتنازل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الأرض بِقَدْرِ الحاجة، فكلما بَنَى النبيُّ بزوجةٍ تَنَازَلَ الحارثُ لرسول الله عن أرضٍ لإقامةِ بيتٍ لها فيه.

وأولُ البُيوت تأسيسًا هو بيتُ سَوْدَةُ، وثانيها هو بيتُ عائشةَ الذي يلي الرَّوْضَة مُباشرةً مِن جهة الشَّرْقِ، وفيه دُفن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو الذي يُعرَف الآن بالحَضْرة النبوية، وقد أُقِيم فوقها قُبَّةٌ خضراءُ بَعْدَ وفاته -صلى الله عليه وسلم- وبَعْدَها كان بيتُ سَوْدَةَ بنتِ زَمْعَةَ -رضي الله عنها- مُلاصِقًا لِبَيْتِ عائشةَ مِن جِهة الشَّرْق، وقد بنى النبي -صلى الله عليه وسلم- بيتًا لِابْنَتِه فاطمةَ حِينَ تَزَوَّجَها ابنُ عَمِّهَا عَلِيٌّ -رضي الله عنه- في شمال بيت عائشة عن يَسار المُصَلَّى إلى القِبلة في الروضة الشريفة، أي إنه كان خَلْفَ بيتِ عائشةَ، وقد اتخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- طريقًا إلى بيتِ فاطمةَ يُعرَف بِخَوْخَةِ عَلِيٍّ، حيث كان يأتي بَابَها كلَّ يوم، ويأخذ بِعِضَادَتَيْه (12)، ويقول: الصلاة, {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}[الأحزاب: 33].

يقول عمر بن علي بن الحسين -رضي الله عنه-: كان في بيت فاطمةَ كُوَّةٌ إلى بيت عائشة -رضي الله عنها-، فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا خرج اطلع مِن الكُوَّة إلى فاطمةَ، وعَلِيٌّ يَعْلَمُ خَبَرَهُم.

وقد توزعت بُيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- حَوْلَ مسجده، فلقد أُقيم بيت زينبَ بنتِ خديجةَ الهلاليةِ شَرْقَ بيتِ فاطمةَ، وشمال بَيْتِ سَوْدَةَ -رضي الله عنهن-.

كما أقيم بيتُ زينبَ بنتِ خُزيمة، وزينبَ بنتِ جَحْشٍ إلى الشرق مِن بيتِ سَوْدَةَ، وزينبَ الهلالية، وأُقيم بيتُ حفصةَ بنتِ عُمَرَ أمامَ بيتِ عائشةَ مِن جهة الجَنوب، وقد أُقيمت الحُجَر الباقية خَلْفَ المسجد مِن الجهة الشمالية، والشمالية الغربية المواجهة للقِبلة، وتُعرَف هذه البيوتُ بِبُيوت النبي، أو بيوت أزواج النبي، أو حُجَر النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وكان البيت مكونًا مِن حُجْرَةٍ وفِناء، حيث حوائط الحُجرة مِن جَريد النخل المُغَطَّى مِن الخارج بالشَّعْر والوَبَرِ، والمُطَيَّن مِن الداخل، وللحُجرة بابٌ يُفتَح على الموجود أمامها، وللبيت بابٌ مرتبط بالخارج.

وقد بلغت مساحةُ كل واحدةٍ مِن الحجرة والفناء ثمانيةَ أذرُع طُولًا وعرضًا، وبذلك بلغ الطُّول سِتَّةَ عَشَرَ ذراعًا أي إن مجموعهما معًا كان مائةً وثمانيةً وعشرين ذراعًا.

ويبدو أن مساحة البيوت لم تكن واحدة، لأن خمسة منها كان مُكَوَّنًا مِن فِناءٍ فقط(13).

وصف بنائها

كانت تلك الحجرات مبنيةً مِن الجَريدِ واللَّبِنِ، وكان لها مِصراع واحد، ولم يكن سقفها عاليًا، قال الحسن: «كُنتُ أدخلُ بيوتَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي خِلافة عُثمان بْنِ عَفانَ، فَأتنَاولُ سُقُفَها بِيدي» (14).

وعن دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: «رَأيتُ الحُجراتِ مِن جَريدِ النَّخلِ مُغَشَّاة (15) مِن خَارجٍ بِمُسُوح الشَّعْرِ، وَأظُنُ عَرْضَ البَيتِ مِن بَاب الحُجرةِ إِلَى بَاب البيتِ نَحْوًا مِن سِتِ أَو سبعِ أَذرعٍ، وأحْزِرُ البيتَ الدَّاخِلَ عَشْرَ أَذرعٍ، وأَظنُّ سُمكَهُ بَين الثَّمانِ والسَّبْعِ نَحوَ ذَلك، ووقَفتُ عِند بَاب عَائشةَ فَإذا هُو مُستَقبِلُ المَغربِ» (16).

وقال في الروض الأنف (17): وَأَمّا بُيُوتُهُ -عَلَيْهِ السّلَامُ- فَكَانَتْ تِسْعَةً، بَعْضُهَا مِنْ جَرِيدٍ مُطَيّنٍ بِالطّينِ وَسَقْفُهَا جَرِيدٌ، وَبَعْضُهَا مِنْ حِجَارَةٍ مَرْضُومَةٍ (18)، بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، مُسَقّفَةٌ بِالْجَرِيدِ أَيْضًا.

وَفِي تَارِيخِ الْبُخَارِيّأَنّ بَابَهُ- عَلَيْهِ السّلَامُ- كَانَ يُقْرَعُ بِالْأَظفارِ، أَيْ لَا حِلَقَ لَهُ، وَلَمّا تُوُفّيَ أَزْوَاجُهُ -عَلَيْهِ السّلَامُ- خُلِطَتْ الْبُيُوتُ وَالْحُجَرُ بِالْمَسْجِدِ، وَذَلِكَ فِي زَمَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمّا وَرَدَ كِتَابُهُ بِذَلِكَ ضَجّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِالْبُكَاءِ، كَيَوْمِ وَفَاتِهِ -عَلَيْهِ السّلَامُ-، وَكَانَ سَرِيرُهُ خَشَبَاتٍ مَشْدُودَةً بِاللّيفِ، بِيعَتْ زَمَنَ بَنِي أُمَيّةَ، فَاشْتَرَاهَا رَجُلٌ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. أ.هـ.

ولم تسعفنا الروايات التاريخية ببيان مكان بيوت زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا بيت أم المؤمنين عائشة –رضي الله عنها-، وذلك لأنه هو المكان الذي دفن فيه النبي –صلى الله عليه وسلم-، وهل كانت هذه الحجرات في ناحية واحدة، أم في أكثر من ناحية؟ وهل كانت متجاورة أم متباعدة؟

مكونات بيت النبي –صلى الله عليه وسلم-

يتضح من النصوص الواردة في كتب السنة والسير أن بيت النبي – صلى الله عليه وسلم- يتكون من عدة مكونات، هي:

1- مجموعة حُجرات: والحجرة ُهي الرُّقْعَةُ مِنَ الْأَرْضِ الْمَحْجُورَةِ بِحَائِطٍ يُحَوِّطُ عَلَيْهَا (19).

وهذا اللفظ وَرَدَ في كثيرٍ مِن الأحاديث، منها حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: بَيْنَمَا المُسْلِمُونَ فِي صَلاَةِ الفَجْرِ لَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ صُفُوفٌ، فَتَبَسَّمَ يَضْحَكُ، وَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ لَهُ الصَّفَّ، فَظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُ الخُرُوجَ وَهَمَّ المُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا فِي صَلَاتِهِمْ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ : « أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ»، فَأَرْخَى السِّتْرَ وَتُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ (20).

2- غُرْفة، أو مَشْرَبة: الغرفة هي العِلِّيّةُ، وَالْجَمْعُ غُرُفَات وغُرَفَات وغُرْفَات وغُرَف(21)، والمَشْرَبة: هي الغُرْفَةُ، لأَنَّهم يَشْرَبُون فِيهَا، والمَشْرَبَةُ: العِلِّيَّةُ، والغُرْفَةُ أَشْهَرُ من العِلِّيَّة، والمَشْرَبَةُ: الصُّفَّةُ، وقِيلَ: هِيَ كالصُّفَّةِ بَيْن يَدَيِ الغُرْفَة (22). وهذا يعني أن المشربة أو الغرفة كانت في مكان مرتفع، والظاهر أنها أعلى الحُجرة.

وقد وردت هذه اللفظة في العديد من الأحاديث، منها حديث ابْن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما- قَالَ: أَصْبَحْنَا يَوْمًا وَنِسَاءُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَبْكِينَ، عِنْدَ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ أَهْلُهَا، فَخَرَجْتُ إِلَى المَسْجِدِ، فَإِذَا هُوَ مَلْآنُ مِنَ النَّاسِ، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَصَعِدَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ فِي غُرْفَةٍ لَهُ، فَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ سَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَنَادَاهُ، فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَقَالَ: «لَا، وَلَكِنْ آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا»(23).

وورد لفظ مَشْرَبة في عدد من الأحاديث، منها حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ –رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ فَجُحِشَتْ سَاقُهُ -أَوْ كَتِفُهُ- وَآلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَجَلَسَ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ دَرَجَتُهَا مِنْ جُذُوعٍ، فَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا وَهُمْ قِيَامٌ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا» (24).

وجاء وصف طريقة الوصول لهذه المشربة في حديث  عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- حيث قال لابنته حفصة: وَاللهِ، لَقَدْ عَلِمْتِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَا يُحِبُّكِ، وَلَوْلَا أَنَا لَطَلَّقَكِ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَبَكَتْ أَشَدَّ الْبُكَاءِ، فَقُلْتُ لَهَا: أَيْنَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قَالَتْ: هُوَ فِي خِزَانَتِهِ فِي الْمَشْرُبَةِ، فَدَخَلْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشْرُبَةِ، مُدَلٍّ رِجْلَيْهِ عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ -وَهُوَ جِذْعٌ يَرْقَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَيَنْحَدِرُ (25).

3- مُغتَسَل، أو مُسْتَحَمّ، أو مِرْحَاض، أو كَنِيف: وهو مكان مخصص للاغتسال، وقد جاء ذكره في حديث عَائِشَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْأَحْزَابِ، دَخَلَ الْمُغْتَسَلَ لِيَغْتَسِلَ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَام- فَقَالَ: أَوَقَدْ وَضَعْتُمُ السِّلَاحَ، مَا وَضَعْنَا أَسْلِحَتَنَا بَعْدُ، انْهَدْ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ» (26).

وجاء لفظ الكنيف في حديث أَنَسٍ –رضي الله عنه- قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا دَخَلَ الْكَنِيفَ قَالَ: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ» (27).

4- سَهْوَة: هِيَ شَبِيهَةٌ بالرَّف، أو بالطَّاق يُوضَعُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَسَمِعْتُ غير واحد مِن أَهْلِ الْيَمَنِ يَقُولُونَ: السَّهْوَةُ عِنْدَنَا بَيْتٌ صَغِيرٌ مُتَحَدِّر في الأرض، وسُمكه مرتفعٌ مِن الْأَرْضِ يُشْبِهُ الْخِزَانَةَ الصَّغِيرَةَ يَكُونُ فِيهَا الْمَتَاعُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَهَذَا عِنْدِي أَشْبَهُ مَا قِيلَ فِي السَّهْوَةِ. وَقَالَ الْخَلِيلُ: هِيَ أَرْبَعَةُ أَعْوَادٍ، أَوْ ثَلَاثَةٌ يُعْرَضُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، ثم يوضع عليها شيء من الأمتعة. وقال ابن الْأَعْرَابِيِّ: هِيَ الْكَوَّةُ بَيْنَ الدَّارَيْنِ، وَقِيلَ: بَيْتٌ صَغِيرٌ يُشْبِهُ الْمِخْدَعَ، وَقِيلَ: هِيَ كَالصُّفَّةِ تَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ الْبَيْتِ، وَقِيلَ: شَبِيهُ دَخْلَةٍ فِي جَانِبِ الْبَيْتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (28).

وقد جاء ذكرها في حديث عَائِشَةَ –رضي الله عنها- قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي بِقِرَامٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَلَمَّا رَآهُ هَتَكَهُ وَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ وَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللهِ»(29).

5- خَوْخَة: وهي بابٌ صغِيرٌ كالنَّافِذَة الكَبِيرَة، وتكُون بَيْن بَيْتَيْن، يُنْصَبُ عَلَيْهَا بابٌ (30)، وقد جاء ذِكرها في حديث عَائِشَةَ –رضي الله عنها- قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ خَوْخَةٍ لِي فَدَنَا مِنِّي رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَوَضَعْتُ يَدَيَّ عَلَى مَنْكِبِهِ وَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «خُذْنَ بَنَاتِ أَرْفِدَةَ، فَمَا زِلْتُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، وَيَزْفِنُونَ حَتَّى كُنْتُ أَنَا الَّتِي انْتَهَيْتُ» (31).

6- صُفَّة: والصُّفَّة مِن البُنْيَانِ: شِبْهُ البَهْوِ الواسِع الطَّوِيلِ السَّمْكِ، وأَهْلُ الصُّفَّةِ جاءَ ذِكْرُهُم فِي الحَدِيثِ: كانُوا أَضْيافَ الإِسْلامِ مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ، ومَنْ لم يَكُنْ لَهُ مِنْهُمْ مَنْزِلٌ يَسْكُنُه كانُوا يَبِيتُونَ فِي مَسْجِدِهِ -صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ-، وَهِي مَوْضِعٌ مُظَلَّلٌ من المَسْجِدِ كَانُوا يَأْوُونَ إِليهِ، وكانُوا يَقِلُّونَ تَارَة، ويَكْثُرونَ تارَة (32).

وقد جاء ذكرها في حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ، قَالَ: كُنَّا يَوْمًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الصُّفَّةِ، فَوُضِعَ لَنَا طَعَامٌ فَأَكَلْنَا، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّيْنَا وَلَمْ نَتَوَضَّأ (33).

وقال صاحب الدرة الثمينة (34): وقبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وقبر صاحبيه في صُفَّةِ بيت عائشة -رضي الله عنها-.

فيتضح من هذا النص أن هذه الصُّفَّة كانت ملحقة ببيت رسول الله –صلى الله عليه وسلم-.

وهذه البيوتُ مِلكٌ خاصٌّ لزوجات النبي –صلى الله عليه وسلم- بعد وفاته، قال الحافظ ابن حجر: وَقَوْلُ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- {وَقَرْنَ فِي بيوتكن}[الأحزاب: 33]، وَ{لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ}[الأحزاب: 53] قَالَ ابنُ الْمُنَيِّرِ: غَرَضُهُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ هَذِهِ النِّسْبَةَ تُحَقِّقُ دَوَامَ اسْتِحْقَاقِهِنَّ لِلْبُيُوتِ مَا بَقِينَ لِأَنَّ نَفَقَتَهُنَّ وَسُكْنَاهُنَّ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالسِّرُّ فِيهِ حَبْسُهُنَّ عَلَيْهِ (35).

قال الطبري: قيل: كان النبي -صلّى الله عليه وسلّم- مَلَّك كُلًّا مِن أزواجه البيت التي هي فيه، فسكّن بعده فيهن بذلك التمليك، وقيل: إنما لم ينازعن في مساكنهن لأن ذلك من جملة مؤنتهن التي كان النبي صلّى الله عليه وسلّم استثناه لهن مما كان بيده أيام حياته حيث قال: ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة، قال الطبري: وهذا أرجح، ويؤيده أن ورثتهن لم يرثوا عنهن منازلهن، ولو كانت البيوت ملكا لهن لانتقلت إلى ورثتهن، وفي ترك ورثتهن حقوقهم منها دلالة على ذلك، ولهذا زيدت بعدهن في المسجد لعموم نفعه للمسلمين (36).

متى أُدخلت في المسجد:

في سَنَة سبعٍ وثمانين كتب الوليد إِلى عُمر بنِ عبد العزيز يأمرُه بهدم مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهَدْمِ بُيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأن يُدْخِلَ البيوت في المسجد، بحيث تصير مساحة المسجد مائتي ذراع، في مائتي ذراع، وأن يضع أثمان البيوت في بيت المال، فأجابه أهل المدينة إِلى ذلك، وقُدِّمَتِ الفَعَلَةُ والصُّنَّاعُ مِن عِند الوَليد، لعِمَارة المسجد، وتَجَرَّدَ لذلك عمر بن عبد العزيز (37).

حال هذه الحجرات الآن: الحقُّ أن الروايات التي تناولت موضوع حجرات أزواج النبي –صلى الله عليه وسلم- أو وَرَدَ ذِكْرُها فيها لم تتجاوز القَرْنَ الأول الهجري، بل توقفت عند توسعة الوليد بن عبد الملك التي أجراها لمسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-، حيث هدَم تلك الحجرات –باستثناء حجرة أم المؤمنين عائشة –رضي الله عنها- التي دُفن فيها النبي الكريم، وأدخلها ضمن المسجد النبوي.


(1) الدرة الثمينة في أخبار المدينة (صـ 90).

(2) اللَّبِنة واللِّبْنة: الَّتِي يُبْنَى بِهَا، وَهُوَ الْمَضْرُوبُ مِنَ الطِّينِ مُرَبَّعًا، وَالْجَمْعُ لَبِنٌ ولِبْنٌ. اللسان: لبن.

(3) المصراع: الْبَاب، وَلَا يُقَال مصراع إِلا إِذا كان ذا دَرْفَيْنِ. فتح الباري (1/143).

(4) الْعَرْعَرِ: شَجَرُ الْأَرْزَنِ، وَهُوَ شَجَرٌ صُلْبٌ. مرقاة المفاتيح (3/1130).

(5) الساج: شَجَرٌ يَعْظُمُ جِدًّا، ويَذهبُ طُولًا وعَرْضًا، يَتَغَطَّى الرَّجُلُ بِوَرَقَةٍ مِنْهُ فَتَكِنُّه من المَطَر، وَله رائحةٌ طيِّبة تُشابِه رائحةَ وَرقِ الجَوْزِ، مَعَ رِقَّة ونُعومة، وَلَا يَنْبُتُ إِلاّ بالهِنْد، ويُجْلَب مِنْهَا إِلى غيرِهَا. انظر تاج العروس: سوج.

(6) أي مَفتوحَةً إِليه. تاج العروس: شرع.

(7) أي ملطخة بالطين. انظر التاج: طين

(8) جمع مِسْح، وهو ثَوْبٌ من الشَّعرِ غليظٌ. تاج العروس: مسح.

(9) ذَرَعَ الثوبَ وغيرَه: قاسَه بهَا. تاج العروس: ذرع.

(10) أخرجه مسلم (1/244، رقم 297).

(11) فتح الباري (4/279).

(12) عِضَادَتا الْبَاب: الخَشَبَتَانِ المَنْصُوبتانِ عَن يَمِينِ الداخِلِ مِنْهُ وشِمَاله. تاج العروس: عضد.

(13) السيرة النبوية والدعوة في العهد المدني، لأحمد غلوش (صـ 98).

(14) الأدب المفرد، رقم (450).

(15) أي مُغَطَّاة. انظر التاج: غشي.

(16) الأدب المفرد، رقم (451).

(17) الروض الأنف، لأبي القاسم السهيلي، بتصرف (4/267).

(18) أي مبنية. انظر التاج: رضم.

(19) تفسير القرطبي (16/310).

(20) أخرجه البخاري (1/262، رقم 721)، ومسلم (1/315، رقم 419).

(21) اللسان: غرف.

(22) انظر تاج العروس: شرب.

(23) أخرجه البخاري (5/1997، رقم 4907).

(24) أخرجه البخاري (1/149، رقم 371)

(25) أخرجه مسلم (2/1105، رقم 1479).

(26) أخرجه أحمد (21/458، رقم 24993).

(27) أخرجه البخاري (1/66، رقم 142) ومسلم (1/283، رقم 375).

(28) شرح مسلم للنووي (14/90).

(29) أخرجه البخاري (5/2221، رقم 5610)، ومسلم (3/1668، رقم 2107).

(30) النهاية: خوخ.

(31) أخرجه النسائي في الكبرى (8/138، رقم 8909).

(32) انظر التاج: صفف.

(33) أخرجه أحمد (4/190، رقم 17857).

(34) الدرة الثمينة في أخبار المدينة، لابن النجار (صـ 146).

(35) فتح الباري (6/211).

(36) وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى، لنور الدين أبي الحسن السمهودي (2/56).

(37) المختصر في أخبار البشر (1/198).

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *