الرئيسية » المواقع الأثرية » الحرمان الشريفان » حدود المسجد النبوي ومكوناته

حدود المسجد النبوي ومكوناته

إن كل مسلم تهفو نفسه للصلاة في المسجد النبوي الشريف، وتتبع آثار النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه، ذلك المسجد الذي أُسِّس على التقوى، والذي صلى فيه الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم أجمعين- ذلك المكان الذي يحمل ذكريات عظيمة، صلاة، ودروس، وعِبَر، وبطولات يحتاج كل مسلم إلى معرفتها، والتأسِّي بأصحابها، الذين أكرمهم الله –عز وجل- بصحبة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ولا شك أن هذا المسجد له قداسته عند المسلمين قاطبة، وفيه من الأماكن التي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتحرى الصلاة فيها.

ولما كان الصحابة -رضي الله عنهم- حريصين على اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- في كل صغيرة وكبيرة، كان لزاما علينا أن نتعرف على تفاصيل هذا المكان، من حيث حدوده الخارجية، ومكوناته الداخلية، وإليك هذه المكونات:

1- الدَّرَابزِينات النُّحاسية الصُّفر: الآخذة مِن شرقٍ إلى غربٍ التي تَبْعُدُ عن المنبر النبوي ذراعًا واحدًا، أو أكثرَ قليلًا هي في موضع جدار المسجد القِبلي الذي بناه -صلى الله عليه وسلم-.

2- الأساطين الشمالية: في عمارة السلطان عبد المجيد العثماني المُشْرِفة على رَحَبَة المسجد النبوي الآخذة مِن شَرْقٍ إلى غرب المسامتة لعضادة باب النساء هي موضع الجدار الشمالي الذي بناه الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

3- الحائط الشرقي: هو بَعد أربعة أذرع مِن الأسطوانة الخامسة مِن يمين المنبر الشريف جهة الشرق داخلَ شُباك الحُجرة النبوية الشريفة, أي إن جُزءًا مِن الروضة داخلٌ في شُباك الحجرة النبوية الشريفة.

أما الحائط الغربي فموقعُه في موضع الأساطين الممتدة مِن الشمال للجنوب المكتوب في عُلْوِهَا (حَدُّ مسجد النبي عليه السلام) داخلَ عَقْدٍ مُذَهَّبٍ منحوت.

4- الباب الشرقي: ويسمى باب آل عثمان, وباب النبي, وباب جبريل, وموضعه عند دخولك مِن باب جبريل قَبل نهاية ضِلع الحُجرة الشمالي بأربعة أو خمسة أذرُع تقريبًا في امتداد شمالي جنوبي.

5- الباب الغربي: هذا الباب كان يسمى باب عاتِكَةَ قديمًا، ويسمى الآن باب الرحمة, وإذا دخل الإنسان مِن باب الرحمة، وسار إلى الشرق مستقيمًا، ووقف بحذاء آخِر أسطوانة مكتوب عليها في أعلاها كما تقدم (حد مسجد النبي عليه السلام) كان واقفًا في موضع باب عاتكة الذي فتحه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مسجده في الجدار الغربي.

6- الباب القبلي (الجنوبي)، اسمه باب آل عُمر: ويقع في الجدار القِبلي في القِسم الشرقي منه الواقع بين مصلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والحجرة المطهرة, وقد يكون في مكان الزاوية الغربية الجنوبية لشُبَّاك الحجرة اليوم كما وصفه المؤرخون.

وقد سد الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا الباب، وفتح بدله بابًا في الشمال عند تحويل القِبلة مِن بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة.

7- الباب الشَّمالي: ذكرت عن الباب القبلي أنه كان في مكان الزاوية الغربية الجنوبية للشُّباك الدائر على الحجرة النبوية الشريفة, والباب الشمالي فَتَحه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بحذاء الباب القِبلي في الجدار الشمالي للمسجد الذي سَبق وصفُه، أي يُطِلُّ على رَحَبة الشمسيات الأولى.

8- المحراب النبوي (مصلى الرسول الكريم إلى الكعبة): لم يكن يوجد محرابٌ في المسجد النبوي في عهده -صلى الله عليه وسلم- ولا في عهد خلفائه الراشدين, وأولُ مَن أحدثَ المحراب المجوَّف في المسجد النبوي الشريف هو عمرُ بن عبد العزيز في عمارة الوليد بن عبد المَلِك للمسجد النبوي سنة 88- 91هـ, كما نقله الجلال السيوطي في أوائله، ونُقِلَ في نزهة الناظرين للسيد البَرْزَنْجِي.

والمحرابُ الموجود الآن هو مِن عمارة الأشرف قَايِتْبَاي، ومُصلَّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للكعبة يقع في الطرَف الغربي لتجويفه المحراب, فاجعل التجويفة على يسارك، وقِف بَينَك وبين المنبر الشريف مقدارَ 14 ذراعًا وشبرًا، تَكُنْ في موقف الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة.

9- مصلى النبي إلى بيت المقدس في المسجد النبوي: صلى – عليه الصلاة والسلام – إلى بيت المقدس مُدَّةَ ستةَ عَشَرَ شهرًا، أو سبعةَ عَشَرَ شهرًا، ثم صُرفت القِبلة إلى الكعبة المشرَّفة.

وليس في المسجد اليوم موضعٌ يُعرف بمُصلاه -عليه السلام- إلى بيت المقدس, ولتحديد ذلك: ضَعْ أُسطوانة السيدةَ عائشةَ خَلْفَ ظَهرِك، وسِرْ باستقامةٍ جهةَ الشمال، فإذا حاذيت باب جبريل، وكان على مَنْكِبِك الأيمن، فقد وقفتَ في مُصلى النبي الكريم إلى بيت المقدس، حَسْبَما ذكره المؤرخون.

10- مصلى النبي عند أسطوانة السيدة عائشة: قَبل أن يتقدم النبي الكريم إلى مُصَلَّاه الدائم عند المحراب الذي وصفناه، صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد تحويل القبلة إلى الكعبة بالمسلمين إلى أسطوانة السيدة عائشة بِضعةَ عَشَرَ يومًا, ثم تقدم إلى مصلاه عند المحراب، وسيأتي تعيينُ موقع أسطوانة السيدة عائشة.

الأساطين المعلومة التي لها تاريخ في المسجد النبوي الشريف

السواري (الأساطين) التي في المسجد النبوي الشريف في القِسم القِبلي منه أُقيمت في عمارة السلطان عبد المجيد العثماني في مكان السواري التي كانت في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن جُذوع النخل, فقد تَحَرَّوْا عند البناء مَواقِعَها، وإذا أُطلق اسم سارية، فالمقصودُ بذلك مكانُها.

وفي المسجد النبوي الشريف 8 سواري (أسطوانات) دخلت التاريخ, فقد كان لكل واحدة منها قصةٌ حَظِيت مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بنصيب.

وفيما يلي نَذكُر هذه الأساطين بشيء من الإيجاز:

1- الأسطوانة التي هي عَلَم على مُصَلَّاه الشريف: وتُعْرَفُ بالأسطوانة المُخَلَّقَة (المُطَيَّبة المُعَطَّرَة) وكان سلمةُ بنُ الأكوع -رضي الله عنه- يتحرى الصلاة عندها, ولما سُئل عن ذلك قال: إني رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتحرى الصلاة عندها (1).

وسئل مالك عن الصلاة في مسجد النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أي مواضعه أحب إليك؟ قال: أما النافلة فمصلى النبي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قال ابن القاسم: وهو العمود المخلق، وأما الفريضة فيقدم إلى أول الصف أحب إليَّ(2).

وقد جرى تقديم هذه الأسطوانة لجهة القِبلة قليلًا، وإدخال بعضها في المحراب النبوي، وكُتب عليها الأسطوانة المُخَلَّقَة.

2- أسطوانة السيدة عائشة: وهي الثالثة مِن المنبر, والثالثة مِن القبر، والثالثة مِن القِبلة، وتُعرف بأسطوانة المهاجرين، فقد كانوا يجتمعون عندها, وتُسمى أسطوانة القُرعة، لحديث عائشة الذي مفاده لو علم الناس ما لفضل الصلاة عند هذه السارية لاستهموا عليها, ولم تحددها السيدة عائشة لهم ولكن استنبطوها بعد ذلك (3).

3- أسطوانة التوبة: وهي الرابعة مِن المنبر، والثانية مِن القبر، والثالثة مِن القِبلة، وتُعرَف بأسطوانة أبي لبابة، لأنه رَبَطَ نَفْسَه فيها بِضْعَ عَشْرَةَ ليلة بعد الذي أفضى به لحلفائه بني قريظة، وبعد أن أَنَّبَهُ ضميرُه على ما فَعَل مِن ذَنْب، حتى كاد لا يسمع، وكاد بصرُه يذهبُ، وكانت ابنتُه تَحُلُّ رباطَه إذا حَضَرَتِ الصلاةُ، وإذا أراد أن يذهب لحاجةٍ، ثم يعود فَتَرُدُّه في الرباط, وحَلَفَ ألَّا يَحُلَّ نَفْسَهُ، حتى يَحُلَّه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وحَلَّه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بعد أن نزلت توبتُه في القرآن الكريم سَحَرًا في بيت أُمِّ سَلَمة, وحَلَف ألَّا يَطَأَ بني قريظةَ أبدًا.

وكان -صلى الله عليه وسلم- يصلي نَوَافِلَه إلى هذه الأسطوانة، وينصرف إليها بعد صلاة الصبح، ويعتكف وراءها مما يلي القِبلة، ويسبق إليها الضعفاء والمساكين وضيوف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمؤلَّفَةُ قُلوبهم، ومَن لا بَيْتَ له إلا المسجد, فينصرف إليهم النبي مِن مُصَلَّاه، ويتلو عليهم ما أُنزل عليه ليلَتَه، ويُحَدِّثُهم ويُحَدِّثُونه .

4-   أسطوانة السرير: وهي الأسطوانة اللاصقة بالشُّباك تلي أسطوانة التوبة (أبي لبابة) مِن جهة الشرق, وقد كان للنبي -صلى الله عليه وسلم- سَرير مِن جَريد فيه سَعْفَةٌ يُوضَع قُرْبَ هذه الأسطوانة يضطجع عليه, وكان السرير يوضع أيضًا عند أسطوانة التوبة.

5-   أسطوانة المحرس: وتَقع خَلْفَ أسطوانة التوبة مِن جهة الشمال، وتسمى أسطوانة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقد كان مُصلاه إليها, وكان يجلس في صَفحتها التي على القبر مما يلي بابَ بيتِ رسول الله، يَحْرُسُه، وكان أُمَرَاءُ المدينة يُصَلُّون عندها.

6-   أسطوانة الوفود: وتقع خَلْفَ أسطوانة المَحْرَس مِن الشمال، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجلس إليها لِوُفُود العَرب إذا جاءته، وكانت تُعرف بمجلس القِلادة، يجلس إليها سَراةُ الصحابةُ وأفاضلهم.

7-   أسطوانة مربعة القبر: ويقال لها: مقام جبريل, وتقع في حائز الحُجرة عند مُنْحَرَف صفحته الغربية إلى الشمال بينها، وبين أسطوانة الوفود الأسطوانة اللاصقة بِشُبَّاك الحُجرة الشريفة (4), وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأتي يمر على بيت فاطمة -رضي الله عنها- في المربعة, حتى يأخذ بِعِضَادَتيه ويقول: السلام عليكم أهل البيت {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}[الأحزاب: 33] (5).

8-   أسطوانة التهجد: وموقعها وراءَ بيت السيدة فاطمة -رضي الله عنها- مِن جهة الشمال, وفيها محرابٌ إذا توجه المصلي إليه كانت يساره إلى جهة باب عثمان.

StW86012 


(1) أخرجه البخاري (1/189، رقم 480)، ومسلم (1/364، رقم 509).

(2) البيان والتحصيل، لأبي الوليد القرطبي (1/369).

(3) جاء ذِكرها في حديث أم المؤمنين عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «إِنَّ فِي الْمَسْجِدِ لَبُقْعَةً قَبْلَ هَذِهِ الْأُسْطُوَانَةِ، لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا صَلَّوْا فِيهَا إِلَّا أَنْ يُطَيَّرَ لَهُمْ فِيهَا قُرْعَةٌ»، وَعِنْدَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَيْنَ هِيَ؟ فاسْتَعْجَمَتْ عَلَيْهِمْ، فَمَكَثُوا عِنْدَهَا سَاعَةً، ثُمَّ خَرَجُوا، وَثَبَتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ. فَقَالُوا: إِنَّهَا سَتُخْبِرُهُ بِذَلِكَ الْمَكَانِ، فَأَرْمَقُوهُ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَنْظُرُوا حَيْثُ يُصَلِّي، فَخَرَجَ بَعْدَ سَاعَةٍ، فَصَلَّى عِنْدَ الْأُسْطُوَانَةِ الَّتِي صَلَّى إِلَيْهَا ابْنُهُ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَقِيلَ لَهَا: أُسْطُوَانَةُ الْقُرْعَةِ. قَالَ عَتِيقٌ: وَهِيَ الْأُسْطُوَانَةُ الَّتِي وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ، عَنْ يَمِينِهَا إِلَى الْمِنْبَرِ أُسْطُوَانَتَيْنِ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمِنْبَرِ أُسْطُوَانَتَيْنِ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الرَّحْبَةِ أُسْطُوَانَتَيْنِ، وَهِيَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ ذَلِكَ، وَهِيَ تُسَمَّى: أُسْطُوَانَةُ الْقُرْعَةِ. أخرجه الطبراني في الأوسط (1/264، رقم 862) .

(4) انظر تاريخ المدينة لابن شبة (1/246).

(5) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (2/232، رقم 720).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.