مسجد الحديبية

من (محمد بن إبراهيم) إلى حضرة الأستاذ (صالح محمد جمال) رئيس تحرير جريدة الندوة، وفقه الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد: فقد وجهت جريدة الندوة في عددها الصادر (20 رمضان 1383هـ) استفتاء إلى دار الإفتاء بمناسبة تسليم دار الأرقم للرئاسة العامة لهيئات الأمر بالمعروف عن أمرين:

أحدهما: هل هناك مانع من أن تكتب عليها عبارة «دار الأرقم بن أبي الأرقم» تخليدًا لهذا الأثر؟ وهل هناك مانع ديني من اتخاذها مكتبة أو متحفًا أو مدرسة ثم السماح للحجاج والزوار للبلاد المقدسة بزيارتها كدار ساهمت في نشر الدعوة الإسلامية ففي أحلك الظروف التي مرت بها.

السؤال الثاني: لماذا أزيل أثر مسجد البيعة من الحديبية (الشميسي)، وهل هناك مانع ديني من الاحتفاظ به كمأثر شهد بيعة كان لها أكبر الأثر في رفع راية الإسلام؟

هذا ما وجهته جريدة الندوة وتحته توقيع «طالب علم».

الجواب: أما اتخاذ «دار الأرقم بن أبي الأرقم» مزارًا للوافدين إلى البيت الحرام يتبركون به بأي وسيلة كان ذلك، سواء كانت إعلان كتابة دار الأرقم عليها وفتحها للزيارة، أو اتخاذها مكتبة أو متحفًا أو مدرسة، فهذا أمر لم يسبق إليه الصحابة الذين هم أعلم بما حصل في هذه الدار من الدعوة إلى الإسلام والاستجابة لها؛ بل كانوا يعتبرونها دارًا للأرقم، له التصرف فيها شأن غيرها من الدور، وكان الأرقم نفسه يرى هذا الرأي، حتى إنه تصدق بها على أولاده، فكانوا يسكنون فيها ويؤجرون ويأخذون عليها حتى انتقلت إلى أبي جعفر المنصور، ثم سلمها المهدي للخيزران التي عرفت بها، ثم صارت لغيرها. يتبين هذا كله مما رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى، عن شيخه محمد بن عمر، قال: أخبرنا محمد بن عمران بن هند بن عبد الله بن عثمان بن الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، قال: أخبرني أبي، عن يحيى بن عمران بن عثمان بن الأرقم، قال: سمعت جدي عثمان بن الأرقم يقول: أنا ابن سبع الإسلام، أسلم أبي سابع سبعة، وكانت داره بمكة على باب الصفا، وهي الدار التي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكون فيها في أول الإسلام، فيها دعا الناس إلى الإسلام وأسلم فيها قوم كثير، وقال: ليلة الأثنين فيها «اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك: عمر بن الخطاب، أو عمرو بن هشام»، فجاء عمر بن الخطاب من الغد بكرة، فأسلم في دار الأرقم، وخرجوا منها فكبروا، وطافوا بالبيت ظاهرين، ودعت دار الأرقم دار الإسلام، وتصدق بها الأرقم على ولده، فقرأت نسخة صدقة الأرقم بداره: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما قضى الأرقم في ربعه ما جاز الصفا، إنها محرمة بمكانها من الحرم، لا تباع ولا تورث؛ شهد هشام بن العاص، وفلان مولى هشام بن العاص»، قال: فلم تزل هذه الدار صدقة فيها ولده يسكنون ويؤجرون ويأخذون عليها، حتى كان زمن أبي جعفر.

قال: محمد بن عمران، فأخبرني أبي عن يحي بن عمران بن عثمان بن الأرقم، قال: إني لا أعلم اليوم الذي وقعت في نفس أبي جعفر إنه ليسعى بين الصفا والمروة في حجة حجها، ونحن على ظهر الدار في فسطاط، فيمر تحتنا لو أشاء أن آخذ قلنسوة عليه لأخذتها، وأنه لينظر إلينا من حين يهبط بطن الوادي حتى يصعد إلى الصفا، فلما خرج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة كان عبد الله بن عثمان بن الأرقم ممن تابعه ولم يخرج معه فتعلق عليه أبو جعفر بذلك، فكتب إلى عامله بالمدينة أن يحبسه ويطرحه في حديد، ثم بعث رجلًا من أهل الكوفة يقال له شهاب بن عبد رب، وكتب معه إلى عامله بالمدينة أن يفعل ما يأمره به، فدخل شهاب على عبد الله بن عثمان الحبس وهو شيخ كبير ابن بضع وثمانين سنة وقد ضجر بالحديد والحبس، فقال له: هل لك أن أخلصك مما أنت فيه وتبيعني دار الأرقم، فإن أمير المؤمنين يريدها، وعسى أن بعته إياها أن أكلمه فيك فيعفو عنك، قال: إنها صدقة، ولكن حقي منها له، ومعي فيها شركاء إخوتي وغيرهم، فقال: إنما عليك نفسك، أعطنا حقك وبرئت، فأشهد له بحقه، وكتب عليه كتاب شرى على حساب سبعة عشر ألف دينار؛ ثم تتبع إخوته ففتنتهم كثرة المال فباعوه، فصارت لأبي جعفر ولمن أقطعها، ثم صيرها المهدي للخيزران أم موسى وهارون، فبنتها وعرفت بها، ثم صارت لجعفر بن موسى أمير المؤمنين، ثم سكنها أصحاب الشطوي والمعنى، ثم اشترى عامتها أو أكثرها غسان بن عباد من ولد موسى بن جعفر.

قال: وأما دار الأرقم بالمدينة في بني زريق فقطيعة من النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا رواه ابن سعد في الطبقات. ورواه الحاكم في (المستدرك)، من طريق الحاكم ذكر الزيلعي في (نصب الراية) في كتاب الوقف، والحافظ ابن حجر في (الدراية) قطعة منه، وكذلك في (الإصابة). إلا أنه قال: في (الدراية) وهلال مولى هشام. بدل وفلان مولى هشام، وذكر جملة من ابن جرير الطبري في كتاب (ذيل المذيل) من تاريخ الصحابة والتابعين من طريق محمد بن عمر بسنده المذكور.

فمن هذه الرواية تبين أن كون دار الأرقم دار إسلام لم يمنع الأرقم التصرف فيها هو ولا ملاكها بعد، كما يتصرف في غيرها من الدور، ولم يتخذها متبركًا يتبرك به الوافدون إلى بيت الله الحرام، بل كانوا يسكنون فيها ويؤاجرون ويأخذون عليها.

وأول من اتخذ منها مزارًا الخيزران حينما اتخذت القسم الذي يذكر أنه مختبئ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في دار الأرقم بن أبي الأرقم مسجدًا، وهذا المسجد هو الذي ذكره الأزرقي في تاريخ مكة وتبعه من بعده، وذكر الفاسي في (شفاء الغرام، والنووي في الإيضاح، وصاحب الجامع اللطيف) أنه المقصود بالزيارة من دار الأرقم، وعبارة الفاسي: المقصود بالزيادة منها أي من دار الأرقم –هو المسجد الذي فيها وهو مشهور من المساجد التي ذكرها الأزرقي، وذكر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان مختبأ فيه– أي في الموضع الذي اتخذ مسجدًا –، وفيه أسلم عمر رضي الله عنه.

ويصف لنا الفاسي في (شفاء الغرام) مشاهدته ذلك المسجد حين يقول: وطول هذا المسجد ثمانية أذرع إلا قيراطين، وعرضه سبعة أذرع وثلث، الجميع بذراع الحديد، حرر ذلك بحضوري وفيه مكتوب {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [النور: 36]، هذه مختبئ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دار الخيزران، وفيه مبتدأ الإسلام، أمرت بتجديده الفقيرة إلى الله مولاة أمير الملك مفلح سنة ست. وذهب بقية التاريخ. قال الفاسي: وعمّره أيضًا الوزير الجواد، وعمّرته مجاورة يقال لها مرة العصماء، وعمّر أيضًا في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، الذي أمر بهذه العمارة لا أعرفه، والمتولى بصرف النفقة فيها علاء الدين علي بن ناصر محمد بن الصارم المعروف بالقائد. اهـ كلام الفاسي.

وعلى كل فعمل الخيزران ليس بحجة، إنما الحجة في عمل الصحابة -رضي الله عنهم-، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تفسير (سورة الإخلاص: 17/466): «إن الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يبنوا قط على قبر نبي ولا رجل صالح ولا جعلوه مشهدًا أو مزارًا ولا على شيء من آثار الأنبياء مثل مكان نزل فيه أو صلى فيه أو فعل فيه شيئًا من ذلك». انتهى.

وتكلم شيخ الإسلام ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم) على المزارات التي بمكة غير المشاعر مساجد وغيرها فقال ضمن كلامه على ذلك (ص 452): «ما بني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمكة غير المسجد الحرام؛ بل المساجد كلها محدثة مسجد المولد وغيره، ولا شرع لأمته زيادة موضع المولد، ولا زيادة موضع العقبة الذي خلف منى وقد بني هناك مسجد، واحتج بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- اعتمر أربع عمر، وحج معه إلا من شاء الله، وهو في ذلك كله لم يأت هو ولا أحد من أصحابه غار حراء، ولا شيئًا من البقاع التي حول مكة، ولم يكن هناك إلا بالمسجد الحرام وبين الصفا والمروة ومنى ومزدلفة وعرفات، وصلى الظهر والعصر ببطن عرنة، وضربت له القبة يوم عرفة بنمرة المجاورة لعرفة، وحج بعده خلفاؤه الراشدون فمشوا على تلك الطريقة ما ساروا إلى حراء ونحوه لصلاة فيه».

وقال: في (ص 429): «قد ذكر طائفة من المصنفين استحباب زيارة مساجد مكة وما حولها، وكنت كتبتها في منسك كتبته قبل أن أحج في أول عمري لبعض الشيوخ جمعته من كلام العلماء، ثم تبين لي أن هذا كله من البدع المحدثة التي لا أصل لها في الشريعة، وأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يفعلوا شيئًا من ذلك، وأن أئمة العلم والهدي ينهون عن ذلك وأن المسجد الحرام هو المسجد الذي شرع لنا قصده للصلاة والدعاء والطواف وغير ذلك من العبادات، ولم يشرع لنا قصد مسجد بعينه بمكة سواه، ولا يصلح أن يجعل هناك مسجد يزاحمه في شيء من الأحكام، وما يفعلها الرجل في مسجد من تلك المساجد من دعاء وصلاة وغير ذلك إذا فعله في المسجد الحرام كان خيرًا له بل هذا سنة مشروعة، وأما قصد مسجد غيره هناك تحريًا لفضله فبدعه غير مشروعة».

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في (منسكه) في مجموع الفتاوى (26/144): «أما زيارة المساجد التي بنيت بمكة غير المسجد الحرام كالمسجد الذي تحت الصفا، وما في سفح أبي قبيس، ونحو ذلك من المساجد التي بنيت على آثار النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كمسجد المولد وغيره فليس قصد شيء من ذلك من السنة، ولا استحبه أحد من الأئمة، وإنما المشروع إتيان المسجد الحرام خاصة والمشاعر عرفة ومزدلفة والصفا والمروة، وكذلك قصد الجبال والبقاع التي حول مكة غير المشاعر عرفة ومزدلفة ومنى مثل جبل حراء والجبل الذي عند منى الذي يقال أنه كان فيه قبة الفداء ونحو ذلك فإنه ليس من سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زيادة شيء من ذلك».

وقال في (تفسير سورة الإخلاص) في (مجموع الفتاوى) ( 7/477): «النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يصل بمسجد بمكة إلا المسجد، ولم يأت للعبادات إلا المشاعر: منى ومزدلفة وعرفة، ولهذا كان أئمة العلماء على أنه لا يستحب أن يقصد مسجد بمكة لصلاة غير المسجد الحرام، ولا تقصد بقعة لزيارة غير المشاعر التي قصدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. إلى أن قال: «وكل مسجد بمكة وما حولها غير المسجد الحرام فهو محدث» إهـ.

ويضاف إلى هذا ما ذكر الشاطبي في (الاعتصام) في تتبع الآثار، قال: «خرج الطحاوي وابن وضاح وغيرهما عن معرور بن سويد الأسدي، قال: وافيت الموسم مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فلما صلى لنا صلاة الغداة فقرأ فيها: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ} [الفيل: 1]، و {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} [قريش: 1]، ثم رأى ناسًا يذهبون مذهبًا فقال: أين يذهب هؤلاء؟ قال: يأتون مسجدًا ها هنا صلى فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: إنما أهلك من كان قبلكم أنهم يتبعون آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعًا، من أدركته الصلاة في شيء من هذه المساجد التي صلى فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فليصل، وإلا فلا يتعمدها. ثم قال الشاطبي: قال ابن وضاح: كان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي -صلى الله عليه وسلم- ما عدا قباء وحده. قال: وسمعتهم يذكرون أن سفيان دخل مسجدًا بين المقدس فصلى فيه ولم يتبع وقدم وكيع مسجد بيت المقدس فلم يعد فعل سفيان. قال ابن وضاح: وقد كان مالك يكره كل بدعة وإن كانت في خير، وجميع هذا ذريعة لأن يتخذ سنة ما ليس سنة أو يعد مشروعًا ما ليس مشروعًا» إهـ.

وهذا كله على تسليم كون الدار المعروفة اليوم بدار الأرقم هي دار الأرقم في الواقع، وفي النفس من ذلك شيء لأمرين:

أحدهما: أن موقع دار الأرقم حسب ما تقدم في رواية ابن سعد على باب الصفا، وفي تلك الرواية قول يحيى بن عمران بن عثمان بن الأرقم إني لأعلم اليوم الذي وقعت –أي دار الأرقم– في نفس أبي جعفر أنه ليسعى بين الصفا والمروة في حجة حجها، ونحن على ظهر الدار في فسطاط، فيمر تحتنا لو أشاء أن آخذ قلنسوة عليه لأخذتها، وإنه لينظر إلينا من حين يهبط بطن الوادي حتى يصعد إلى الصفا.

وهذا غير موقع الدار المعروفة اليوم وبذلك الاسم، وما في رواية ابن سعد المذكورة موافق لما في تاريخ مكة للأزرقي ومستدرك الحاكم أنها عند الصفا، ولما في (أسد الغابة) لابن الأثير أنها في أصل الصفا.

الثاني: ما ذكره ابن كثير في تاريخة (البداية والنهاية) في حوادث سنة 173هـ في ترجمة الخيزران، قال: قد اشترت الدار المشهورة فيها بمكة المعروفة بدار الخيزران فزادتها في المسجد الحرام. فإن هذا وإن كان بعيدًا ومخالفًا لرواية ابن سعد المتقدمة ولم يذكره الأزرقي وغيره فإنه مما يشك في اشتهار الدار الموجودة اليوم باسم (دار الأرقم) في زمن ابن كثير إذ لو كان الأمر كذلك لما خفي عليه.

قلت: وعلى فرض أنها هي الدار المعروفة فقد هدمت وجعلت ضمن الساحة موقفًا للسيارات وطريقًا للمشاة، وكفى الله شر التعلق والتبرك بها. فله الحمد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.