شبهات حول إدخال قبر النبي في المسجد النبوي

هناك عدة شبهات يُثِيرُها القبوريون حول مسألة إدخال قبر النبي –صلى الله عليه وسلم- المسجد النبوي الشريف، فاستدلوا بهذا الفعل على جواز بناء المساجد على القبور، أو إدخال القبر في المسجد، أو البناء عليها وتشييدها، والكتابة عليها، عِلمًا بأن هناك نصوصًا صريحة في النهي عن هذا الفعل، وأن هذا مِن فعل اليهود والنصارى الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وبينت النصوص أن هؤلاء هم شرار الخَلق عند الله.

وهناك رد موجز على هذه الشبهة للدكتور محمد بن موسى الدالي على موقع بهجة النفوس الإسلامية (1)، قال فيه:

فإن الله -تعالى- مِن كَمال رحمتِه بالعباد أنْ قَطَع عليهم كُلَّ طريق يُوصل إلى الشِّرك الموجِب للخُلود في النار، ومعلومٌ أنَّ مِن أعظَم الطُّرق الموصلَة إلى الشرك بالله تعظيمَ القُبور.

ولقد ابتُليت هذه الأُمة بطوائفَ كبيرةٍ مِن المسلمين الذين لم يُؤْتَوْا حظًّا مِن العِلم، وأُشْرِبَت قلوبُهم حُبَّ البِدعة، وشُغِلَت نُفوسُهم بِحُبِّ المال، فَطَمَسَ اللهُ على قُلوبهم، وأَعْمَى بَصَائِرَهم وأَضَلَّهُم، فكانت تلك الطوائفُ تدعو إلى تعظيم القبور، قُبور الصالحين حسبَ زَعْمِهم.

وحين تَتَبَّعْتُ كثيرًا منهم وجدتُهم إنما يفعلون هذا ليس لفسادِ معتقدهم فحسْب، بل لما تَدُرُّه عليهم تلك القبور مِن الأموال والقَرابين والنذور، أعاذنا الله -تعالى- مِن الخِزي، وحَمانا جميعًا مِن الشرك.

كما كان مِن كمال شفقة النبي -صلى الله عليه وسلم- بأُمته أنْ حذَّرهم غايةَ التحذير مِن هذا الأمر -أعني تعظيم القبور-؛ حتى جاءت النصوص في هذا الباب كثيرةً جدًّا، أَسُوق طَرَفًا منها قَبل الشُّروع في المسألة المقصودة:

فَعَنْ عائشةَ وعبدِ الله بن عباس -رضي الله عنهما- قالا: «لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا (2).

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: «لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». لَوْلاَ ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ -أَوْ خُشِيَ- أَنَّ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا(3).

وأخرج الشيخان نحوه عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.

قال الحافظ ابن حجر (4): وكأنه -صلى الله عليه و سلم- عَلِم أنه مُرتَحِل مِن ذلك المَرَض، فخاف أن يُعَظَّم قبرُه، كما فَعَلَ مَن مَضى، فَلَعَن اليهودَ والنصارى إشارةً إلى ذَمِّ مَن يفعلُ فِعْلَهم.

وعن عطاءٍ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ». أخرجه مالك، وهو صحيح مُرْسلًا (5).

ونقل ابن رجب عن ابن عبد البَرِّ قال: الوَثَن الصَّنَم، يقول: لا تَجعل قبري صنمًا يُصَلَّى ويُسجَد نحوه ويُعبَد؛ فقد اشتدَّ غضبُ الله على مَن فَعَل ذلك، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُحَذِّرُ أصحابَه، وسائِرَ أُمَّتَه مِن سُوء صنيع الأُمم قَبْلَهم، الذين صَلَّوْا إلى قُبور أنبيائهم، واتخذوها قِبلةً ومسجدًا، كما صَنَعت الوثنية بالأوثان التي كانوا يسجدون إليها ويُعَظِّمُونها، وذلك الشِّرك الأكبرُ، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُخبرهم بما في ذلك مِن سَخَط الله وغضبه، وأنه مما لا يرضاه خشيةً عليهم مِن امتثال طُرُقهم (6).

وعن جُنْدُبٍ -رضي الله عنه- قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ، فَإِنَّ اللهِ -تَعَالَى- قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ»(7).

وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَمَنْ يَتَّخِذُ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ» (8).

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، وَأُمّ حَبِيبَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَتَتَا أَرْضَ الحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «أُولَئِكِ إِذَا مَاتَ مِنْهُمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ أُولَئِكِ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ» (9).

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي» (10).

وعن سُهَيْلٍ قال: رآني الحسنُ بنُ الحسنِ بنِ علي بنِ أبي طالب عند القبر، فناداني وهو في بيت فاطمة يَتَعَشَّى، فقال: هَلُمَّ إلى العَشاء. فقلت: لا أريده. فقال: ما لي رأيتُك عند القبر؟ فقلت: سَلَّمْتُ على النبي -صلى الله عليه وسلم-. فقال: إذا دخلت المسجد فَسَلِّم، ثم قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: « لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا تَتَّخِذُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَصَلُّوا عَلِيَّ حَيْثُمَا كُنْتُمْ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُمَا كُنْتُمْ، لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» (11).

فاتخاذُ القبور مساجدَ كبيرةٌ عظيمةٌ مِن الكبائر، حيث جاء فيها الوعيد الشديد، ورَتَّبَ الشارعُ على فِعلها اللَّعْنَ، ووصَفَ فاعِلَها بأقبحِ الأفعال: «أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وليس هذا إلا لِعِظَمِ شأنها، لذا عَدَّها الهَيْتَمِيُّ كبيرةً مِن الكبائر.

قال -رحمه الله-: الكبيرة الثالثة والتسعون (12) اتخاذُ القُبور مَساجد، ثم ساق طرفًا مِن النصوص السابقة في كتابه الزواجر، كما تَحْرُم الصلاةُ إلى المقابرِ غير ما استُثني في الجنائز، لقيام دليل الشرع عليه، فَعَن أبي مَرْثَدٍ الغَنَوِيِّ -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لَا تُصَلُّوا إِلَى الْقُبُورِ، وَلَا تَجْلِسُوا عَلَيْهَا». أخرجه مسلم (13).

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقُبُورِ، أَوْ يُقْعَدَ عَلَيْهَا، أَوْ يُصَلَّى عَلَيْهَا. رواه أبو يعلى في مسنده (14) وإسناده صحيح، وقال الهيثمي (15): ورجاله ثقات.

وقد حَمَل كثيرٌ مِن أهل العِلْمِ النَّهْيَ في الحديث على التحريم، ومَن نَصَّ على الكراهة، فهي كما قال النووي: كراهةُ تحريم.

وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا» (16).

والحديثُ واضحٌ في أن القُبور لا صلاة فيها، وأن أداء الصلاة في البيوت مما يُخرجها عن مشابهة القبور.

كما جاء الأمرُ بِعَدَمِ رفع القبور وتسويتها، فعن أبي الهَيَّاجِ الأَسَدِيِّ قال: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ «أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ»(17).

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نَهَى أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ (18).

وعن جابر -رضي الله عنه- قال: نَهَى رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ (19).

الجواب على شبهة وجود قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-

هذه الشُّبهة للأسف الشديد إنما يتعلق بها جمعٌ ممن يُنسَب إلى العِلم زُورًا وبُهتانًا، فتَجِدُ بعضَهم يَتَشَدَّقُ بمِلء فِيهِ، في كثيرٍ مِن بلاد المسلمين، وهو يُسأل عن الصلاة في مسجدٍ به قَبر، أو بناءُ مسجدٍ على قبرٍ، أو دَفْن أحدهم في مسجد؟
فيُجيب: قطعًا نَعَم، ألم تَرَ إلى مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبه قبره؟!!

هكذا يأتي أولئك القومُ بهذه الشُّبهة ليُدخلوها على عوامِّ المسلمين، ليُزَيِّنوا بها سُوءَ صنيعِهم، ويُجَوِّزوا بها بناء المساجد على القبور، أو الصلاة إلى القبور تعظيمًا، فأقول في الجواب عن ذلك:

أولًا: تَقَدَّمَت جملةٌ كبيرةٌ جدًّا مِن النصوص المُحْكَمات في النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وفي النهي عن بناء القبور على المساجد، وفي النهي عن رَفْع القبور، وفي النهي عن الصلاة إلى القبور، وهي نُصُوصٌ صريحةٌ محكمةٌ في غايةِ الوضوح والبيان، لا تخفى إلا على مَن أَعْمَى اللهُ قَلْبَه، وأَظْلَمَ بَصِيرَتَه -نسأل الله العافية- تُبَيِّن وتُؤكِّد على أصالة ورَكَانَة تحريم اتخاذ القبور مساجدَ، أو البِناء عليها، أو الصلاة إليها.

ثانيا: القاعدةُ المُطَّرِدَة في النظر والاستدلال: أنه حينما توجَد نصوصٌ محكَمةٌ، ونصوصٌ أخرى متشابهةٌ، فإن الواجبَ رَدُّ هذه المُتَشَابِهات إلى تلك النصوص المُحْكَمات، وهذا هو المنهج القرآني، ومخالفةُ ذلك مرضٌ وزيغٌ، قال –تعالى-: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الألْبَابِ }[آل عمران: 7]

فالقرآنُ يدعو إلى رَدِّ المتشابِه مِن النصوص إلى المحكمات منها، ولذلك قال المفسرون في الآية: { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } أي: ضلالٌ وخُروج عن الحَقِّ إلى الباطل { فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ } أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يُمكنهم أن يُحَرِّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، ويُنزلوه عليها، لاحتمال لَفْظِه لما يَصْرِفُونه.

فأما المُحكم، فلا نَصِيبَ لهم فيه؛ لأنه دامغٌ لهم، وحُجة عليهم.

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: تَلَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا، وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ» (20).

وهذا على تقدير وجود نصوص تُعارِضُ النصوصَ المحكمةَ، فكيف إذا كانت المسألة عاريةً أصلًا عن النصوص ؟! فالله المستعان.

ثالثا: الحُجة في قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو فِعله في حياته، فإذا ماتَ على أمْر، فقد استقرت الشريعة، ولا حُجة في قولِ أو فِعلِ أحدٍ بَعْدَه، وقد مات النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يَقُم ناسخٌ لِمَا تَقَدَّم في هذه المسألة، فهي باقيةٌ مُحْكَمَةٌ بِلا مُعارض، بل هي مِن آخِر مقالاتِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو على فراش الموت.

رابعا: إذن كيف دَخَل قبرُ النبي -صلى الله عليه وسلم- في مسجده؟

الجواب: تَمَّ ذلك في خطوتين:

الأُولى: أخرج ابنُ زَنْجَوَيْه عن عُمَر مولى غَفْرَةَ قال: لما ائْتَمَرُوا في دَفْنِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال قائل: نَدْفِنُه حيثُ كان يُصلي في مقامه، وقال أبو بكر: مَعاذَ اللهِ أن نجعله وثَنًا يُعْبَدُ، وقال الآخرون: نَدْفِنُه في البَقِيع حيث دُفِن إخوانُه مِن المهاجرين، قال أبو بكر: إنا نَكْرَهُ أن يُخْرَجَ قَبْرُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى البَقِيع فَيَعُوذ به مِن الناس مَن لله عليه حَقٌّ، وحَقُّ الله فَوْقَ حَقِّ رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فإنْ أخرجناه ضَيَّعنا حَقَّ الله، وإنْ أَخْفَرْنَاه أَخْفَرْنَا قَبْرَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قالوا: فما ترى أنت يا أبا بكر؟ قال: سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم يقول-: «مَا قَبَضَ اللهُ نَبِيًّا قَطُّ إِلَّا دُفِنَ حَيْثُ قُبِضَ رُوحُهُ».  قالوا: فأنت واللهِ رَضِيٌّ مُقْنِع، ثم خَطُّوا حَوْلَ الفِراش خَطًّا، ثم احْتَمَلَهُ عَلِيٌّ والعباسُ والفَضل، وأهلُه -رضي الله عنهم-، وَوَقَع القومُ في الحَفْرِ يَحْفِرُون حيثُ كان الفِرَاشُ(21).

الثانية: ذَكَرَ أهلُ التأريخ أنه في السَّنَة الثامِنة والثَّمانين كان عُمر بن عبد العزيز أميرًا على المدينة للوليد بن عبد المَلِك بن مروان، فأمر الوليدُ بتوسعة المسجد، وكان لِزَامًا أن تُدْخَلَ حُجُرات أزواجِ النبي -صلى الله عليه وسلم- في المسجد، بما فيها حُجرة عائشة -رضي الله عنها-، والتي فيها قَبْرُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فَأَمَر بِهَدْمِ الحُجُرات كُلِّها إلا حُجْرَةَ عائشةَ -رضي الله عنها-؛ لأنه يستلزم نَبْشَ قَبْرِ الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وهو أمرٌ عظيمٌ، لا يجوزُ لأحدٍ فِعْلُه، فَأَمَرَهُ بإبقائها، فجَمَع عمرُ بنُ العزيز الفُقَهَاء، وكان عامَّةُ الصحابة -رضي الله عنهم- قد ماتوا، وكان آخرهم موتًا جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-، فشَقَّ ذلك على الفقهاء والعلماء، وكان فيهم سعيدُ بنُ المُسَيَّب، لكن الوليد أَمَر عمر بن العزيز -رحمهما الله- بهذا الفِعل، فَفَعَله.

إذن، أَيُّ حُجة في فعلٍ وَقَعَ بَعد موت النبي -صلى الله عليه وسلم- بما يزيد على السبعين عامًا، ولم يَحْضُرْه الصحابة -رضي الله عنهم- حتى تَكْمُلَ الحُجة
على أن العلماء والفقهاء في ذلك الحِين أَمَرُوا باتخاذ سياجٍ مَتِينٍ عالٍ على القَبْرِ النبوي، حتى لا يراه الناس، ولا يَؤُمُّونَه في صلاتهم، فيحصل الافتتانُ به، وهو ما زال مَصُونًا مَحْفُوظًا بما يأمن الافتتان به، ولله الحمد.

فلا حُجَّةَ أصلًا في هذا الفِعل؛ لأنه ليس مِن قولِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا مِن فِعله، وهو كذلك ليس مِن فِعل الصحابة -رضي الله عنهم-.

فالخلاصة: أنه لا يجوز بناء المساجد على القبور في بلاد المسلمين، ولا الدفنُ فيها، ولا الصلاة إليها، ولا تعظيمُها، ولا حُجَّة البَتَّةَ في وجود قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- في مسجده؛ حيث كانت الحُجة في قوله أو فِعله، وقد مات -صلى الله عليه وسلم-، ولم يُنْسَخ ما قاله -عليه الصلاة والسلام-، بل حتى مات -عليه الصلاة والسلام- وهو يُحَذِّرُ مِن هذا الصنيع، ويَصِفُ فاعِلِيه بأقبحِ الأفعال، ثم أُدخلَ القَبْرُ في المسجد بعد موته، واستقرار الشريعة، وثبوت الأحكام.

رد الشيخ الألباني -رحمه الله- على هذه الشبهة

قال -رحمه الله- (22): وأما الشبهة الثانية، وهي أن قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- في مسجده، كما هو مُشَاهَدٌ اليومَ، ولو كان ذلك حرامًا لم يُدْفَنْ فيه.

والجواب: أن هذا، وإن كان هو المشاهدَ اليوم، فإنه لم يكن كذلك في عهد الصحابة -رضي الله عنهم-، فإنهم لما مات النبي -صلى الله عليه وسلم- دفنوه في حُجرته التي كانت بجانب مسجده، وكان يَفْصِل بينهما جدارٌ فيه باب كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخرج منه إلى المسجد، وهذا أمرٌ معروفٌ مقطوعٌ به عند العلماء، ولا خلاف في ذلك بينهم، والصحابة -رضي الله عنهم- حينما دفنوه -صلى الله عليه وسلم- في الحُجرة إنما فَعلوا ذلك كي لا يتمكن أحدٌ بَعدَهم مِن اتخاذِ قبره مسجدًا، كما سبق بيانه في حديث عائشة وغيره، ولكن وقَع بعدَهم ما لم يكن في حُسْبَانِهم، ذلك أنَّ الوليدَ بنَ عبدِ المَلِك أَمَرَ سَنَةَ ثمانٍ وثمانين بِهَدْمِ المسجد النبوي، وإضافة حُجَرِ أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليه، فأَدْخل فيه الحجرة النبوية حُجرة عائشة، فصار القبرُ بذلك في المسجد، ولم يكن في المدينة أحدٌ مِن الصحابة حينذاك خلافًا لم تَوَهَّم بعضُهم.

قال العلَّامة الحافظ محمد بن عبد الهادي في “الصارم المنكي” (ص 136): وإنما أُدخِلت الحُجرة في المسجد في خلافَة الوليدِ بنِ عبدِ المَلِك بعد موت عامَّة الصحابة الذين كانوا بالمدينة، وكان آخرهم موتًا جابر بن عبد الله، وتُوُفِّي في خلافة عبد المَلِك، فإنه تُوُفِّيَ سَنَة ثَمانٍ وسَبعين، والوليد تَوَلَّى سَنَة سِتٍّ وثمانين، وتُوُفِّيَ سَنَة سِتٍّ وتسعين، فكان بناءُ المسجد، وإدخالُ الحُجرة فيه فيما بين ذلك.

وقد ذَكر أبو زَيد عُمر بن شَبَّة النُّمَيْري في كتاب أخبار المدينة، مدينة الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن أشياخِه عَمَّن حَدَّثُوا عنه أن ابنَ عمر بنِ عبد العزيز لما كان نائبًا للوليد على المدينة في سَنَة إحدى وتسعين هَدَم المسجد، وبَنَاه بالحجارة المنقوشة بالساجِ، وماء الذهب، وهَدَمَ حُجُرات أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- وأدخل القبر فيه.

وأما قولُ بعضِ مَن كَتَب في هذه المسألة بغير عِلم: فمسجدُ النبي -صلى الله عليه وسلم- مُنذ وَسَّعَه عثمان -رضي الله عنه- وأَدخل في المسجد ما لم يكن منه، فصارت القبور الثلاثة محاطة بالمسجد، لم يُنكر أحدٌ مِن السلف ذلك.

فَمِن جهالاتهم التي لا حُدود لها، ولا أريد أن أقول: إنها مِن افتراءاتهم، فإن أحدًا مِن العلماء لم يَقُل: إن إدخال القبور الثلاثة كان في عهد عثمان -رضي الله عنه-، بل اتفقوا على أن ذلك كان في عهد الوليدِ بنِ عبد المَلِك، كما سَبق، أي بَعد عثمان بنَحْوِ نِصف قَرْنٍ، ولكنهم يَهْرِفُون بما لا يعرفون، ذلك لأن عثمان -رضي الله عنه- فَعَل خِلاف ما نَسبوا إليه، فإنه لما وَسَّع المسجد النبوي الشريف احترز مِن الوقوع في مخالفة الأحاديث المُشار إليها، فلم يُوَسِّع المسجد مِن جِهة الحُجرات، ولم يُدخلها فيه، وهذا عَيْن ما صَنَعه سَلَفُه عمر بن الخطاب -رضي الله عنهم جميعا- بل أشار هذا إلى أن التوسيع مِن الجهة المشار إليها فيه المحذور المذكور في الأحاديث المتقدمة، كما سيأتي ذلك عنه قريبًا، وأما قولهم: ولم ينكر أحدٌ مِن السلف ذلك.

فنقول: وما أدراكم بذلك؟ فإن مِن أصعب الأشياء على العقلاء إثبات نفي شيء يمكن أن يقع، ولم يُعلم، كما هو معروفٌ عند العلماء، لأن ذلك يستلزم الاستقراء التام، والإحاطة بكل ما جرى، وما قِيل حَوْلَ الحادثة التي يتعلق بها الأمر المرادُ نَفْيُه عنها، وأَنَّى لِمِثْل هذا البعضِ المشار إليه أن يفعلوا ذلك لو استطاعوا، ولو أنهم راجَعُوا بعض الكتب لهذه المسألة، لَمَا وقعوا في تلك الجهالة الفاضحة، ولَوَجَدُوا ما يحملهم على أن لا يُنكروا ما لم يُحيطوا بِعِلْمه، فقد قال الحافظ ابن كثير في تاريخه (75 ج 9) بَعْدَ أنْ ساقَ قِصَّة إدخال القَبْرِ النبوي في المسجد: ويُحْكَى أن سعيد بنَ المُسَيَّب أَنْكَر إدخالَ حُجرة عائشة في المسجد، كأنه خَشِيَ أن يُتَّخَذ القبرُ مسجدًا.

وأنا لا يَهُمُّني كثيرًا صحةُ هذه الرواية، أو عَدَمُ صحتها، لأننا لا نبني عليها حُكمًا شرعيًّا، لكن الظن بِسَعِيد بنِ المُسَيَّب، وغيره مِن العلماء الذين أدركوا ذلك التغيير أنهم أنكروا ذلك أشد الإنكار، لمُنَافَاتِه تلكَ الأحاديث المتقدمة مُنافاةً بَيِّنَةً، وخاصَّة منها رواية عائشة التي تقول: فَلَوْلَا ذَاكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا.

فما خشي الصحابةُ -رضي الله عنهم- قد وَقَع -مع الأسف الشديد- بإدخال القَبر في المسجد، إذ لا فارِقَ بين أن يكونوا دَفَنُوه -صلى الله عليه وسلم- حين مات في المسجد، وحاشاهم عن ذلك، وبَيْنَ ما فَعَلَه الذين بَعْدَهم مِن إدخال قَبْرِه في المسجد بتَوْسِيعِه، فالمحذورُ حاصلٌ على كل حالٍ، كما تقدم عن الحافظ العراقي، وشيخ الإسلام ابن تيمية.

ويؤيد هذا الظنَّ أن سعيد بن المُسَيَّب أحدُ رُواة الحديث الثاني، كما سبق، فَهَل اللائقُ بِمَنْ يُعْتَرَفُ بِعِلْمِه وفَضْلِه، وجرأته في الحق أن يُظَنَّ به أنه أَنْكَر على مَن خَالَفَ الحديثَ الذي هو أحدُ رُواته، أم أن يُنسَب إليه عَدَمُ إنكاره ذلك، كما زعم هؤلاء المشار إليهم حين قالوا: لم يُنْكِر أحدٌ مِن السَّلَف ذلك.

والحقيقةُ أن قولَهم هذا يتضمن طعنًا ظاهرًا -لو كانوا يعلمون- في جميع السلف، لأن إدخال القبر إلى المسجد مُنْكَرٌ ظاهرٌ عند كل مَن عَلِم بتلك الأحاديث المتقدمة وبمعانيها.

ومِن المُحَال أن نَنْسِب إلى جميع السَّلَف جَهْلَهم بذلك، فَهُم -أو على الأقَلِّ بعضُهم- يعلم ذلك يقينًا، وإذا كان الأمر كذلك، فلا بُدَّ مِن القول بأنهم أنكروا ذلك، ولو لم نَقِفْ فيه على نَصٍّ، لأن التاريخَ لم يَحْفَظ لنا كل ما وَقَع، فكيف يقال: إنهم لم يُنْكِروا ذلك؟ اللَّهُم غَفْرًا.


(1) نقلته بتصرف يسير.

(2) أخرجه البخاري (1/168، رقم 425)، ومسلم (1/377، رقم 531).

(3) أخرجه البخاري (1/168، رقم 425) ، ومسلم (1/377، رقم 531).

(4) فتح الباري (1/532).

(5) أخرجه مالك (1/172، رقم 414).

(6) فتح الباري لابن رجب (3/246).

(7) أخرجه مسلم  (1/377، رقم 532).

(8) أخرجه أحمد (1/405، رقم 3844)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5916).

(9) أخرجه البخاري (1/450، رقم  1276)، ومسلم (1/375، رقم 528).

(10) أخرجه أحمد (2/367، رقم 8790)، وأبو داود (2/218، رقم 2042)، وصحح إسناده الألباني في صحيح أبي داود (1780).

(11) أخرجه بنحوه ابن أبي شيبة في المصنف (2/150، رقم 7542).

(12) الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/244).

(13) أخرجه مسلم (2/668، رقم 972).

(14) أخرجه أبو يعلى (2/297، رقم 1020).

(15) مجمع الزوائد (3/61، رقم 4319).

(16) أخرجه مسلم (1/539، رقم 777).

(17) أخرجه مسلم (2/666، رقم 969).

(18) أخرجه النسائي (4/86، رقم 2027)، وابن ماجه (1/498، رقم 1564)، وصححه الألباني في الإرواء (757).

(19) أخرجه مسلم (2/667، رقم 970).

(20) أخرجه مسلم (4/2053، رقم 2665).

(21) انظر سلوة الكئيب بوفاة الحبيب، لابن ناصر الدين (صـ 150).

(22) تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد (صـ 54)، وهو مِن أَجَلِّ الكُتب في هذه البابة، فراجعه لِزامًا، ففيه الرد على كل الشُّبه المثارة في هذا الموضوع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *