الرئيسية » المواقع الأثرية » الحرمان الشريفان » فضائل المسجد النبوي الشريف

فضائل المسجد النبوي الشريف

تُعَدّ زيارة المسجد النبوي الشريف بالمدنية المنوَّرة مِن أشرف معالم العمر، وأعزّ وقائع الدهر؛ لأنها تُزعج القلب الساكن، فترحل به إلى أشرف البقاع وأطهر الأماكن، وتُحلق به في آفاق السُّمُوِّ الرُّوحي الذي يضع عن نفس المؤمن آثار التراب، وأثقال الرَّغام، وأغلال الحُطام، فتسمو به بعيدًا وراء حدود الزمان لتسترجع ذكريات جليلة عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-.

والمسجدُ النبوي الشريف أهمُّ معالم المدينة المنوَّرة، وثاني مسجدٍ تُشدّ إليه الرحال، فقد اختار موقعَه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إِثْرَ وُصوله إلى المدينة مهاجرًا، وشارك في بنائه بيديه الشريفتين مع أصحابه -رضوان الله عليهم-، وصار مَقَرَّ قيادته، وقيادة الخلفاء الراشدين من بعده، ومنذ ذلك التاريخ وهو يؤدي رسالته موقعًا متميزًا للعبادة، ومدرسةً للعِلم والمعرفة، ومُنْطَلقًا للدعوة، وظل يتسع ويزداد، ويتبارى الملوك والأمراء والحكام في توسعته وزيادته حتى الآن.

فعندما وَصَل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة بَرَكَت ناقتُه في موضعٍ كان لغُلامين يَتِيمَيْن مِن الأنصار مِن بني مالِك بن النَّجَّار، هما سَهْلٌ وسُهَيْلٌ ابنا رافعِ بنِ أبي عمرِو بنِ عائذِ بنِ ثَعْلَبَةَ بِن غَنْمٍ, وكانا تحتَ كفالَة مُعاذ بنِ عَفْرَاءَ، أو أبي أُمَامَة أَسْعَد بن زُرَارة أو كليهما, وكان أسعدُ بن زُرَارَة قد اتخذه مُصَلًّى قَبْلَ هجرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة, فكان يُصلي بأصحابه فيه، فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يَبْنِيَ ذلك الموضعَ مسجدًا, ودعا الغلامين فساوَمَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه, فقالا: بل نَهَبُهُ لك يا رسول الله, فأبى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى ابتاعه منهما بِعَشَرة دنانير، وكان فيه شَجَرُ غَرْقَدٍ ونَخل وقبورٍ قديمة لبعض المشركين, فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالقبور فنُبشت, وبالنخيل والشجر فقُطعت, وصُفَّت في قِبلة المسجد, وجَعَل طُولَه مما يلي القِبلة إلى مُؤخره 70 ذراعًا, وفي الجانبين مِثل ذلك، أو دُونه, ثم بَنَوْهُ باللَّبِن.

وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُباشر البناء مع أصحابه، ويَنقل معهم الحجارة بنفسه, وجعل قِبلته إلى بيت المقدس, وجَعَل عُمُدَه الجُذُوع, وسَقَّفَه بالجريد.

وقيل له: ألا نُسَقِّفُه؟ فقال: «عَرِيشٌ كَعَرِيشِ مُوسَى، خُشَيْبَاتٌ وَثُمَامٌ (1) الشَّأْنُ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ» (2).

أما أرضُه فقد فُرِشَت بعد ذلك بالرِّمَال والحصباء.

وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما (3) عن أنس بن مالك, أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم, قال: ثم إنه أمر ببناء المسجد, فأرسل إلى ملأ من بني النجار فجاءوا, فقال: «يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا». فقالوا: لا والله لا نطلب ثَمَنَه إلا إلى الله. فقال أنس: فكان فيه ما أقول لكم: كانت فيه قبور المشركين, وكانت فيه خرب, وكان فيه نخل. فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقبور المشركين فنُبشت، ثم بالخِرَبِ فسُوِّيَت، وبالنخل فقُطع, قال: فصَفُّوا النخل قِبلة المسجد قال: وجعلوا عضادتيه حجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- معهم وهو يقول: «اللهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَهْ، فَانْصُرِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ».

ثم وَسَّعَه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بعد عودته مِن خيبر، وكثُر المسلمون، فصار مائة ذراع طُولًا، ومِثل ذلك عَرْضًا.

وقد ظل مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على هذا الشكل دون أي زيادة أو تغيير على عهد أبي بكر -رضي الله عنه-.

ومنذ خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وحتى التوسعة الفَهْدِية الكبرى ظَلَّ مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ظل على شكله دون زيادة أو تغييرٍ فيه على عهد أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- (4).

وَقد ورَدَت في فضائلِ المسجد الشريف أحاديثُ نبويةٌ كثيرةٌ تُبَيِّنُ أهميتَه ومَكانَتَه العظيمة بين مساجد الإسلام، ووردت هذه الأحاديث في مُعظم كتب الحديث والتاريخ في باب الحديث عن المدينة المنوَّرة، وعن المسجد النبوي بشكلٍ خاصٍّ، ومِن هذه الأحاديث:

1- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى»(5).

وفي رواية: «إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ إِيلِيَاءَ» (6).

قال النووي (7): وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ هذه المساجد الثلاثة، وفضيلة شد الرحال اليها، لِأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ: لَا فَضِيلَةَ فِي شَدِّ الرِّحَالِ إِلَى مَسْجِدِ غَيْرِهَا. أ.هـ.

2- وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إِنَّ خَيْرَ مَا رُكِبَتْ إِلَيْهِ الرَّوَاحِلُ مَسْجِدِي هَذَا، وَالْبَيْتُ الْعَتِيقُ»(8).

3- وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْمَسْجِدَيْنِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَالَ: فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ، فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ قَالَ: «هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا». لِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ (9).

قال الحافظ ابن حجر (10): قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا السُّؤَالُ صَدَرَ مِمَّنْ ظَهَرَتْ لَهُ الْمُسَاوَاةُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ فِي اشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بَنَاهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَلِذَلِكَ سُئِلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْهُ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَسْجِدُهُ، وَكَأَنَّ الْمَزِيَّةَ الَّتِي اقْتَضَتْ تَعْيِينَهُ دُونَ مَسْجِدِ قُبَاءَ لِكَوْنِ مَسْجِدِ قُبَاءَ لَمْ يَكُنْ بِنَاؤُهُ بِأَمْرِ جَزْمٍ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ، أَوْ كَانَ رَأْيًا رَآهُ، بِخِلَافِ مَسْجِدِهِ، أَوْ كَانَ حَصَلَ لَهُ، أَوْ لِأَصْحَابِهِ فِيهِ مِنَ الْأَحْوَالِ الْقَلْبِيَّةِ مَا لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِ. انْتَهَى.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْمَزِيَّةُ لِمَا اتُّفِقَ مِنْ طُولِ إِقَامَتِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، بِخِلَافِ مَسْجِدِ قُبَاءَ، فَمَا أَقَامَ بِهِ إِلَّا أَيَّامًا قَلَائِلَ، وَكَفَى بِهَذَا مَزِيَّةً مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى مَا تَكَلَّفَهُ الْقُرْطُبِيُّ.

وَالْحَقُّ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَقَوْلُهُ –تَعَالَى- فِي بَقِيَّةِ الْآيَةِ {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا}[التوبة: 108] يُؤَيِّدُ كَوْنَ الْمُرَادِ مَسْجِدَ قُبَاءَ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «نَزَلَتْ {فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا} فِي أَهْلِ قُبَاءَ». وَعَلَى هَذَا فَالسِّرُّ فِي جَوَابِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِأَنَّ الْمَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مَسْجِدُهُ رَفْعُ تَوَهُّمِ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِمَسْجِدِ قُبَاءَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَالَ الدَّاوُدِيُّ وَغَيْرُهُ: لَيْسَ هَذَا اخْتِلَافًا، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى.

وَكَذَا قَالَ السُّهَيْلِيُّ، وَزَادَ غَيْرُهُ: أَنَّ قَوْلَهُ –تَعَالَى- {مِنْ أول يَوْم} يَقْتَضِي أَنَّهُ مَسْجِدُ قُبَاءَ، لِأَنَّ تَأْسِيسَهُ كَانَ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ حَلَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِدَارِ الْهِجْرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أ.هـ.

4- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ»(11).

قال النووي –رحمه الله- (12): اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ أَيَّتُهُمَا أَفْضَلُ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَأَنَّ مَسْجِدَ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنْ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَعَكَسَهُ مَالِكٌ وَطَائِفَةٌ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ مَعْنَاهُ: إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِي.

وَعِنْدَ مَالِكٍ وَمُوَافِقِيهِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِي تَفْضُلُهُ بِدُونِ الْأَلْفِ.

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ قَبْرِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَفْضَلُ بِقَاعِ الْأَرْضِ، وَأَنَّ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ أَفْضَلُ بِقَاعِ الْأَرْضِ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَفْضَلِهِمَا مَا عَدَا مَوْضِعِ قَبْرِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ عُمَرُ وَبَعْضُ الصَّحَابَةِ وَمَالِكٌ وَأَكْثَرُ الْمَدَنِيِّينَ: الْمَدِينَةُ أَفْضَلُ، وَقَالَ أَهْلُ مكة والكوفة والشافعي وابن وهب وابن حَبِيبٍ الْمَالِكِيَّانِ: مَكَّةُ أَفْضَلُ.

قُلْتُ: وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ أَصْحَابُنَا لِتَفْضِيلِ مَكَّةَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِمَكَّةَ يَقُولُ: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامِ وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي». حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ هَذَا التَّفْضِيلُ بِالصَّلَاةِ فِي هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ بِالْفَرِيضَةِ، بَلْ يَعُمُّ الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ جَمِيعًا، وَبِهِ قَالَ مُطَرِّفٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ يَخْتَصُّ بِالْفَرْضِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ إِطْلَاقَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاعْلَمْ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ تَزِيدُ عَلَى فَضِيلَةِ الْأَلْفِ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، لِأَنَّهَا تُعَادِلُ الْأَلْفَ، بَلْ هِيَ زَائِدَةٌ عَلَى الْأَلْفِ، كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ، أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَخَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ وَنَحْوُهُ.

قَالَ الْعُلَمَاءُ وَهَذَا فِيمَا يَرْجِعُ إلى الثواب، فَثَوَابُ صَلَاةٍ فِيهِ يَزِيدُ عَلَى ثَوَابِ أَلْفٍ فِيمَا سِوَاهُ، وَلَا يَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى الْإِجْزَاءِ عَنِ الْفَوَائِتِ، حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَلَاتَانِ فَصَلَّى فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ صَلَاةً لَمْ تُجْزِئْهُ عَنْهُمَا، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ مُخْتَصَّةٌ بِنَفْسِ مَسْجِدِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الَّذِي كَانَ فِي زَمَانِهِ دُونَ مَا زِيدَ فِيهِ بَعْدَهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْرِصَ الْمُصَلِّي عَلَى ذَلِكَ، وَيَتَفَطَّنَ لِمَا ذَكَرْتُهُ، وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى هَذَا فِي كِتَابِ الْمَنَاسِكِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أ.هـ.


(1) الثُّمَام: نبْت ضَعِيفٌ قَصِيرٌ لَا يَطُول. النهاية: ثمم.

(2) أخرجه عبد الرزاق (3/154، رقم 5135).

(3) أخرجه البخاري (1/165، رقم 418)، ومسلم (1/374، رقم 524).

(4) مقال في موقع الدكتور أحمد كلحى، ببعض

(5) أخرجه البخاري (1/398، رقم 1132) ، ومسلم (2/1014، رقم 1397).

(6) أخرجه البيهقي (5/244، رقم 10044).

(7) شرح مسلم للنووي (9/168).

(8) أخرجه أحمد (3/350، رقم 14824)، والنسائي في الكبرى (6/411، رقم 11347).

(9) أخرجه مسلم (2/1015، رقم 1398).

(10) فتح الباري (7/245).

(11) أخرجه البخاري (1/398، رقم 1133)، ومسلم (2/1012، رقم 1394).

(12) شرح مسلم للنووي (9/163).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.