مسجد الخَيف

يُعد مسجد الخَيف مِن أبرز المساجد التاريخية في المملكة، وسُمي الخَيف -بفتح الخاء، وسكون الياء- نِسبةً إلى ما انحدَر عِن غِلَظِ الجَبَل، وارتفع عن مَسِيل الماء، ولهذا سُمّي مسجد الخَيف.

ويَقع في سَفْح جَبل مِنًى الجنوبي قريبًا مِن الجَمرة الصغرى، وتُوجد فيه بصفة دائمة أعدادٌ كبيرة مِن الحُجاج.

فضله

وجاء في فضل هذا المسجد حديث أخرجه الإمام البيهقي وغيره عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «قَدْ صَلَّى فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ سَبْعُونَ نَبِيًّا فِيهِمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ , وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ عَلَيْهِ عَبَاءَتَانِ قَطَوَانِيَّتَانِ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى بَعِيرٍ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ مَخْطُومٍ» (1).

ومسجدُ الخيف هو مصلّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مِنًى، وحُدِّد مكانُ صلاته -عليه الصلاة والسلام- في مسجد الخَيف لدى الأحجار التي بين يدي المنارة، وهي موضع مُصَلَّى النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وقد كان هذا معروفًا في القُبة التي في وسط المسجد، التي هُدمت لدى تجديده.

وحكى الأزرقي -رحمه الله تعالى- (2) عن خَالِد بْنِ مُضَرِّسٍ أَنَّهُ رَأَى أَشْيَاخًا مِنَ الْأَنْصَارِ يَتَحَرَّوْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَمَامَ الْمَنَارَةِ قَرِيبًا مِنْهَا.

قَالَ جَدِّي: الْأَحْجَارُ الَّتِي بَيْنَ يَدَيِ الْمَنَارَةِ -وَهِيَ مَوْضِعُ مُصَلَّى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمْ نَزَلْ نَرَى النَّاسَ وَأَهْلَ الْعِلْمِ يُصَلُّونَ هُنَالِكَ، وَيُقَالُ لَهُ مَسْجِدُ الْعَيْشُومَةِ، وَفِيهِ عَيْشُومَةٌ أَبَدًا خَضْرَاءُ فِي الْجَدْبِ وَالْخِصْبِ بَيْنَ حَجَرَيْنِ مِنَ الْقِبْلَةِ، وَتِلْكَ الْعَيْشُومَةُ قَدِيمَةٌ لَمْ تَزَلْ ثَمَّ.

شبهة والرد عليها

يحتج القبوريون بحديث: «فِي مَسْجِدِ الخَيْفِ قَبْرُ سَبْعِينَ نَبِيًّا» (3). ويستدلون به على جواز بناء المساجد على قبور الصالحين، والحق أن هذا الحديث ضعيف، لا تقوم به حجة.

قال الألباني -رحمه الله- (4):  وأما الشبهة الثالثة، وهي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى في مسجد الخيف، وقد ورد في الحديث: أن فيه قَبْرَ سبعين نبيا

فالجواب: أننا لا نشك في صلاته -صلى الله عليه وسلم- في هذا المسجد، ولكننا نقول: إن ما ذُكر في الشُبهة مِن أنه دُفن فيه سبعون نبيًّا لا حُجة فيه من وجهين:

الأول: أننا لا نُسَلِّم بصحة الحديث المشار إليه، لأنه لم يروه أحدٌ ممن عُني بتدوين الحديث الصحيح، ولا صحَّحه أحدٌ ممن يُوثَق بتصحيحه من الأئمة المتقدمين، ولا النقدُ الحديثيُّ يساعد على تصحيحه، فإن في إسناده مَن يروي الغرائب، وذلك مما يجعل القلبَ لا يطمئن لصحة ما تفرد به،  قال الطبراني في معجمه الكبير (3 / 204 / 2) : حدثنا عبدان بن أحمد حدثنا عيسى بن شاذان حدثنا أبو همام الدلال حدثنا إبراهيم بن طهمان عن منصور عن مجاهد عن ابن عمر مرفوعا بلفظ: «في مَسْجِدِ الخَيْفِ قَبْرُ سَبْعِينَ نَبِيًّا».

وأورده الهيثمي في المجمع (3 / 298) بلفظ: «قُبِرَ سَبْعُونَ نَبِيًّا»، وقال: رواه البزار ورجاله ثقات.

وهذا قُصور منه في التخريج، فقد أخرجه الطبراني أيضا كما رأيت.

قلت: ورجال الطبراني ثقاتٌ أيضًا غير عبدان بن أحمد، وهو الأهوازي، كما ذكر الطبراني في المعجم الصغير (ص 136)، ولم أجد له ترجمة وهو غير عبدان بن محمد المروزي، وهو من شيوخ الطبراني أيضًا في الصغير (ص 136) وغيره، وهو ثِقةٌ حافظٌ له ترجمة في تاريخ بغداد (11 / 135)، وتذكرة الحفاظ (2 / 230) وغيرها.

لكن في رجال هذا الإسناد مَن يروي الغرائب، مثل عيسى بن شاذان، قال فيه ابن حبان في الثقات: يُغْرِب.

وإبراهيم بن طَهْمان قال فيه ابن عمار الموصلي: ضعيف الحديث مضطرب الحديث.

وهذا على إطلاقه، وإن كان مردودًا على ابن عمار، فهو يدل على أن في حديث ابن طَهمانٍ شيئًا، ويؤيده قول ابن حبان في ثقاتِ أتباع التابعين (2 / 1) : أمره مُشتبِه، له مَدخل في الثقات، ومَدخل في الضعفاء، وقد روى أحاديث مستقيمة تُشبه أحاديث الأثبات، وقد تَفَرَّد عن الثقات بأشياءَ مُعْضِلات، سنذكره إن شاء الله في كتاب الفصل بين النَّقَلة إن قضى الله –سبحانه- ذلك، وكذلك كل شيء توقفنا في أمره ممن له مدخل في الثقات.

ولذلك قال فيه الحافظ ابن حجر في التقريب: ثقةٌ يُغرب.

وشيخه منصور، وهو ابن المعتمر ثقةٌ، وقد روى له ابن طَهمان حديثًا آخَرَ في مشيخته (244 / 2)، فالحديث مِن غرائبه، أو مِن غرائب ابن شاذان.

وأنا أخشى أن يكون الحديثُ تحرَّف على أحدهما فقال: “قبر” بدل “صلى”، لأن هذا اللفظ الثاني هو المشهور في الحديث، فقد أخرج الطبراني في الكبير (3 / 1551) بإسنادٍ رجالُه ثقاتٌ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا: «صَلَّى فِي مَسْجِدِ الخَيْفِ سَبْعُونَ نَبِيًّا…» الحديث.

وكذلك رواه الطبراني في الأوسط (1 / 119 / 2زوائده)، وعنه المقدسي في المختارة (249 / 2) والمخلص في الثالث من السادس مِن المخلصيات (70 / 1) وأبو محمد بن شيبان العَدل في الفوائد (2 / 222 / 2) وقال المنذري (2 / 116) : رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن.

ولا شك في حُسن الحديث عندي، فقد وَجدت له طريقًا أخرى عن ابن عباس، رواه الأزرقي في أخبار مكة (ص 35) عنه موقوفًا عليه، وإسناده يصلح للاستشهاد به، كما بينته في كتابي الكبير “حجة الوداع”، ولم يُنجَز بعد.

ثم رواه الأزرقي (ص 38) مِن طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني مَن لا أَتَّهِم عن عبد الله بن عباس به موقوفًا.

فهذا هو المعروف في هذا الحديث، والله أعلم.

وجُملة القول أن الحديثَ ضعيفٌ، لا يطمئن القلبُ لصحته، فإن صح فالجواب عنه من الوجه الآتي وهو: أن الحديث ليس فيه أن القبور ظاهرة في مسجد الخَيف.

وقد عقد الأزرقي في تاريخ مكة (406 – 410) عدة فُصول في وصف مسجد الخيف، فلم يذكر أن فيه قبورًا بارزة.

ومِن المعلوم أن الشريعة إنما تُبنى أحكامها على الظاهر، فإذًا ليس في المسجد المذكور قبور ظاهرة، فلا محظورَ في الصلاة فيه البتة، لأن القبور مُندرسة، ولا يعرفها أحد، بل لولا هذا الخبر الذي عرفتَ ضعفه، لم يخطر في بال أحدٍ أن في أرضه سبعين قبرًا، ولذلك لا يقع فيه تلك المَفسدة التي تقع عادة في المساجد المبنية على القبور الظاهرة والمشرفة. أ.هـ.

ويُمثل مسجدُ الخَيف -كأحد المساجد التاريخية في الإسلام- عَلامةً بارزة في مَشْعَر مِنًى.

وتمت توسعتُه، وإعادة عمارته في سَنة (1407هـ) بتكلفة 90 مليون ريال، وفيه أربع مَنَائِر، وهو مكيف بـ(410) وحدات تكييف، كما تساعد على تلطيف الهواء في المسجد 1100 مروحة، ويليه مجمع دورات المياه، ويوجد فيه أكثرُ مِن أَلْف دورةِ مياه، وثلاثة آلاف صُنبور للوُضوء.

وتأتي هذه الخدمات لهذا المسجد لتوافد كثير من الناس للصلاة فيه.

وكان هذا المسجد موضعَ اهتمام، وعِناية خُلفاء المسلمين على مَرِّ التاريخ، ويتسع لأعدادٍ كبيرة من المصلين، ويجد الرعاية والاهتمام كبقية بيوت الله –تعالى- في المملكة(5).


(1) أخرجه البيهقي (2/588، رقم 4189), والحاكم في المستدرك (2/653، رقم 4169)، والفاكهي في أخبار مكة، واللفظ له، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1127).

(2) أخبار مكة (2/174).

(3) أخرجه الطبراني (2/414، رقم 13525) والفاكهي في أخبار مكة (2594) موقوفًا على ابن عمر، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (4020).

(4) تحذير الساجد (صـ 68).

(5) مقال من صحيفة المدينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.