مسجد قُباء

لما هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن مكة إلى المدينة، ونزل بِقُباء، حيث كان يسكن بنو عمرو بن عوف من الأنصار، كان أول عمل قام به هو بناء مسجد قُباء، وهو المسجد الذي ذُكِر في قوله -سبحانه-: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108].

ومسجد قباء هو أولُ مسجد في الإسلام، بناه الرسول عندما وصل المدينة مهاجرًا.

ويقع هذا المسجد في منطقة قُباء جنوب غربي المدينة.

وقد أُجْرِيَت به عدة توسعات على يد عبد المَلِك بن مروان، ثم عمر بن عبد العزيز، كما جَدَّد عِمارته جمالُ الدِّين الأصفهاني وَزير ابن زنكي، ثم الناصر ابن قلاوون، والأَشْرَف برسباي.

سَقَطَت مَنارتُه عام (877هـ)، وجُدِّدت في (881هـ)، وتم تعميره عدة مرات في عهد الدولة العثمانية.

وفي العصر الحاضر أُجريت به عِدَّةُ توسعات في عهد الدولة السعودية.

فضل مسجد قباء

ورد في فضل مسجد قباء، والصلاة فيه عدة أحاديث، منها:

1- عَنِ عبد الله بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ» (1).

قال النووي –رحمه الله- (2): وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بَيَانُ فَضْلِهِ، وَفَضْلِ مَسْجِدِهِ، وَالصَّلَاةِ فِيهِ، وَفَضِيلَةِ زِيَارَتِهِ، وَأَنَّهُ تَجُوزُ زِيَارَتُهُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، وَهَكَذَا جَمِيعُ الْمَوَاضِعِ الْفَاضِلَةِ تَجُوزُ زِيَارَتُهَا رَاكِبًا وَمَاشِيًا.

2- وعَنِ عبدِ الله بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ، مَاشِيًا وَرَاكِبًا». وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- يَفْعَلُهُ (3).

قال الحافظ الزين العراقي: فيه نَدْبُ زيارةِ مسجدِ قُباء، والصلاة فيه، ويُسَنُّ كونُه يومَ السبتِ لحديث ابن عمر المتفق عليه بذلك، ومِن حِكمته أنه كان يوم السبت يتفرغ لنَفْسِه، ويشتغل بَقِيَّةَ الجمعة مِن أول الأحدِ بمصالح الأُمة، ولا يُنافي هذا خَبَرَ «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ»، لأن بَيْنَ قباءَ والمدينة ثلاثةَ أميالٍ، ومَا قَرُب مِن المِصْر ليس في الذَّهاب إليه شَدُّ رَحْلٍ (4).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- (5): مَسْجِدَ قُبَاءَ تُسْتَحَبُّ زِيَارَتُهُ لِمَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشَدِّ رَحْلٍ.

وَقَالَ الْبَاجِيُّ: لَيْسَ إِتْيَانُ قُبَاءَ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ إِعْمَالِ الْمَطِيِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ الْأَسْفَارِ الْبَعِيدَةِ، وَلَا يُقَالُ لِمَنْ خَرَجَ مِنْ دَارِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ رَاكِبًا أَنَّهُ أَعْمَلَ الْمَطِيَّ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ رُكُوبِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ قَرِيبٍ مِنْهُ فِي جُمُعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَلَوْ أَتَى أَحَدٌ إِلَى قُبَاءٍ مِنْ بَلَدٍ بَعِيدٍ لَارْتَكَبَ النَّهْيَ.

قَالَ الْحَافِظُ: وَفِي الْحَدِيثِ فَضْلُ قُبَاءَ وَمَسْجِدِهَا، وَفَضْلُ الصَّلَاةِ فِيهِ، لَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي ذَلِكَ تَضْعِيفٌ، بِخِلَافِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ (6).

3- وعن سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ –رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ خَرَجَ حَتَّى يَأْتِيَ هَذَا الْمَسْجِدَ -مَسْجِدَ قُبَاءَ- فَصَلَّى فِيهِ كَانَ لَهُ عَدْلَ عُمْرَةٍ» (7).

قال السندي (8): وَالْمعْنَى كَانَ فعله الْمَذْكُور مثل عمْرَة لَهُ.

وقال في حاشيته على ابن ماجه (9): أَيْ فِي الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ.

4- وعن سعد بن أبي وقَّاص -رضي الله عنه- قال: «لَأَنْ أُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ» (10).

وهذا نَصٌّ منه –رضي الله عنه- في فضل هذا المسجد، والصلاة فيه.


(1) أخرجه البخاري (1/399، رقم  1135)، ومسلم (2/1016، رقم 1399).

(2) شرح مسلم للنووي (9/170).

(3) أخرجه البخاري (1/399، رقم 1135).

(4) فيض القدير (4/244).

(5) الفتاوى الكبرى (5/289).

(6) شرح الزرقاني على الموطأ (1/578).

(7) أخرجه أحمد (3/487، رقم 16024) ، والنسائي (2/37، رقم 699).

(8) حاشية السندي على النسائي (2/37).

(9) حاشية السندي على ابن ماجه (1/431).

(10) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (2/149، رقم 7533)، والحاكم في المستدرك (3/13، رقم 4280)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.