منائر المسجد النبوي

لم يكن للمسجد النبوي في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا عَهْد خلفائه الراشدين منائر (مآذن) يرقى المؤذن عليها فيؤذن منها.

وأولُ مَن أَحْدَث المنائر في المسجد النبوي عمرُ بنُ عبد العزيز في ولايته على المدينة المنورة مِن قِبَل الوليد بنِ عبد المَلِك الأُموي أثناءَ عمارته وتَوسِعَتِه للمسجد النبوي (88 – 91هـ).

فقَدْ بَنَى للمسجد أربع مَنَائِر في كُلِّ رُكنٍ مِن أركانه مَنارة, ثم فَشَا بِناءُ المنائر في المساجد. روى ذلك المؤرخون والسيد البرزنجي في نزهة الناظرين.

وقد كان في عمارة المسجد النبوي في عمارة السلطان عبد المجيد العثماني قَبل العمارة والتوسعة السعودية خَمْسُ مآذن هي:

1- المنارة الشامية الغربية: وتُسمى الشكيلية والخشبية والمجيدية, وموقعها في الركن الشمالي الغربي للمسجد, وقد جُدِّدَت في عهد السلطان عبد المجيد العثماني, ثم أزيلت في العمارة السعودية مع ما أُزِيل، وبُنِيَ بَدَلَها على أَجْمَلِ، وأَحْدَثِ طِرَاز.

2- المنارة الشامية الشرقية: وتُسمى السِّنجارية, والعزيزية، لعمارة السلطان عبد العزيز العثماني لها زَمَنَ سَلْطَنَتِه, وموقعُها في الركن الشرقي, وقد أُزيلت في العمارة السعودية مع ما أُزيل، وبُني بَدَلَها على طِرَازٍ حديثٍ، وشَكْلٍ رائعٍ مع القوة والمتانة.

3- المنارة الجنوبية الشرقية: وتُسمى بالمنارة الرئيسية، وتَحمل هذا الاسم إلى الآن, وهي المَنارة المجاورة للقُبة الخضراء، والتي تَظهر دائمًا في الصورة معها, وموقعُها في الركن الجنوبي الشرقي للمسجد.

عمَّرها الأشرفُ قايِتباي ثلاث مراتٍ سَنة (886هـ)، وسَنة (888هـ)، وسنة (892هـ)، ونزل في أساسها للماء، واتخذ لها أحجارًا سوداءَ مُتْقَنة، وزاد في طُولها إلى 120 ذراعًا، نَحو 60 مترًا, وهي الآن على عمارة قايتباي.

وصورة القُبة الخضراء والمنارة الرئيسية يتخذها أهل المدينة هذه الأيام كَشِعَارٍ للمدينة المنورة.

وأولُ مَن اتخذها هو جَرِيدَةُ المدينة المنورة عند صدورها سَنة (1356هـ).

وكان المؤذنون في الماضي يُسَمَّوْن الرؤساء، نَظَرًا لأن المؤذن لا يُعتبر قَيْدُه رَسميًّا ضِمن المؤذنين إلا إذا أَذَّن في هذه المَنَارة، ولو مَرَّةً واحدة، فيُسمى بعد ذلك رئيسًا، ويحق له نصيبٌ مِن أوقاف المؤذنين.

4- منارة باب السلام الغربية الجنوبية: تُسمى بمنارة باب السلام، وهي الموجودة الآن، وهي مِن عمارة الناصر ابن قلاوون سنة (706هـ)، كما رواه الطبري, أما ابن فرحون فقد قال: إن الذي أنشأها شيخ الخدام شِبل الدولة كافور المُظَفَّري، المعروف بالحريري، مِن قناديل الذهب والفضة، وأرسل الصُّنَّاع الأمير ابن سلال، وبكير بن سكندر، وحَفَر أساسها إلى الماء، ووجدوا بَعْدَ حَفْرِ قامَةٍ بَرْنِيَّة فُخَّار مُزَجَّجة مَلآنةً دَرَاهِم مُظَفَّرِيَّة, ثم وجدوا تحصيب المسجد النبوي أيامَ مروانَ بالرمل الأَسْوَد، يُشبه أن يكون مِن جَبَلِ سَلْعٍ، كما رواه السيِّد البَرْزَنْجِيّ.

ولا تزال المنارة على بنائها الذي بناه شيخ الخدام -رحمه الله-.

5- المنارة الغربية: وتُسمى منارة باب الرحمة، عَمرها الأشرف قايتباي سَنة (888هـ), وبُنيت خارجَ جُدران المسجد النبوي ضِمْنَ الدار الملاصقة للمسجد قُرْبَ بابِ الرحمة, وهي الدارُ التي كانت مخصصة لسُكنى مُدرسي المدرسة المحمودية.

وقد أُزيلت في التوسعة السعودية مع الدار والمدرسة لتوسعة ما حول المسجد النبوي، وعُمِل الميدان الموجود الآن.

المنائر السعودية

وفي العمارة والتوسعة السعودية أُزيلت المنارتان الشرقية الشمالية, والغربية الشمالية، ومَنارة باب الرحمة -كما تَقَدَّم- وبُني بَدَلَهُم مَنارتان، عُمْقُ أساس كل منارة 17 مترًا، وارتفاع كل مَنارة 70 مترًا, وأُضيئتا بالأنوار الكهربائية المُزَأْبَقَة، وطُوِّقت الأضواء مَطاف المنارتين -الموضع الذي يطوف فيه المؤذن عند الأذان- فَبَدَتْ جميلةً جَذَّابة، ومَنْظَرُها ليلًا كأنها أعمدةٌ مِن نُور تُوغِلُ في السماء.

وكان البناء على أحدث طِرازٍ، وأحسن شَكْل، ثم بَعْدَ التوسعة الفَهْدية الكُبرى زِيد في المسجد النبوي الشريف سِت مَنائِرَ أخرى، وبارتفاعٍ أعلى, فأصبح المجموع عَشْرَ مَنَائر([1]).


([1]) مقال من موقع صحيفة المدينة، بتصرف يسير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.