الاعتكاف والمجاورة عند القبور

الاعتكاف والمجاورة تأتي بمعنى واحد، لقوله صلى الله عليه وسلم كما في صحيحي البخاري ومسلم: «إِنِّي كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ الْعَشْرَ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذِهِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَبِتْ فِي مُعْتَكَفِهِ» (1).

والعُكوف هو: طُول البقاء في المكان، ومنه: الاعتكاف في المساجد، كما عرّفه الفقهاء بأنه: لزوم مسجد لطاعة الله(2).

والاعتكاف عِبادة من العبادات لا تصح إلا في المساجد، قال تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125]  وقال تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187].

ومن أدلة أنه عبادة أيضًا، قول عائشة -رضي الله عنها- الذي أخرجه البخاري ومسلم: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ»(3).

والاعتكاف لا يكون إلا في المساجد، ولا يجوز في غيرها كالاعتكاف عند القبور وعند الأشجار والأحجار فكل هذا لا يجوز.

قال تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأنبياء: 51-54].

فالعكوف عند القبور هو منهج أهل الجاهلية أعداء الدين والملة، فعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” سُبْحَانَ اللَّهِ هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138] وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» (4): قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

فأخبر صلى الله عليه وسلم أن هذا الأمر الذي طلبوه منه وهو اتخاذه شجرة للعكوف عندها وتعليق الأسلحة بها تبركًا كالأمر الذي طلبه بنو إسرائيل من موسى عليه السلام، فكذا العكوف عند القبور، فالعكوف في غير المساجد هو منهج أهل الشرك واليهود والنصارى.

وقالت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:
وأما من يعكف عند القبر فلا يخلو من أمرين:
أحدهما: أن يكون الغرض منه عبادة الله، فهذا لا يجوز؛ لما فيه من الجمع بين معصية العكوف ومعصية عبادة الله عند القبر، وذلك من وسائل الشرك التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم…

وأما المجيء إلى صاحب هذا القبر ودعاؤه واعتقاد أنه يملك النفع والضر فهذا شرك أكبر، ومَن فعل ذلك فإما أن يكون جاهلاً أو عالمًا، فإن كان عالمًا – فهو مشرك شركًا أكبر يخرجه عن الإسلام، وإن كان جاهلاً فإنه يُبين له، فإن رَجَع إلى الحق فالحمد لله، وإن لم يرجع إلى الحق، فإنه كالعالم في الحكم، والأدلة على ذلك كثيرة(5)….

وقال الشيخ -ابن جبرين رحمه الله- في فتوى له “وهكذا العكوف عند هذه القبور، والإقامة عندها، وإحضار القهوة والشاي، فإن الاعتكاف عبادة لله لا تصلح إلا في المساجد، لقوله تعالى {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187]. فصرفها لغير الله شرك، ولو كانوا مشايخ أو أولياء، أو صالحين فإنهم، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى(6).

 فالاعتكاف إذن لايجوز إلا في المساجد، ومن اعتكف عند المقابر فحكمه دائر بين البدعة والشرك الأصغر إذا نوى باعتكافه التقرب لله، وبين الشرك الأكبر إذا نوى باعتكافه التقرب للمقبور ودعائه من غير الله تعالى.


(1)  أخرجه البخاري 3/46 ، رقم 2018، ومسلم 2/824 رقم 1167.

(2)  إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ، للشيخ صالح الفوزان 1/267.

(3)  أخرجه البخاري 3/47-48، رقم 2026، ومسلم 2/831 ، رقم 1172.

(4)  أخرجه الترمذي 2/275، رقم 2180.

(5)  فتاوى اللجنة الدائمة 1/494، وما بعدها.

(6)  فتاوى الشيخ ابن جبرين ، 18/52.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.