الرئيسية » القبور والشريعة » القبور والشريعة » حكم شد الرحال لزيارة القبور

حكم شد الرحال لزيارة القبور

ومن ثَم يتبين أن الزيارة الشرعية للقبور: هي ما كانت على هَدي النبي صلى الله عليه وسلم ؛ حيث كان يزور البقيع في أي وقت تَيسر له ذلك من ليل أو نهار، فيذهب إلى البقيع ويُسلِّم على أهله ويدعو لهم ويستغفر لهم، ولم يعرف عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه شدَّ الرحال إلى زيارة القبور ولا أَمر به ولا أقره من أحد.

       بل لم يكن هذا معروفًا في عهده ولا في عهد الخلفاء الراشدين ولا الأئمة المهديين. فالثابت عنه -صلى الله عليه وسلم- النهي عن شَدِّ الرحال لزيارة القبور، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى» (1).

وعَنْ قَزَعَةَ، قَالَ: أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى الطُّورِ، فَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ” لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَدَعْ عَنْكَ الطُّورَ، فَلَا تَأْتِهِ”(2).

قال شيخ الإسلام رحمه الله: “فقد فَهِم الصحابي الذي روى الحديث أن الطور وأمثاله من مقامات الأنبياء، مندرجة في العموم، وأنه لا يجوز السفر إليها، كما لا يجوز السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة. وأيضًا فإذا كان السفر إلى بيت من بيوت الله -غير الثلاثة- لا يجوز، مع أن قَصْدَه لأهل مِصْرِه يجب تارة، ويُستحب أخرى، وقد جاء في قصد المساجد من الفضل ما لا يحصى- فالسفر إلى بيوت  عباده أولى أن لا يجوز”(3).

ونص العلماء على أن مَن نذر الصلاة في مسجد غير أحد هذه المساجد الثلاثة أو زيارة مقبرة تحتاج إلى شد الرحال فإنه لا يجب عليه الوفاء بل لا يجوز له ؛ لأن ذلك مما نُهِى عنه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ».

وارتكاب ما نهي عنه النبي صلى الله عليه وسلم معصية لقوله صلى الله عليه وسلم:«مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلاَ يَعْصِهِ»(4).

 فمن شدَّ الرحال إلى غير المساجد الثلاثة أو إلى شيء من القبور حتى قبره صلى الله عليه وسلم أو مسجد قباء وغيره بأن أنشأ سَفرًا خاصًا لذلك مُعتقدًا أن ذلك سُنَّة أو أنه من فضائل الأعمال فقد جانب الصواب وخالف السنة وتكلَّف ما لم يؤمر به لا سيما أن المطلوب التزام سنته واتباع هديه في كل صغيرة وكبيرة.

وأما شد الرحال إلى ما سِوى ذلك لزيارة الصالحين والأقارب والأصدقاء والسفر لطلب العلم والتجارة والسياحة ونحو ذلك مما لا يعد تعظيمًا فليس منهيا عنه بل هو مأمور به؛ لأن شد الرحال في مثل هذه الأمور تترتب عليه مصالح عظيمة ومنافع كثيرة؛ لأن كثيرًا من قضاء المصالح لا تحصل إلا بشد الرحال والتنقل في الأقطار ونحو ذلك فكان ذلك مباحًا ومطلوبا.


(1)  أخرجه البخاري 2/60، رقم 1189، ومسلم 2/1014، رقم 1397.

(2)  أخرجه الأزرقي فى أخبار مكة 2/65، والفاكهي فى أخبار مكة 2/87، رقم 1193. وصححه الألباني فى أحكام الجنائز 226، وإرواء الغليل 3/231.

(3)  اقتضاء الصراط المستقيم 2/183.

(4)  أخرجه البخاري 8/142، رقم 6696

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.