رفع القبور

لقد مر معنا في صفة القبر الشرعي ألا يُرفع أكثر من شبر؛ ليعلم أنه قبر فلا يُوطَأ ولا يهان. أما الزيادة على القدر المأذون فيه شرعًا فمحرم ولا يجوز، لما أخرجه الإمام مسلم في “صحيحه” عن أبي الْهَيَّاجِ الأَسَدي أنه قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أَلَّا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَنْ لاَ تَدَعَ تِمْثَالًا إِلاَّ طَمَسْتَهُ، وَلاَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيْتَهُ»(1). ومعنى سَوَّيته أي سويته على طريقة شرعية، أو سويته بمن معه من القبور حتى لا يبرز عنها ويلفت الأنظار فتحصل الفتنة به والمفسدة.

ولا يكون ذلك إلا بتسويتها على الهيئة الشرعية وكما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج الإمام مسلم في “صحيحه” عن ثُمَامَةَ بن شُفَىٍّ -رحمه الله- أنه قال: «كُنَّا مَعَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ -رضي الله عنه- بِأَرْضِ الرُّومِ بِرُودِسَ فَتُوُفِّىَ صَاحِبٌ لَنَا فَأَمَرَ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ بِقَبْرِهِ فَسُوِّيَ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُ بِتَسْوِيَتِهَا» (2).

وثبتَ عند ابن أبي شيبة في “مصنفه” وابن شبة في “تاريخ المدينة” عن عبد الله بن شُرَحْبِيل بن حَسَنة: «أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ خَرَجَ فَأَمَرَ بِتَسْوِيَةِ الْقُبُورِ، فَسُوِّيَتْ إِلَّا قَبْرَ أُمِّ عَمْرٍو بِنْتِ عُثْمَانَ فَقَالَ: مَا هَذَا الْقَبْرُ؟ فَقَالُوا: قَبْرُ أُمِّ عَمْرٍو فَأَمَرَ بِهِ فَسُوِّيَ » (3).

والصفة الطبيعية لإعادة تراب القبر المحفور أن ينشأ عن ذلك شيء من الارتفاع مُسنَّمًا ، وهذا هو الأصل الذي لا ينبغي أن يتعدى(4) .

وقال العلامةُ الشريف الحسيني صديق حسن القَنوجي -رحمه الله- في كتابه “دليل الطالب على أرجح المطالب” معلقًا على هذه الأحاديث: “ومن أعظم الاهتمام النبوي بهذا الأمر إرساله أميرًا من أهل بيته وقبيلته لهدم القبور المشرفة فضلًا عن القباب المرتفعة وعمارات المقابر المزخرفة(5).

وقال قاضي بلاد اليمن العلامة محمد بن علي الشوكاني -رحمه الله- في كتابه “شرح الصدور في تحريم رفع القبور” معقِّبًا على هذه الأحاديث أيضا: “وفي هذا أعظم دلالة على أن تَسوية كل قبر مشرف بحيث يرتفع زيادة على القدر المشروع واجبة متحتمة”(6).


(1) أخرجه مسلم: 2/ 666 ، رقم 969.

(2) أخرجه مسلم: 2/ 666 ، رقم 968.

(3) أخرجه ابن أبي شيبة فى مصنفه 3/28، رقم  11795، وابن شبه فى تاريخ المدينة 3/1018، رقم 1019. وصححه الألباني فى تحذير الساجد 76.

(4)  البناء على القبور 49.

(5) دليل الطالب على أرجح المطالب للحسيني القنوجي 110.

(6) شرح الصدور في تحريم رفع القبور للشوكاني  28.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.