الرئيسية » المواقع الأثرية » آثار مكة والمدينة » قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-

قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-

دُفن النبي -صلى الله عليه وسلم- بَعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى في حُجرة بَيْتِه المتواضِع, وقد جُعِل رأسُه الشريفُ إلى المغرب، ورِجلاه إلى المشرق، ووجهُه الكريم إلى القِبلة, وكان بينه وبين جدار البيت القِبلي قَدْرُ شِبْر، وقِيل بمقدار سَوْطٍ, وبين الجدار الغربي قَدْرُ ذراعين.

وبالقُرب منه -صلى الله عليه وسلم- دُفِن صاحبُه وصديقُه ورفيقُه في الغار خليفتُه أبو بكرٍ الصديق -رضي الله عنه-, وقد جُعل رأسُه إلى المغرب خَلْفَ مَنْكِب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورِجلاه للمشرقِ، ووجهُه للقِبلة.

ولما توفي عُمر بن الخطاب -رضي الله عنه- دُفن بجوار صاحبيه, وقد جُعل رأسُه للمَغرب خَلْفَ مَنْكِب أبي بكرٍ الصديق -رضي الله عنهما-، ورِجلاه للمشرق، ووجهُه للقِبْلَة، وكان دفنُه بوصيته -رضي الله عنه- بعد استئذانه مِن السيدة عائشة -رضي الله عنها-، وموافقتها على ذلك.

هدم الحجرة وعمارتها في زمن الوليد

كَتب الوليد بن عبد الملِك لِعُمَرَ بنِ عبد العزيز عامِلِه على المدينة، بَعد أن اشترى حجرات أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن- بِهَدْمِها وتَوْسِيع المسجد بها, فَقَعَد عُمَرُ في ناحية، وأَمَر بهدمها، فلما هُدِم البيت الأول ظهرت القُبور الثلاثة، وكان الذي عليها قد انهار.

وأراد عُمر بن عبد العزيز أن يُصلِح القبور بنفسه ثم أمر مولاه مُزَاحِمًا بإصلاحها.

وروى عبدُ الله بن محمد بن عَقيل قال (1): خَرَجْتُ في ليلة مَطِيرَةٍ، حتى إذا كنتُ عند دارِ المُغيرة بنِ شُعبة لَقِيَتْني رائحةٌ، لا والله ما وجدتُ مِثلها قط, فجئت المسجد فبدأت بالقَبر، فإذا جِدارُه قد انهدَم مِن المَشْرِق, فدخلتُ فسلَّمت فَلَمْ أَلْبَث أن سَمِعْت الحِسَّ، فإذا عمرُ بن عبد العزيز قد أَمَرَ به فسُتِر بالقَبَاطِيِّ.

ولما أَصبح دَعَى وَرْدَان البَنَّاء، فَدَخَل الحُجرة، وقال: لا بُد لي مِن رَجُل, فَكَشَف عُمر بن عبد العزيز سَاقَه، وكَشَف قاسمُ بن محمدٍ، وسالم بن عبد الله عن سُوقِهما، فقال عمر لهما: ما لكُم؟ فقالوا: نَدخُل مَعَك، فقال: لا والله لا نؤذيهم بكثرتنا, وأمر مُزاحمًا مولاه بالدخول لمناولة وَرْدَان.

ورُوِي (2) أنه أمَر وَردانَ بالكشف عن الأساس, فبينما هو يكشف عنه، وإذا به يَتنحى واجمًا, فقام عمرُ فَزِعًا فقال عبد الله بن عبيد الله: لا يَرُوعَنَّكَ, فَتَانِكَ قَدَمَا جَدِّك عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، ضاق البيتُ عنهما، فَحُفِرَ لهما في الأساس، فقال لوردان: غَطِّ ما رأيت.

وروى هشامُ بن عُروةَ عن أبيه أنه لَمَّا سَقَطَ عَلَيْهِمُ الحَائِطُ فِي زَمَانِ الوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، أَخَذُوا فِي بِنَائِهِ فَبَدَتْ لَهُمْ قَدَمٌ، فَفَزِعُوا وَظَنُّوا أَنَّهَا قَدَمُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَمَا وَجَدُوا أَحَدًا يَعْلَمُ ذَلِكَ حَتَّى قَالَ لَهُمْ عُرْوَةُ: لاَ وَاللَّهِ مَا هِيَ قَدَمُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مَا هِيَ إِلَّا قَدَمُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (3).

عمر بن عبد العزيز يبني الحجرة المطهرة ويبني حِظَارًا حولها

وقد بَنى عمر بن عبد العزيز الحُجرة المطهرة بالأحجار السوداء المنحوتة يَقْرُب لَوْنُها مِن لَوْنِ أحجار الكعبة المشرَّفة على نفس المساحة التي بنى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بَيْتَه عليها, وجعل عَرْضَ الجِدار في الجوانبِ كلها ذراعًا ونِصفًا وقيراطين، إلا الجدارَ الشرقيَّ، فَعَرْضُه ذِراعٌ ورُبع، وثُمن ذراع، وجَعَل ارتفاع الجدار في السماء خمسةَ عشرَ ذراعًا.

ثم بَنَى حولَ الحُجْرَة المُطَهَّرَةِ حِظَارًا وزَوَاهُ, وجَعَل له خمسةَ أضلاعٍ بخَمس زوايا، فشَكَّل مُثَلَّثًا في المؤخرة جِهة الشام, وذلك خشيةَ أن يُشْبِهَ الكعبةَ في تَرْبِيعِه، وخشيةَ أن يُتَّخَذ قِبلةً فيُصلَّى إليه(4).


(1) انظر الدرة الثمينة في أخبار المدينة (صـ 148).

(2) انظر إتحاف الزائر وإطراف المقيم للسائر في زيارة النبي -صلى الله عليه وسلم-، لابن عساكر (صـ 184).

(3) أخرجه البخاري (1/468، رقم 1326).

(4) مقال في موقع الدكتور أحمد كلحى، ببعض التصرف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *