الرئيسية » القبور والشريعة » القبور والشريعة » خطة: اتخاذ القبور مساجد

خطة: اتخاذ القبور مساجد

اتخاذ القبور مساجد

 

خلق الله تبارك وتعالي، الإنسان علي الفطرة، قال رسول الله صلي الله عليه وسلم، (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ) (1).
مكث الخلق بين آدم ونوح، عليه السلام، عشرة قرون، لا يشركون بالله شيئا، لكن إبليس، لعنه الله، فقيه الشرك، أدرك أن الشرك يأتيهم بالتدرج، لا دفعة واحدة، فماذا صنع، لعنه الله، تدرج بهم، ليعبدوا الأصنام.
يحكي لنا حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما، في تفسير قوله تعالى: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} (2)، قال عن هذه الأصنام: «أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ»(3).
كانوا يعتقدون أن الذي خلق كل شيء، هو الله تبارك وتعالي، إبليس اللعين قال: بهم تسقون المطر، وبهم تفرج عنكم الكرب، وبهم يتحقق لكم الطلب، فاسألوهم حاجتكم، وعظموهم واعبدوهم، فلا سبيل إلى الله إلا منهم وبهم، فهم الوسيلة المعبودة التي تقربكم إلى الله زلفى، وهم الشفاعة التي تُدعى وتُرجى. فأطاعوه فوقعوا في الشرك الذي لا يغفره الله، ويغفر ما دونه لمن يشاء، أطاعوه فوقعوا في الظلم العظيم الذي يخلد من مات عليه في النار، , من أجل حماية التوحيد، حرم الله تبارك وتعالي، الغلو في الصالحين، والطامة الكبري، اتخاذ القبور مساجد، فهذا من أبواب الشرك بالله، تبارك وتعالي، وكل ناظر للمساجد التي يوجد بها، مقامات، وأضرحة، يري الطواف حولها، والنذر, والذبح لها، وطلب المدد من الأموات، جاهلين بقوله تعالي: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} (4), ومتجاهلين قول الرسول، صلي الله، عليه وسلم «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ» (5).
فالميت ينتظر ما ينفعه، أما الغلو في الأموات، ومنه اتخاذ القبور مساجد، فقد نهي عنه الرسول، صلي الله عليه وسلم، حماية للتوحيد.
ومن أدلة تحريم اتخاذ القبور مساجد الآتي:-
عن عائشة وابن عباس ؛ رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه و سلم، لما حضرته الوفاة جعل يلقي على وجهه طرف خميصة (6) له، فإذا اغتمّ كشفها عن وجهه، وهو يقول: « لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ».
تقول عائشةُ، رضي الله عنها: يحذر مثل الذي صنعوا. (7).
وأيضا، عن الحارث النجراني، رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه و سلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: « أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ » (8).
عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه, قال: آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه و سلم: « أَخْرِجُوا يَهُودَ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ نَجْرَانَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَاعْلَمُوا أَنَّ شِرَارَ النَّاسِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ » (9).
أيها المسلمون، ما معني اتخاذ القبور مساجد ؟، لها معان ثلاث، وكلها صحيحة:
الأول: الصلاة على القبور بمعنى السجود عليها عن أبي سعيد الخدري: « أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى أن يبنى على القبور أو يقعد عليها أو يصلى عليها (10).
الثاني: السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء فقال صلى الله عليه و سلم: « لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا » (11).
الثالث: بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كان مرض النبي صلى الله عليه و سلم تذاكر بعض نسائه كنيسة بأرض الحبشة، يقال لها: مارية – وقد كانت أم سلمة وأم حبيبة قد أتتا أرض الحبشة – فذكرن من حسنها وتصاويرها، قالت: [ فرفع النبي صلى الله عليه و سلم رأسه ] فقال: « أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمْ الْعَبْدُ الصَّالِحُ أَوْ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بنوا على قبره مسجدا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ] (12).
أيها الإخوة الأحباب، وجود القبر في المسجد، من أشر البدع ومن أكبر أبواب الشرك بالله، سبحانه وتعالي، يزعم الصوفية أن فوق كل ضريح ولي نافذة مفتوحة في السماء، يفيض الله منها بركاته على الطائفين حول الضريح.
ومن منكرات الأضرحة والمقامات، شد الرحال إليها، متجاهلين، قول النبي صلي الله عليه وسلم، ( لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى ) (13), واجتماع النساء, بالرجال، حول الضريح، ابتغاء التمسح والبركة ، ومنهن متبرجات، مع اللهو، وعلو الأصوات، والطعام والشراب، والنوم بجانب الضريح، ويساعد علي هذا، ما يروجه خدم الأضرحة، من خرافات، عن كرامات لصاحب الضريح، مما يخدعون به الجهال، رجاء النذور، التي يسرقون أكثرها، بحيل منها، وضع سلك طويل مبلل بالغراء في فتحة صندوق النذور، فيخرج مع السلك، ما تعلق بالغراء، من مال حرام.
و يقول الشيخ، عبد الرحمن الوكيل، رحمه الله، عن بعض ماشاهده من الصوفية ( الشيخ الأكبر في يوم “الكنسة” كان يمزق عمامة صنم البدوي مزقاً مزقاً، ثم يهديها إلى مريديه بركة – في زعمه – من روح الله ؟
أيها المسلمون، مما يروجه أهل الضلال من الطرق الصوفية، أن الوهابية فقط، هم الذين يحرمون دفن الصالحين، في المساجد.
فإليكم أقوال السادة أصحاب المذاهب الأربعة:-
1 ـ مذهب الشافعية انه كبيرة قال الفقيه ابن حجر الهيتمي في ” الزواجر عن اقتراف الكبائر (14): «الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون: اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها واتخاذها أوثاناً، والطواف بها، واستلامها، والصلاة إليها».
2ـ مذهب الحنفية الكراهة التحريمية؛ والكراهة بهذا المعنى الشرعي قد قال به هنا الحنفية فقال الإمام محمد تلميذ أبي حنيفة في كتابه ” الآثار” (15): ” لا نرى أن يزاد على ما خرج من القبر، ونكره أن يجصص أو يطين أو يجعل عنده مسجداً ” والكراهة عن الحنفية إذا أطلقت فهي للتحريم، كما هو معروف لديهم.
3ـ مذهب المالكية التحريم : وقال القرطبي تفسيره (16) بعد أن ذكر الحديث الخامس:
علماؤنا: وهذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد “.
4ـ مذهب الحنابلة التحريم ومذهب الحنابلة التحريم أيضاً كما في ” شرح المنتهى ” (17) وغيره، بل نص بعضهم على بطلان الصلاة في المساجد المبنية على القبور، ووجوب هدمها
وإليكم بعض الشبه التي يروجها أهل الضلال، من الطرق الصوفية:-
الشبهة الأولي:- قوله تعالى ﴿ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ) (18).
يقول رسول الله، صلي الله عليه وسلم ( َكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً ) (19) إذن نحن لسنا ملزمين بشرع من قبلنا، وقد جاءنا القرآن الكريم، وسنة الرسول صلي الله عليه وسلم، وصح فيها، كما سمعتم، النهي الصريح عن اتخاذ القبور مساجد.
ثم تأمل للآية الكريمة، ( قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ )، غلبوا، أي لهم السلطة، وليس لهم العلم والتقوى، وفعل من ملك السلطة، لا يكون حجة في الشرع أبدا، بل الحجة الشرعية يبينها العلماء بالدليل الشرعي.
كما لا يصح الاحتجاج بعدم الإنكار، علي اتخاذ مسجدا، علي أهل الكهف، في الآية الكريمة، لأن الرسول صلي الله عليه وسلم، حرم دفن الصالحين في المساجد، والرسول صلي الله عليه وسلم، لايحرم إلا بوحي، وفي ذلك يقول صلي الله عليه وسلم « أَلا إِنَّ مَا حَرّمَ رسُولُ اللهِ مِثْلُ مَا حَرّمَ الله ) (20).
ومثل من يستدل بهذا، كمثل من يستدل بجوازصنع التماثيل، للآية الكريمة، التي جاء في شرعنا، النهي عن التماثيل فيها, ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ ) (21) فهل نستدل، بصنيع الجن لسليمان، عليه السلام، علي جواز التماثيل ؟
وأما الشبهة الثانية وهي أن قبر النبي صلى الله عليه و سلم في مسجده كما هو مشاهد اليوم، ولو كان ذلك حراما لم يدفن فيه.
فالجواب، بعونه تعالي، لما مات النبي صلى الله عليه و سلم دفنوه في حجرته في التي كانت بجانب مسجده، وكان يفصل بينهما جدار فيه باب، كان النبي صلى الله عليه و سلم يخرج منه إلى المسجد، ثم جاء الوليد بن عبد الملك سنة 88 هجرية، فأراد التوسعة فأصدر قرارا، بهدم المسجد النبوى الشريف، وضم إليه، حجرة أزواج النبي، صلي الله عليه وسلم، فصار قبره، صلي الله عليه وسلم، في المسجد، ولم يكن في المدينة أحد من الصحابة الكرام، رضي الله عنهم، والتوسعات التي تمت في المسجد النبوى الشريف، قبل ذلك، لم تدخل قبره، صلي الله عليه وسلم، إلي المسجد، لعلمهم بالنهي عن ذلك.
ومن أمثلة هذه التوسعات، حين قام عمر بن الخطاب رضي الله عنه بتوسيع المسجد من الجهات الأخرى ولم يتعرض للحجرة بل قال ” إنه لا سبيل إليها (22).
وأنكر ذلك، العلماء المعاصرين، للوليد بن عبد الملك، مثل سعيد بن المسيب، رحمه الله.
وأما الشبهة الثالثة وهي أن النبي صلى الله عليه و سلم، صلى في مسجد الخيف وقد ورد في الحديث أن فيه قبر سبعين نبيا !
فالجواب: لم يصح في ذلك شيء؛ كما أن الحديث ليس فيه أن القبور ظاهرة في مسجد الخيف فلا ضرر من وجودها في بطن أرض المسجد
الشبهة الرابعة: بناء أبي جندل رضي الله عنه مسجداً على قبر أبي بصير رضي الله عنه في عهد النبي صلى الله عليه و سلم.
الجواب: لم يرد بذلك شيء صحيح يعتمد عليه، ولو صح فانتبهوا للآتي :
أولا: أنه ليس في القصة أن النبي صلى الله عليه و سلم اطلع على ذلك وأقره.
ثانيا: أنه لو فرضنا أن النبي صلى الله عليه و سلم علم بذلك وأقره فيجب أن يحمل ذلك على أنه قبل التحريم لأن الأحاديث صريحة في أن النبي صلى الله عليه و سلم حرم ذلك في آخر حياته.
تم بحمد الله
________________
1. رواه البخاري 1385
2. سورة نوح الآية 23
3. صحيح البخاري – 4920
4. سورة فاطر14
5. صحيح مسلم – 1631
6. خميصة: كساء له أعلام
7. صحيح البخاري – 5815
8. مسلم – 532
9. صحيح الجامع – 233
10. مجمع الزوائد – 3/64
11. صحيح الجامع – 7229
12. صحيح البخاري 434
13. صحيح الترمذي : 326
14. (1/120)
15. (ص45)
16. ( 10/38)
17. (1/353)
18. سورة الكهف الآية 21
19. صحيح البخاري – 438
20. صحيح الجامع – 2657
21. سورة سبأ الآية 13
22. « طبقات ابن سعد » ( 4 / 21 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.