الآثار والعناية بها

الآثار والعناية بها

المؤلف: عبدالله بن محمد بن يحي الشيخ الخادم

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا وقدوتنا محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين وبعد

فقد كثر الحديث عن مسألة الآثار والعناية بها ، وحاول من حاول جاهداًَ إضفاء الصبغة الشرعية على المحافظة على هذه الآثار بل تعدى الأمر إلى القول بوجوب المحافظة عليها وجواز التبرك بها ، وقد أحببت بيان المنهج الشرعي الذي أوضحه نبي الهدى صلوات ربي وسلامه عليه وسار عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين وتبعهم على ذلك أئمة الهدى من التابعين وتابعيهم بإحسان ، فأقول وبالله التوفيق :

إن مدار الحديث عن الآثار أو أماكن السيرة النبوية أو الأماكن التي مر بها النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يقصدها بالعبادة ، ولم يدع أمته إلى الذهاب إليها ؛ فهذا مما لا يشرع قصده أو تحريه ، وهذا خلاف ما قصده الرسول صلى الله عليه وسلم من العبادات ـ كالصلاة ونحوها ـ في أي بقعة أو مكان ؛ فإنه يشرع قصده وتحري مكانه ، اقتداءً به صلى الله عليه وسلم وطلباً للأجر والثواب .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ : (( لم يشرع الله تعالى للمسلمين مكاناً يقصد للصلاة إلا المسجد ، ولا مكاناً يقصد للعبادة إلا المشاعر ، فمشاعر الحج ، كعرفة ومزدلفة ومنى تقصد بالذكر والدعاء والتكبير لا الصلاة ، بخلاف المساجد ، فإنها تقصد للصلاة ، وما ثم مكان يقصد بعينه إلا المساجد والمشاعر ، وفيها الصلاة والنسك … وما سوى ذلك من البقاع فإنه لا يستحب قصد بقعة بعينها للصلاة ولا الدعاء ولا الذكر ، إذ لم يأت في شرع الله ورسوله قصدها لذلك ، وإن كان مسكناً لنبي أو منزلاً أو ممراً . ))

وبناءً على ما تقدم فإن المواضع التي صلى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة ـ ما عدا مسجده صلى الله عليه وسلم ومسجد قباء ـ أو على طرقها ، أو بمكة ـ ما عدا المسجد الحرام ـ ونحو ذلك مما لم يقصده بذاته ، كبعض المساجد بمكة أو المدينة وما حولهما ، المبنية على آثار صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، في حضره أو سفره أو غزواته ـ إن صح ذلك ـ لا تشرع الصلاة فيها على سبيل القصد والقربة والتبرك .

والحديث هنا مرتبط بمسألة هامة وهي مسألة التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم ، والخلط هنا عند من ينادي بالمحافظة على هذه الآثار بل ويجيز التبرك بها ؛ خلط بين التبرك وبين التأسي والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم . ومن المعلوم أن البركة في مواردها من الكتاب والسنة تنقسم إلى قسمين :

القسم الأول : بركة ذات ، وأثرها أن يكون ما اتصل بتلك الذات مباركاً ، وهذا النوع للأنبياء والمرسلين ولا يشركهم فيه غيرُهم ، حتى أكابر أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا النوع من تعدي البركة ؛ قد انقطع بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ، إلا ما كان من أجزاء ذاته باقياً بيقين بعد موته عند أحد ، وقد ذهب ذلك المتيقن مع انقراض قرن الصحابة رضي الله عنهم .

القسم الثاني : بركة عمل واتباع ؛ وهي عامة لكل من وافق عمله سنة النبي صلى الله عليه وسلم .

كما أنه من المتقرر أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم مبارك الذات ، مبارك الصفات ، مبارك الأفعال ، وهذه البركة متحققة في ذاته وصفاته وأفعاله .

وأما آثاره المكانية : كمكان سار فيه ، أو بقعة صلى فيها ، أو أرضٍ نزل بها ؛ فلم يُعرف دليل شرعي يومئ أو يُشير إلى أن بركة بدن الرسول صلى الله عليه وسلم قد تعدت إلى هذا المكان ؛ فيكون مباركاً يُشرع التبرك به ؛ ولذا لم يكن يفعل هذا صحابته في حياته ولا بعد مماته صلى الله عليه وسلم . فما سار فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو نزل فيه ؛ فلا يجوز التبرك به ؛ لأن هذا وسيلة إلى تعظيم البقاع التي لم يُشرع لنا تعظيمها ، ووسيلة من وسائل الشرك ، وما تتبع قوم آثار أنبيائهم إلا ضلوا وهلكوا . وهذه الوسيلة قد سدها الشارع الحكيم ونهى عن تتبع آثار الصالحين ، وتقديسها ، بالصلاة فيها ، والدعاء عندها ، والتمسح بها .

ومن المعلوم أن بركة ذوات الأنبياء والمرسلين عليهم أفضل الصلاة وأزكى التسليم لا تتعدى إلى الأمكنة الأرضية ؛ وإلا لزم أن يكون كل أرض وطئها النبي صلى الله عليه وسلم ، أو جلس عليها ، أو طريق مر بها ؛ تُطلب بركتها ، ويتبرك بها ؛ وهذا لازم باطل قطعاً ؛ فانتفى الملزوم ، وهذا جلي لمن تأمل اتساعه وتسلسله .

وليُعلم أن طلب التبرك بالأمكنة الأرضية خلاف سنة الأنبياء جميعاً قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فلم يتحروا الآثار الأرضية للأنبياء قبلهم ، ولا أمروا بتحريها ، بل نجد أن الشريعة لم تحفظ لنا أماكن آثار الصالحين ، بل وقبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، كقبر الخليل إبراهيم ، وموسى وعيسى ـ عليهم السلام ـ ولم ترد النصوص بتتبع آثار نوح عليه السلام ، ولم تحث الشريعة على حفظ قبور الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ . وكل ما كان خلاف ذلك فهو مما أحدثه الخلوف ـ الذين يفعلون مالا يؤمرون ـ بعد أنبيائهم حين صعبت عليهم التكاليف الشرعية ؛ فرغبوا في التعلق لغفران الذنوب وزيادة الحسنات بالتبرك المبتدع بالآثار المكانية .

ولو كان التبرك بالآثار النبوية المكانية ـ أي الأماكن التي وُجد فيها النبي صلى الله عليه وسلم ، أو صلى فيها ،أو سكن بها ، أو مكث بها ولو لبرهة ـ لو كان هذا التبرك مشروعاً كما زعم من زعم ؛ لكان حجم المنقول من ذلكم التبرك من أفعال الصحابة أكثر من أن يُحصر ؛ ذلك أن عدد ما نزله النبي صلى الله عليه وسلم من الأماكن يفوق العدّ والحصر ، وما وطئته قدماه الشريفتان يتجاوز العدد ، ومع ذلك فلم يثبت عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أنهم تبركوا بالمكان الذي نزله ، أو أنهم تتبعوا مواطئ أقدامه صلى الله عليه وسلم لا في حياته ولا بعد وفاته ، دع عنك أن يتتابعوا عليه ؛ فلما تركوه وهم من هم حرصاً على الخير وحباً للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ كان فيه أبلغ دليل على عدم مشروعية مثل هذا الصنيع بل وبدعيته وخروجه عن الهدي الأول .

ولو صحت هذه الدعوى وهي جواز التبرك بالآثار المكانية لكان في ذلك دعوة للتبرك بغار حراء ، وشعاب مكة ، وجبال مكة والمدينة وسهولهما ، وما لا حصر له من الأماكن

وقد كان سلف الأمة ينكرون التبرك بالآثار المكانية ، وينكرون تحريها والتعلق بها رجاء بركتها ، ولم ينقل عن أحد منهم أنه تبرك بشيء من المواضع التي جلس فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو البقع التي صلى عليها عليه الصلاة والسلام اتفاقاً ، مع أنهم أحرص الأمة على التبرك بالرسول صلى الله عليه وسلم ، ومع علمهم بتلك المواضع ، وشدة محبتهم للرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيمهم له ، واتباعهم لسنته . ولم يُخالف في تحري تلك الأماكن إلا ابن عمر t ، فقد كان يتتبع الأماكن التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي حيث صلى ، ونحو ذلك .

وابن عمر رضي الله عنهما وهو الصحابي الجليل لم يكن يطلب بركة المكان ـ كما زعم من نسب ذلك إليه ـ وإنما كان يطلب بركة الاقتداء وهو الحريص على تمام الاقتداء بكل ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله ، حتى أنه أراد الصلاة في كل مكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان يتتبع ذلك ويعلمه ، وما كان فعله قصداً للتبرك بالبقعة كما يفهمه المتأخرون وإنما قصد تمام الاقتداء وتشدده في الاتباع معروف مشهور ، ولم يفعله غيره من صحابة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ولم يوافقوه ، بل إن أباه الخليفة الراشد عمر t نهى الناس عن تتبع الآثار المكانية ، وقوله مقدم على رأي ابنه عند الخلاف باتفاق ، وهو خلاف لا يقوم في مقابلة اتفاق عمل الصحابة y على ترك ما فعله ابن عمر t . ولا شك أن الصواب والحق مع عمر t وبقية الصحابة y ، وهو الحري بالاتباع ، الفاصل عند النزاع .

وأقول مزيداً للبيان ودفاعاً عن الصحابي الجليل ابن عمر t أنه لم يكن يُسافر لتلك الأمكنة لذاتها ، ولا يُنشىء الصلاة لذات البقعة وإنما إذا حضرت الصلاة صلى في تلك البقع ، ويزيد الأمر وضوحاً وبياناً في كون ابن عمر t كان يفعل ذلك حرصاًً على تمام الاقتداء لا حرصاً على بركة المكان ـ كما زعم من زعم ـ أنه أُثر عنه أنه كان t يصب الماء تحت شجرة أهرق النبي صلى الله عليه وسلم تحتها ماء ، بل كان t من شدة تتبعه للنبي صلى الله عليه وسلم يُحب أن يقضي حاجته حيث قضاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهل يقال بأن ذلك كان منه تبركاً رضي الله عنه وأرضاه ؟! ومع هذا كله فليس في فعل ابن عمر t متعلق لمن حاول أن يتعلق به ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : (( ما فعله ابن عمر لم يوافقه عليه أحد من الصحابة ، فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين ولا غيرهم من المهاجرين والأنصار أن أحداً منهم كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن هنا أنكرت عائشة رضي الله عنها على ابن عمر ذلك ، وقالت : (( ما كان أحد يتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم في منازله كما كان يتبعه ابن عمر )) .ولعلي أدع قول هذا الصحابي الجليل عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يرد على من زعم بأن ابن عمر كان يتتبع هذه الأماكن تبركاً بها ، فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث نافع عن ابن عمر t قال : (( رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها ، كانت رحمةً من الله )) ( ح2958)

وأخرج البخاري ومسلم من حديث سعيد بن المسيب قال : ثني أبي كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة . قال : فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها . فقال سعيد : إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم !!

قال أبو الفضل ابن حجر في الفتح تعليقاً على هذا الحديث : (( وبيان الحكمة في ذلك وهو أن لا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير فلو بقيت لما أُمن تعظيم بعض الجهال لها ، حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضُر كما نراه الآن مشاهداً فيما هو دونها ، وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله : (( كانت رحمة من الله )) أي كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى )) أهـ . فهذا هو كلام الصحابي الجليل عبدالله بن عمر t يرد على كل من افترى عليه وحاول أن يصوره بصورة الجهال يتتبع هذه الأماكن بحثاً عن البركة أو التمسح بها .

ويقال بعد ذلك كله لكل من دعا إلى زيارة هذه الأماكن وزعم وجوب المحافظة عليها أو أدعى زوراً وبهتاناً جواز التبرك بها يقال لهؤلاء جميعاً : هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ، ولن يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً . فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه أنه فعل ذلك الأمر أو دعا إليه ولو كان مما يحبه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لأمر به صلى الله عليه وسلم ، أو فعله ، أو دعا إليه ؛ فلما لم يقع شيء من ذلك عُلم أنه ليس من الدين؛بل هو من المحدثات التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم . يقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ : (( ومع هذا فلم يشرع تخصيص ذلك الزمان ، ولا ذلك المكان بعبادة شرعية ، بل غار حراء الذي ابتدئ فيه بنزول الوحي ، وكان يتحراه قبل النبوة لم يقصده هو ولا أحد من أصحابه بعد النبوة مدة مقامه بمكة ، ولا خص المكان الذي أنزل فيه الوحي بعبادة ولا غيرها ، ولا خص المكان الذي ابتدئ فيه الوحي ولا الزمان بشيء ، ومن خص الأمكنة والأزمنة من عنده بعبادات لأجل هذا ولأمثاله من جنس أهل الكتاب الذين جعلوا زمان أحوال المسيح مواسم وعبادات كيوم الميلاد ويوم التعميد ، وغير ذلك من أحواله ))[زاد المعاد:1/58] .

فهذا هو عمل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم ، لم يكونوا مهتمين بهذه الآثار ولا يذهبون إليها ؛ فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بعد البعثة يذهب إلى غار حراء ، ولا إلى غار ثور ، ولا إلى موضع غزوة بدر ، ولا إلى المكان الذي ولد فيه بمكة .

ولذا ذهب جمهور أهل العلم إلى عدم مشروعية زيارة أماكن الآثار النبوية على جهة القربة والعبادة . قال الشيخ مرعي الحنبلي : (( غار حراء ، وجبل ثور ، وجبل الرماة ، والمساجد السبعة ، وغيرها من الآثار لا يشرع زيارتها بالاتفاق )) [شفاء الصدور:110]

وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم أعلم الناس بدين الله ، وأفضلهم بعد الأنبياء ، وأشدهم محبة للنبي صلى الله عليه وسلم ، وأكملهم نصحاً لله ولعباده ، ومع ذلك لم يكونوا يتقربون لله تعالى بزيارة أماكن الآثار النبوية ، بل ينهون عن ذلك ؛ ولذا لما رأى الخليفة الراشد عمر t بعض الناس يذهب إلى الشجرة التي يُزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع الناس تحتها ؛ أمر بقطعها . وثبت أن عمر t كان في السفر فرأى قوماً يبتدرون مكاناً ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : مكان صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : أتريدون أن تتخذوا آثار نبيكم مساجد ؟ من أدركته الصلاة فيه ، فليصل وإلا فليمض )) وهذا قاله عمر t بمحضر من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ (( فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد تخصيصه بالصلاة فيه بل صلى فيه ؛ لأنه موضع نزوله ، رأى عمر أن مشاركته في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة ، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها،ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك ،ويقول يرحمه الله : (( كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجاً وعماراً ومسافرين ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي صلى الله عليه وسلم ، ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحباً ؛ لكانوا إليه أسبق ؛ فإنهم أعلم بسنته وأتبع لها من غيرهم )) . وعلى هذا كان جمهور الصحابة الذين علموا أن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم تكون بطاعة أمره ، وتكون في فعله ، بأن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعله ، فإذا قصد النبي صلى الله عليه وسلم العبادة في مكان ؛ كان قصد العبادة فيه متابعة له صلى الله عليه وسلم ؛ كقصد المشاعر والمساجد . وأما إذا نزل في مكان بحكم الاتفاق لكونه صادف وقت النزول ، أو غير ذلك مما يُعلم أنه لم يتحر ذلك المكان ؛ لم نكن متبعين له.ثم إن ابن عمر رضي الله عنهما كما أشرت سابقاً لم يكن يُنشئ السفر من أجل تلك البقاع والأماكن والصلاة فيها ، وإنما إذا صادفت هذه الأماكن في طريقه وقرب وقت الصلاة ؛ فكان ينزل عندها ويُصلي فيها . فهذا هو تتبع ابن عمر للآثار المكانية ، وهذا هو موقف والده الخليفة الراشد عمر t والذي أمرنا بالتأسي به وموقف الصحابة الآخرين ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ وبناء عليه فلا يجوز الاستدلال على جواز الذهاب إلى الأماكن الأثرية أو أماكن السيرة النبوية بما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما فضلاً عن الاستدلال بذلك على بنائها وعمارتها وتهيئتها للزيارة ودعوة الناس إلى ذلك .

ومن المعلوم أنه لم يكن من عمل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين زيارة تلك الآثار ، ومن هنا خفيت كثير من تلك المعالم بزمن يسير .

وعلى ذلك سار علماء الأمة في عصورها الأول ، قال ابن وضاح : (( كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار التي بالمدينة ، ما عدا قباء وأحداً)) يعني شهداء أحد .

وليعُلم أن التقرب إلى الله تعالى بزيارة مواطن السيرة النبوية أو ما يعرف بالآثار المكانية فيه تشبه بأهل الكتاب الذين يتخذون آثار الأنبياء مشاهد ومزارات ، وقد نُهينا عن التشبه بهم ، ومن هنا قال الخليفة الراشد عمر :(( إنما هلك أهل الكتاب أنهم كانوا اتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعاً )) .

كما أن التقرب إلى الله تعالى بزيارة هذه الأماكن يؤدي إلى اعتقاد بركة المكان لذاته ؛ مما قد يؤدي إلى خلل في التوحيد ، والشريعة الإسلامية قد جاءت بسد ذرائع البدع والشرك ، وقد نص العلماء على أن سد الذرائع من أدلة الشريعة . وزيارة هذه الأماكن بلا شك ذريعة للبدع والشرك ؛ لأن النفوس ضعيفة ومجبولة على التعلق بما تظن أنه يفيدها ، والمشاهد لأحوال مواقع السيرة أو الآثار النبوية المكانية سواءً كانت حقيقة أو مزعومة ؛ يجد أن الجهلة يتمسحون بترابها وأشجارها ، ويُصلى عندها ، بل قد يُدعى أصحابها من دون الله تعالى ، ولا شك أن من أصول الشريعة حماية جناب التوحيد ؛ ولذا حذر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من مثل هذا الفعل بقوله صلوات ربي وسلامه عليه : (( قاتل الله اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )) [متفق عليه].

وينبغي التنبه إلى أنه لا يجوز الخلط بين أماكن جاءت الشريعة الإسلامية بتعظيمها ـ مثل الكعبة ، ومقام إبراهيم ، والمسجد الحرام ، والصفا والمروة ، ومشاعر الحج من منى وعرفات ومزدلفة ، والمسجد النبوي ، والمسجد الأقصى ، ومسجد قباء ومساجد المسلمين عموماً ـ وبين أماكن ورد ذكرها في القرآن الكريم والسنة المطهرة ولم يقترن ذلك بما يدل على تعظيمها من عدمه مثل غار حراء ، وغار ثور ، ومكان بيعة الرضوان ، ودرا الأرقم بن أبي الأرقم ، وبيت أبي أيوب الأنصاري ، والأماكن التي نزل بها النبي صلى الله عليه وسلم أو جلس بها أو نام ؛ فهذه الأماكن لا تزار من باب القربة والعبادة ، ولا تقصد للصلاة والدعاء والعبادة عندها ، ولا يُشرع التبرك بها ولا التوسل بأصحابها .

يقول شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ : (( ولهذا لم يستحب علماء السلف ـ من أهل المدينة وغيرها ـ قصد شيء من المساجد والمزارات التي بالمدينة وما حولها بعد مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إلا مسجد قباء ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد مسجداً بعينه يذهب إليه إلا هو )) .

ويقول ـ رحمه الله ـ : (( فتحنثه وتعبده بغار حراء كان قبل المبعث ، ثم إنه لما أكرمه الله بنبوته ورسالته ، وفرض على الخلق الإيمان به وطاعته واتباعه أقام بمكة بضع عشرة سنة هو ومن آمن به من المهاجرين الأولين الذين هم أفضل الخلق ، ولم يذهب هو ولا أحد من أصحابه إلى حراء ، ثم هاجر إلى المدينة واعتمر أربع عمر … ثم إنه اعتمر عمرته الرابعة مع حجة الوداع ، وحج معه جماهير المسلمين ، لم يتخلف عن الحج معه إلا من شاء الله ، وهو في ذلك كله لا هو ولا أحد من أصحابه يأتي غار حراء ولا يزوره ولا شيئاً من البقاع التي حول مكة ، ولم يكن هناك عبادة إلا بالمسجد الحرام ، وبين الصفا والمروة ، وبمنى ومزدلفة وعرفات…، وكذلك الغار المذكور في القرآن في قوله تعالى :  [ ثاني اثنين إذ هما في الغار ] وهو غار بجبل ثور يمان مكة ، لم يشرع لأمته السفر إليه وزيارته والصلاة فيه والدعاء ، ولا بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة مسجداً غير المسجد الحرام ، بل تلك المساجد كلها محدثة ، مسجد المولد وغيره ، ولا شرع لأمته زيارة موضع المولد ، ولا زيارة موضع بيعة العقبة الذي خلف منى ، وقد بُني هناك له مسجد ، ومعلوم أنه لو كان هذا مشروعاً مستحباً يثيب الله عليه لكان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم بذلك وأرغب فيه ممن بعدهم ، فلما لم يكونوا يلتفتون إلى شيء من ذلك علم أنه من البدع المحدثة ، التي لم يكونوا يعدونها عبادة وقربة وطاعة ، فمن جعلها عبادة وقربة وطاعة ؛ فقد اتبع غير سبيلهم ، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله …))

فهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم ومن سار على نهجه واقتفى أثره من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان رضي الله عن الجميع ، وصلى الله وسلم على نبينا وقدوتنا وسيدنا محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين .

كتبه / عبدالله بن محمد بن يحي الشيخ الخادم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.