الرئيسية » المواقع الأثرية » آثار مكة والمدينة » الصلاة في قباء والمساجد السبعة

الصلاة في قباء والمساجد السبعة

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبيَّ بعده.

وبعد:
فقد اطَّلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من المستفتي/ محمد إلياس عبدالغني، والمُحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (1873)، وتاريخ 30/3/1418هـ، وقد سأل المستفتي سؤالاً هذا نصُّه: “أرجو من فضيلتكم التكرُّم بالإجابة على السؤال التالي:

أولاً: ما حكم الشريعة الإسلامية فيمَن يأتي المدينة المنوَّرة ليصلي في المسجد النبوي الشريف، ثم يذهب إلى مسجد قباء ومسجد القبلتين، ومسجد الجمعة ومساجد المصلى – مسجد الغمامة، ومسجد الصديق ومسجد علي، رضي الله عنهما – وغيرها من المساجد الأثرية، وبعد دخوله فيها يصلي ركعتي التحية، فهل يجوز ذلك أو لا؟

ثانيًا: بعد ما يصل الزائر إلى المسجد النبوي الشريف، هل له أن ينتهز الفرصة للذهاب إلى المساجد الأثرية بالمدينة المنورة بنيَّة الاطلاع والتأمُّل في تاريخ السلف الصالح، والدراسة التطبيقية للمعلومات التي قرأها في كتب التفسير والحديث والتاريخ تجاه الغزوات ومساكن القبائل من الأنصار؟ أرجو الإفادة.

وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بما يلي:

إن الجواب على هذين السؤالين يقتضي البيان في التفصيل الآتي:
أولاً: باستقراء المساجد الموجودة في مدينة النبي – صلَّى الله عليه وسلم – المدينة المنورة – حرسها الله تعالى – تبيَّن أنها على أنواع هي:

النوع الأول: مسجد في مدينة النبي – صلَّى الله عليه وسلم – ثبتت له فضيلة بخصوصه، وهما مسجدان لا غير:

أحدهما: مسجد النبي – صلَّى الله عليه وسلم – وهو داخل من باب أولى في قول الله – تعالى -: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة: 108]، وهو ثاني المساجد الثلاثة التي تشدُّ إليها الرحال، كما ثبتت السنة بذلك، وثبت أيضًا في السنة الصحيحة الصريحة: أن صلاة فيه خيرٌ من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام.

ثانيهما: مسجد قباء، وقد نزل فيه قول الله – تعالى -: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى…} [التوبة: 108] الآية، وفي حديث أُسيد بن ظهير الأنصاري – رضي الله عنه – عن النبي – صلَّى الله عليه وسلم – قال: ((صلاة في مسجد قباء كعمرة))؛ رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما.

وعن سهل بن حنيف – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلَّى الله عليه وسلم -: ((مَن تطهَّر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة، كان له أجر عمرة))؛ رواه أحمد والنسائي وابن ماجه وغيرهم، وهذا لفظ ابن ماجه.

النوع الثاني: مساجد المسلمين العامة في مدينة النبي – صلَّى الله عليه وسلم – فهذه لها ما لعموم المساجد، ولا يثبت لها فضل يخصها.

النوع الثالث: مسجد بُني في جهةٍ كان النبي – صلَّى الله عليه وسلم – صلَّى فيها، أو أنه هو عين المكان الذي صلى فيه تلك الصلاة؛ مثل مسجد بني سالم، ومصلى العيد، فهذه لم يثبت لها فضيلة تخصُّها، ولم يرد ترغيبٌ في قصدها وصلاة ركعتين فيها.

النوع الرابع: مساجد بدعيَّة محدثة نُسبت إلى عصر النبي – صلَّى الله عليه وسلم – وعصر الخلفاء الراشدين، واتُّخِذت مزارًا؛ مثل المساجد السبعة، ومسجد في جبل أحد، وغيرها، فهذه مساجد لا أصل لها في الشرع المطهَّر، ولا يجوز قصدها لعبادة ولا لغيرها، بل هو بدعة ظاهرة.

والأصل الشرعي: ألاَّ نعبد إلا الله، وألاَّ تعبد الله إلا بما شرع على لسان نبيِّه ورسوله محمد – صلَّى الله عليه وسلم – وإنه بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله محمد – صلَّى الله عليه وسلم – وكلام سلف الأمة الذين تلقَّوا هذا الدين عن رسول الله – صلَّى الله عليه وسلم – وبلَّغوه لنا عنه وحذَّرونا من البدع؛ امتثالاً لأمر البشير النذير – عليه الصلاة والسلام – حيث يقول في الحديث الصحيح: ((مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))، وفي لفظ: ((مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد))، وقال – عليه الصلاة السلام -: ((عليكم بسنَّتي، وسنَّة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة))، وقال: ((اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر)).

وقال – عليه الصلاة والسلام – عندما طلب منه بعض الصحابة أن يجعل لهم شجرة يتبرَّكون بها ويعلِّقون بها أسلحتهم، قال: ((الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138]، وقال – صلَّى الله عليه وسلم -: ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمَّة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة))، قيل: مَن هي يا رسول الله؟ قال: ((مَن كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)).

ونقل ابن وضاح ص9 في كتابه “البدع والنهي عنها” بسنده عن ابن مسعود – رضي الله عنه -: أن عمرو بن عتبة وأصحابًا له بنوا مسجدًا بظهر الكوفة، فأمر عبدالله بذلك المسجد فهُدِم، ثم بلغه أنهم يجتمعون في ناحية من مسجد الكوفة يسبِّحون تسبيحًا معلومًا ويهلِّلون تهليلاً ويكبِّرون، قال: فلبس برنسًا ثم انطلق، فجلس إليهم، فلمَّا عرف ما يقولون، رفع البرنس عن رأسه، ثم قال: أنا أبو عبدالرحمن، ثم قال: لقد فضلتم أصحاب محمد علمًا، أو لقد جئتم ببدعة ظلمًا… إلخ.

وحذر هو وغيره من الابتداع وحثُّوا الناس على اتباع مَن سلف، وثبت أن عمر – رضي الله عنه – قطع الشجرة التي بايع النبي – صلَّى الله عليه وسلم – أصحابه بيعة الرضوان تحتها، لما رأى بعض الناس – رضي الله عنه – يذهبون إليها، ولما رأى الناس يذهبون مذهبًا سأل عنهم، فقيل له: يذهبون يصلون في مكان صلى فيه النبي – صلَّى الله عليه وسلم – وهو في طريق الحج، غضب، وقال: إنما هلك مَن كان قبلكم بتتبُّع آثار أنبيائهم، اهـ.

ومعلومٌ أن الهدف من بناء المساجد جمع الناس فيها للعبادة، وهو اجتماع مقصود في الشريعة، ووجود المساجد السبعة في مكان واحد لا يحقق هذا الغرض، بل هو مدعاة للافتراق المنافي لمقاصد الشريعة، وهي لم تبنَ للاجتماع؛ لأنها متقاربة جدًّا، وإنما بنيت للتبرُّك بالصلاة فيها والدعاء، وهذا ابتداع واضح، أمَّا أصل هذه المساجد بهذه التسمية – أي: المساجد السبعة – فليس له سند تاريخي على الإطلاق، وإنما ذكر ابن زبالة مسجد الفتح، وهو رجل كذاب، رماه بذلك أئمَّة الحديث، مات في آخر المائة الثانية، ثم جاء بعده ابن شبه المؤرخ وذكره، ومعلوم أن المؤرخين لا يهتمُّون بالسند وصحته، وإنما ينقلون ما يبلغهم، ويجعلون العهدة على مَن حدثهم، كما قال ذلك الحافظ الإمام ابن جرير في “تاريخه”، أمَّا الثبوت الشرعي لهذه التسمية أو لمسجد واحد منها، فلم يُعرَف بسند صحيح، وقد اعتنى الصحابة بنقل أقوال الرسول – عليه السلام – وأفعاله، بل نقلوا كلَّ شيء رأوا النبي – صلَّى الله عليه وسلم – يفعله، حتى قضاء الحاجة، ونقلوا إتيان النبي – صلَّى الله عليه وسلم – لمسجد قباء كل أسبوع، وصلاته على شهداء أحد قبل وفاته كالمودع لهم، إلى غير ذلك ممَّا امتلأت به كتب السنة.

أمَّا هذه المساجد فقد بحث الحفَّاظ والمؤرِّخون عن أصول تسميتها، فقال العلامة السمهودي – رحمه الله -: لم أقف في ذلك كله على أصل، وقال بعد كلام آخر: مع أني لم أقف على أصل في هذه التسمية، ولا في نسبة المسجدين المتقدمين في كلام المطري.

أمَّا شيخ الإسلام ابن تيميَّة – رحمه الله – فيقول: والمقصود هنا أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يبنوا قط على شيء من آثار الأنبياء، مثل مكان نزل فيه أو صلى فيه أو فعل فيه شيئًا من ذلك، لم يكونوا يقصدون بناء مسجد لأجل آثار الأنبياء والصالحين، بل إن أئمَّتهم – كعمر بن الخطاب وغيره – ينهون عن قصد الصلاة في مكان صلى فيه رسول الله – صلَّى الله عليه وسلم – اتفاقًا لا قصدًا، وذكر أن عمر وسائر الصحابة من الخلفاء الراشدين عثمان وعلي وسائر العشرة وغيرهم، مثل ابن مسعود ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب – لا يقصدون الصلاة في تلك الآثار، ثم ذكر شيخ الإسلام أن في المدينة مساجد كثيرة، وأنه ليس في قصدها فضيلة سوى مسجد قباء، وأن ما أحدث في الإسلام من المساجد والمشاهد على القبور والآثار من البدع المحدثة في الإسلام، من فعل ما لم يعرف شريعة الإسلام، وما بعث الله به محمدًا – صلَّى الله عليه وسلم – من كمال التوحيد وإخلاص الدين لله، وسد أبواب الشرك التي يفتحها الشيطان لبني آدم. اهـ.

وقد ذكر الشاطبي في كتابه “الاعتصام”: أن عمر – رضي الله عنه – لما رأى أناسًا يذهبون للصلاة في موضع صلى فيه الرسول – صلَّى الله عليه وسلم -قال: إنما هلك مَن كان قبلكم بهذا؛ يتبعون آثار أنبيائهم فاتخذوها كنائس وبِيَعًا.
وقال أيضًا: قال ابن وضاح: وقد كان مالك يكره كل بدعة وإن كانت في خير؛ لئلاَّ يتَّخذ سنة ما ليس بسنة، أو يعد مشروعًا ما ليس معروفًا. اهـ.
وقال الشاطبي أيضًا – رحمه الله -: وسئل ابن كنانة عن الآثار التي تركوا في المدينة فقال: أثبت ما عندنا قباء… إلخ.

وقد ثبت أن عمر – رضي الله عنه – قطع الشجرة التي رأى الناس يذهبون للصلاة عندها؛ خوفًا عليهم من الفتنة، وقد ذكر عمر بن شبه في “أخبار المدينة” وبعده العيني في “شرح البخاري” مساجد كثيرة، ولكن لم يذكروا المساجد السبعة بهذا الاسم.

وبهذا العرض الموجز يعلم أنه لم يثبت بالنقل وجود مساجد سبعة، بل ولا ما يسمى بمسجد الفتح، والذي اعتنى به أبو الهيجاء وزير العبيديين المعروف مذهبهم، وحيث إنَّ هذه المساجد صارت مقصودة من كثيرٍ من الناس لزيارتها والصلاة فيها والتبرُّك بها، ويضلل بسببها كثير من الوافدين لزيارة مسجد الرسول – عليه الصلاة والسلام – فقصدها بدعة ظاهرة، وإبقاؤها يتعارض مع مقاصد الشريعة وأوامر المبعوث بإخلاص العبادة لله، وتقضي بإزالتها سنةُ رسول الله – صلَّى الله عليه وسلم – حيث قال: ((مَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))، فتجب إزالتها درءًا للفتنة، وسدًّا لذريعة الشرك، وحفاظًا على عقيدة المسلمين الصافية، وحماية جناب التوحيد؛ اقتداءً بالخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – حيث قطع شجرة الحديبية لما رأى الناس يذهبون إليها؛ خوفًا عليهم من الفتنة، وبيَّن أن الأمم السابقة هلكت بتتبُّعها آثار الأنبياء التي لم يؤمروا بها؛ لأن ذلك تشريع لم يأذن به الله. انتهى.

ثانيًا: وممَّا تقدَّم يُعلم أن توجُّه الناس إلى هذه المساجد السبعة وغيرها من المساجد المحدثة لمعرفة الآثار، أو للتعبد والتمسح بجدرانها ومحاربها، والتبرك بها – بدعة، ونوع من أنواع الشرك، شبيه بعمل الكفار في الجاهلية الأولى بأصنامهم، فيجب على كل مسلم ناصح لنفسه ترك هذا العمل، ونصح إخوانه المسلمين بتركه.

ثالثًا: وبهذا يعلم أن ما يقوم به بعض ضعفاء النفوس من التغرير بالحجاج والزوار، وحملهم بالأجرة إلى هذه الأماكن البدعية، كالمساجد السبعة – هو عمل محرم، وما يأخذ في مقابله من كسب حرام، فيتعيَّن على فاعله تركه؛ {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2- 3]، والله الموفق.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

ملاحظة/ وقع على هذه الفتوى:

الرئيس/ عبدالعزيز بن باز، عضو/ عبدالله بن عبدالرحمن الغديان، عضو/ بكر بن عبدالله أبو زيد، عضو/ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، عضو/ صالح بن فوزان الفوزان.

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Sharia/0/9655/#ixzz2z8nD7oJq

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *