الرئيسية » الآثار والشريعة » المزارات الطبيعية » ردَّ سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز – رحمه الله – على أحد الكتَّاب

ردَّ سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز – رحمه الله – على أحد الكتَّاب

ردَّ سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز – رحمه الله – على أحد الكتَّاب، وهو صالح جمال، حيث قال سماحته – رحمه الله -:

“فألفيت الكاتب المذكور يدْعو في مقاله المنوه عنه إلى تعظيم الآثار الإسلامية، والعناية بها؛ يخشى أن تندثر ويجهلها الناس.

ويمضي الكاتب فيقول: “والذين يزورون الآن بيت شكسبير في بريطانيا، ومسكن بتهوفن في ألمانيا، لا يزورونها بدافع التعبد والتأليه، ولكن بروح التقدير والإعجاب لما قدَّمه الشاعر الإنجليزي والموسيقي الألماني لبلادهما وقومهما مما يستحق التقدير، فأين هذه البيوت التافهة من بيت محمد، ودار الأرقم بن أبي الأرقم، وغار ثور، وغار حراء، وموقع بيعة الرضوان وصلح الحديبية؟!

إلى أن قال: ومنذ سنوات قليلة عمدتْ مصر إلى تسجيل تاريخ (أبو الهول) ومجد الفراعنة، وراحت ترسلها أصواتًا تحدث وتصور مفاخر الآباء والأجداد، وجاء السواح من كل مكان يستمعون إلى ذلك الكلام الفارغ، إذا ما قيست بمجد الإسلام، وتاريخ الإسلام، ورجال الإسلام في مختلف المجالات.

ويريد الكاتب من هذا الكلام أن المسلمين أولى بتعظيم الآثار الإسلامية كغار حراء وغار ثور، وما ذكره الكاتب معهما آنفًا من تعظيم الإنجليز والألمان للفنانين المذكورين، ومن تعظيم المصريين لآثار الفراعنة.

ثم يقترح الكاتب أن تقوم وزارة الحج والأوقاف بالتعاون مع وزارة المعارف على صيانة هذه الآثار والاستفادة منها، بالوسائل التالية:

1- كتابة تاريخ هذه الآثار بأسلوب عصري، معبِّر عما تحمله هذه الآثار من ذكريات الإسلام ومجده عبر القرون إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
2- رسم خريطة أو خرائط لمواقع الآثار في كل من مكة والمدينة المنورة.
3- إعادة بناء ما تهدَّم من هذه الآثار على شكل يغاير الأشكال القديمة، وتحلية البناء بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية على لوحة كبرى، يسجل بها تاريخ موجز للأثر وذكرياته بمختلف اللغات.

4- إصلاح الطرق إلى هذه الآثار، وخاصة منها الجبلية – كغار ثور، وغار حراء – وتسهيل الصعود إليها بمصاعد كهربائية، كالتي يصعد بها إلى جبال الأرز في لبنان مثلاً مقابل أجر معقول.
5- تعيين قيِّم أو مرشد لكل أثر من طلبة العلم، يتولى شرح تاريخ الأثر للزائرين، والمعاني السامية التي يمكن استلهامها منه بعيدًا عن الخرافات والبدع، أو الاستعانة بتسجيل ذلك على شريط يدار كلما لزمت الحاجة إليه.

6- إدراج تاريخ هذه الآثار ضمن المقررات المدرسية على مختلف المراحل. انتهى نقل المقصود من كلام صالح جمال.

ثم قال سماحة الشيخ ابن باز – رحمه الله -:

ولما كان تعظيم الآثار الإسلامية بالوسائل التي ذكرها الكاتب يخالف الأدلةَ الشرعية، وما درج عليه سلفُ الأمة وأئمتها من عهد الصحابة – رضي الله عنهم – إلى أن مضت القرون المفضلة، ويترتب عليه مشابهة الكفار في تعظيم آثار عظمائهم، وغلو الجهال في هذه الآثار، [وإنفاق الأموال في غير وجهها؛ ظنًّا من المنفق أن زيارة هذه الآثار] من الأمور الشرعية، وهي في الحقيقة من البدع المحدثة، ومن وسائل الشرك، ومن مشابهة اليهود والنصارى في تعظيم آثار أنبيائهم وصالحيهم، واتخاذها معابد ومزارات؛ رأيتُ أن أعلق على هذا المقال بما يوضح الحق، ويكشف اللبس، بالأدلة الشرعية والآثار السلفية، وأن أفصِّل القول فيما يحتاج إلى تفصيل؛ لأن التفصيل في مقام الاشتباه من أهم المهمات، ومن خير الوسائل لإيضاح الحق؛ عملاً بقول الرسول – صلى الله عليه وسلم -: ((الدين النصيحة))، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم))، فأقول والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله: قد ثبت عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رَدٌّ))؛ أخرجه الشيخان، وفي لفظ لمسلم: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد))، وفي صحيح مسلم عن جابر – رضي الله عنه – قال: كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول في خطبته يومَ الجمعة: ((أما بعد، فإن خير الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمد – صلى الله عليه وسلم – وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ بدعة ضلالةٌ))، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

وهذه الآثار التي ذكرها الكاتب، كغار حراء، وغار ثور، وبيت النبي – صلى الله عليه وسلم – ودار الأرقم بن أبي الأرقم، ومحل بيعة الرضوان، وأشباهها – إذا عظِّمتْ، وعُبِّدت طرقُها، وعملتْ لها المصاعد واللوحات، لا تزار كما تزار آثار الفراعنة، وآثار عظماء الكفرة؛ وإنما تزار للتعبُّد والتقرب إلى الله بذلك، وبذلك نكون بهذه الإجراءات قد أحدثْنا في الدين ما ليس منه، وشرعْنا للناس ما لم يأذن به الله، وهذا هو نفس المنكر الذي حذَّر الله – عز وجل – منه في قوله – سبحانه -: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21].

وحذر منه النبي – صلى الله عليه وسلم – بقوله: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد))، وبقوله – صلى الله عليه وسلم -: ((لتتبعُنَّ سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه))، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: ((فمن؟!))؛ متفق على صحته، ولو كان تعظيم الآثار بالوسائل التي ذكرها الكاتب وأشباهها مما يحبُّه الله ورسوله، لأمر به – صلى الله عليه وسلم – أو فعله، أو فعله أصحابه الكرام – رضي الله عنهم.

فلما لم يقع شيء من ذلك، عُلم أنه ليس من الدين؛ بل هو من المحدَثات التي حذر منها النبي – صلى الله عليه وسلم – وحذر منها أصحابه – رضي الله عنهم – وقد ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أنه أنكر تتبُّع آثار الأنبياء، وأمر بقطع الشجرة التي بويع النبي – صلى الله عليه وسلم – تحتها في الحديبية، لما قيل له: إن بعض الناس يقصدها؛ حماية لجناب التوحيد، وحسمًا لوسائل الشرك والبدع والخرافات الجاهلية.

ثم نقل سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز – رحمه الله – كلام العلماء في ذلك، إلى أن قال: وكلام أهل العلم في هذا الباب كثير، لا نحب أن نطيل على القارئ بنقله، ولعل فيما نقلناه كفاية ومقنعًا لطالب الحق.

إذا عرفت ما تقدم من الأدلة الشرعية وكلام أهل العلم في هذا الباب، علمتَ أن ما دعا إليه الكاتب المذكور من تعظيم الآثار الإسلامية – كغار ثور، ومحل بيعة الرضوان وأشباهها – وتعمير ما تهدم منها، والدعوة إلى تعبيد الطرق إليها، واتخاذ المصاعد لما كان مرتفعًا منها كالغارين المذكورين، واتخاذ الجميع مزارات، ووضع لوحات عليها، وتعيين مرشدين للزائرين – كل ذلك مخالف للشريعة الإسلامية التي جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وسد ذرائع الشرك والبدع، وحسم الوسائل المفضية إليها.

وعرفت أيضًا أن البدع وذرائع الشرك يجب النهي عنها، ولو حسُن قصدُ فاعلِها أو الداعي إليها؛ لما تفضي إليه من الفساد العظيم، وتغيير معالم الدين، وإحداث معابد ومزارات وعبادات لم يشرعها الله ولا رسوله – صلى الله عليه وسلم – وقد قال الله – عز وجل -: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، فكل شيء لم يكن مشروعًا في عهده – صلى الله عليه وسلم – وعهد أصحابه – رضي الله عنهم – لا يمكن أن يكون مشروعًا بعد ذلك، ولو فُتح هذا الباب لفسَدَ أمرُ الدين، ودخل فيه ما ليس منه، وأشبه المسلمون في ذلك ما كان عليه اليهودُ والنصارى من التلاعُب بالأديان وتغييرها على حسب أهوائهم واستحساناتهم وأغراضهم المتنوعة؛ ولهذا قال الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة في زمانه – رحمه الله – كلمة عظيمة، وافقه عليها أهل العلم قاطبة، وهي قوله: “لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها”، ومراده بذلك أن الذي [أصلح أولَها هو التمسكُ بكتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – والسير على تعاليمهما, والحذر مما خالفهما, ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا هذا الأمر الذي] صلح به أولُها.

ولقد صدق في ذلك – رحمه الله – فإن الناس لما غيَّروا وبدَّلوا، واعتنقوا البدع، وأحدثوا الطرق المختلفة، تفرَّقوا في دينهم، والتبس عليهم أمرُهم، وصار كل حزب بما لديهم فرحون، وطمع فيهم الأعداء، واستغلوا فرصة الاختلاف، وضعف الدين، واختلاف المقاصد، وتعصب كل طائفة لما أحدثتْه من الطرق المضلَّة، والبدع المنكرة، حتى آلت حال المسلمين إلى ما هو معلوم الآن من الضعف والاختلاف وتداعي الأمم عليهم… إلخ كلام الشيخ عبدالعزيز بن باز – رحمه الله.

كما أنني أحيل القارئ لفتوى الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم – رحمه الله – على الاستفتاء الذي وجَّهته جريدة الندوة، في عددها الصادر 20 رمضان 1383هـ. “فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم” (1/151).

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Sharia/0/9655/#ixzz2z8nD7oJq

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *