مقام إبراهيم

قال الله – سبحانه -: ﴿ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ﴾ [آل عمران: 97]، فهذه الآيات هي موضع قدميه الشريفتين اللتين ساختا في الصخرة يومَ كان يرتفع عليها حين ارتفاع البناء، وقد كان موضع أصابعه، وأخمصا قدميه واضحتين، نقل ذلك الأوائل عمَّن رآها، كابن عقيل وغيره، وقال: “فما زالت جهلة الأمة تمسحه حتى اخلولق، وقد خَشِيَ عليه بعض الحكَّام، خصوصًا بعد تصدُّعٍ جَرى في الصخرة”.

وذكر صاحب “الأعلاق النفيسة” أحمد بن عمر بن رسته: “إن ذرع المقام ذراع، والمقام مربع، سعة أعلاه أربعة عشر أصبعًا، في أربعة عشر أصبعًا، ومن أسفله مثل ذلك، في طرفيه من أعلاه وأسفله فيما مضى طوقان من ذهب، وما بين الطوقين من حجر المقام بارز لا ذهبَ عليه من نواحيه، كلها تسعة أصابع عرضًا، في عشرة أصابع طولاً، وذلك قبل أن يجعل عليه هذا الذَّهب الذي هو عليه اليوم، من عمل المتوكل على الله، وعرضُ حجر المقام من نواحيه إحدى وعشرون أصبعًا، وسطه مربع، والقدمان داخلتان في الحجر سبعة أصابع، ودخولهما منحرفتان، وبين القدمين من الحجر أصبعان، ووسطه قد استدق من التمسُّح به فيما مضى، والمقام في حوض من ساج مربع، حوله رصاص، وعلى الحوض صفائح رصاص مليس بها”؛ انتهى المقصود من نقله.

وقد قاسه من علماء العصر بالحجاز بالمقاس الحديث – السنتيمتر – الشيخ محمد طاهر بن عبدالقادر الكردي، الخطاط بالمعارف العامة بمكة، فقد قال في كتابه المسمى “مقام إبراهيم”: وأما حجم المقام الكريم فهو يشبه المكعب، ارتفاعه عشرون سنتيمترًا، وطول كل ضلع من أضلاعه الثلاثة من جهة سطحه ستة وثلاثون سنتيمترًا، وطول ضلعه الرابع ثمانية وثلاثون سنتيمترًا، فيكون مقدار مُحيطه من جهة القاعدة نحو مائة وخمسين سنتيمترًا، وفي هذا الحجر الشريف غاصت قدما خليل الله – تعالى – سيدنا إبراهيم مقدارًا كبيرًا إلى نصف ارتفاع الحجر، فعمق إحدى القدمين عشرة سنتيمترات، وعمق الثانية تسعة سنتيمترات، ولم نشاهد أثر أصابع القدمين مُطلقًا، فقد انمحى من طول الزَّمن، ومسح الناس بأيديهم، وأمَّا موضع العقبين، فلا يتضح إلا لمن دقَّق النظر والتأمل.

وحافة القدمين الملبستين بالفضة أوسع من بطنهما، من كثرة مسح الناس بأيديهم، وطول كل واحدة من القدمين من سطح الحجر والفضة سبعة وعشرون سنتيمترًا، وعرض كل واحدة منها أربعة عشر سنتيمترًا، أمَّا قياسهما من باطن القدمين، من أسفل الفضة النازلة فيهما، فطولُ كلِّ واحدة منها اثنان وعشرون سنتيمترًا، وعرض كل واحدة منهما أحد عشر سنتيمترًا.

وما بين القدمين فاصل مستدق نحو سنتيمتر واحد، وقد استدق هذا الفاصل مِن أثر مسح الناس له بأيديهم للتبرُّك، وكذلك اتَّسع طولُ القدمين وعرضهما من أعلاهما؛ بسبب المسح أيضًا، ومع أنَّه قد مر على حجر المقام أكثر من أربعة آلاف سنة، فإن معالمه وهيئة القدمين واضحة بينة، لم تتغير ولم تتبدل، وتبقى كذلك إلى يوم القيامة؛ مصداقًا لقوله – تعالى -: ﴿ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ﴾ [آل عمران: 97]؛ انتهى المقصود مما نحن بصدده.

وقد اعترف كغيره بانمحاء أكثر الآثار الهامَّة من المسح “تمسح المخرِّفين” الذين يُشرَّعُ لهم من الدين ما لم يأذن به الله، وقد حدثني شيخ سلفي تقي مأمون بخبر مؤسف من أخبار الانتهازيين الماديين المنحرفين، هو أنَّه في العهد الذي قبل العهد السعودي، كان بعض المشرفين المتصرفين في المقام وغيره يضع الماء – ماء زمرم – في موضع القدمين، ويبيع(الطاسةَ الصغيرةَ الكنديِّ الثقيلةَ)بريال فضة، فكانت الطاسة تحك بالحجر أحيانًا، وموضع الحك بها قد يشاهده من أمعن النظر فيه.

قال: وقد رأيتُ ذلك الإناء بعيني مربوطًا بسلسلة في شباك الحجر، والله أعلم بما يصنعون، نعوذ بالله من جُرم بلا عمل، ولكن الذي يؤسف له هو ضياع أكثرِ الأثر الثمين، الذي وصفه الله بأنه ﴿ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ ﴾ في سبيل المعتقدات الفاسدة والانتهازات، وكل هذا مِن ضعف التوحيد الذي جعلهم يفعلون ما لا يُؤمرون، ويرجحون مرادات أنفسهم على مُراداتِ ربِّهم العزيز الجبار الواحد القهار، ولكنَّه – سبحانه – غالبٌ على أمره، فقد سخر الدولة السعودية الحاكمة لمقدسات الإسلام في هذا العصر لكشفه وإبرازه؛ لتظهرَ آياتُ الله البينات.

فهذه الآية البينة لم تكن لغير آلِ البيت الحرام، وهي من الشواهد الأثَرية على بناء إبراهيم، ومن بناه، فهو أحقُّ بالاستقبال من غيره، وقد ذكرت ضبط مقاساته؛ خدمةً للمسلمين.

وهذا الحجر الأثري كان موقعه ملصقًا بجدار الكعبة عن يمين الباب، فقد روى البيهقي في سننه أنَّ المقام في زمن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – وزمن أبي بكر كان ملصقًا بالبيت، حتى أخره عمر بن الخطاب، وذكر ابن حجر العسقلاني في “الفتح” أنَّ المقامَ كان في عهد إبراهيم – عليه السَّلام – لزق البيت، إلى أنْ أخَّره عمر إلى المكان الذي هو فيه الآن، وذكر ابن كثير في تفسير قوله – تعالى -: ﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ [البقرة: 125] ما نصه: وقد كان هذا المقام مُلصقًا بجدار الكعبة قديمًا، ومكانه معروف اليومَ إلى جانب الباب مما يلي الحِجر – بكسر الحاء – يَمنة الداخل من الباب، في البقعة المستقلة هناك، وكان الخليل – عليه السَّلام – لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة، أو أنَّه انتهى عنده البناء، فتركه هناك، ولهذا – والله أعلم – أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف، وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم؛ حيث انتهى بناءُ الكعبة فيه، وإنَّما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب للضَّرورة، وهو أحد الأئمة المهديين، والخلفاء الراشدين، الذين أمرنا باتِّباعهم، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((اقتدوا باللَّذَيْنِ من بعدي أبي بكر وعمر))[1]، ولهذا لم ينكر أحد من الصحابة – رضي الله عنهم أجمعين.

وقد ذكر في تفسير الآية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ [النساء: 58]، في أخذ رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – مفتاح الكعبة، ودخولها، وطمس التماثيل، أنَّه أخرج مقام إبراهيم، وكان في الكعبة، فألزقه في حائطها، ثم قال: ((أيُّها الناس، هذه القبلة))… إلى آخر كلامه في تفسير هذه الآية، فليراجعه طالبُ المزيد، فإنه مختصر جدًّا.

وقد حصل خلاف هذه السنوات في تحويل المقام عن مكانه إلى ما يُعادله من الشرق؛ بسبب الضيق والازدحام، وقد أفتى أكثرُ العلماء بجوازه للضَّرورة، التي هي أشدُّ من الضرورة التي حدت بأمير المؤمنين إلى تحويله، وقد أبدوا تعليلات كافية مقنعة لكل منصف، ولكن حصلت معارضة في وقت كانت السماء كثيفةً بالغيوم، فتوقف التنفيذ إلى تحريك جديد، نرجو من الله تعجيله، ما دامت السماء صحوًا.

والمقصود أنَّ هذا الوحي المبارك أفحم اليهود، ودمغهم بالحقائق التاريخية التي يتجاهلونها؛ لتشكيك المسلمين، وبلبلة خواطرهم في معركتهم الجدلية الخبيثة الأهداف، والذين جعلوا من تحويل القبلة محورًا لجدلهم يبدؤون فيها ويعيدون، زاعمين أنَّهم ورثة إبراهيم، وأنَّ القدس هي قبلة الأنبياء أجمعين، فدحض الله شبهاتِهم بأمور لا يجهلونها، بل حتى عرب الجاهلية يعرفونها كابرًا عن كابر، وهي القداسة العظيمة والفضل الكبير للكعبة البيت الحرام، التي فيها آيات بينات في غاية الظهور، (إحداها): مقام إبراهيم الذي يعرفه حتى الجاهليون، ويحترمونه، حتى إنَّهم جعلوه داخل الكعبة، ويقول فيه أبو طالب:

فالقرآن الكريم يلمس اليهود حقيقة الأمر بطريقة حِسِّية لا تقبل الجدل والمراوغة، ويأمر محمدًا – عليه الصلاة والسلام – أن يصارحهم: ﴿ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ﴾ [آل عمران: 96 – 97]، هذه الآيات البينات العظيمة الظاهرة المحسوسة تدلُّهم على حقيقة دين إبراهيم، وأنَّه الميل عن كل شرك وهوى، وقد جرى تأكيد هذه الحقيقة مرارًا، وأوضحت هذه الآيات أنَّ الاتجاه إلى الكعبة هو الأصل الأصيل؛ لكونِها أول بيت وضع للناس قبل بيت المقدس، فلم يبقَ عند اليهود إلا العناد والاستكبار عن الحق، واستبداله بالباطل كما هي عادتهم.

________________________

[1]رواه الترمذي، وراجع “صحيح الجامع”، ح (1142).

الكاتب: الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Spotlight/0/27215/1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *