الآثار الإسلامية

الحديث عن الآثار الإسلامية حديث ظلَّ مشوقًا؛ وذلك لارتباطها بالتاريخ والحضارة الإسلامية، وما دراسة الآثار والإفادة منها إلا تحقيقٌ للتاريخ، وتجديد لذِكرى الأسلاف ودرس لتطوُّر الفنون.
وعلى ضوء دراسة الآثار، عرفْنا مدى حضارة الدول وتقدُّمِها فنيًّا، وازدهارها ماديًّا، واستقرارها سياسيًّا، ورحم الله الشريف الرضيَّ؛ إذ يقول:

تَصِفُ الدارُ لنا قُطّانَها          المعالي والمساعي والنِّجَارَا
وإذا لمْ تَدرِ ما قَومٌ مَضوا          فَسَلِ الآثارَ واستَنْبِ الدِّيارا

وهو بشِعره هذا يهيب بالناس أن يَقتبسوا تاريخ أسلافهم مِن آثارهم وأطلالهم، وكانت الفتوحات الإسلامية سببًا في نشأة العمارة الإسلامية، ولقد نجح العرب في تقريب الأقطار التي افتتَحوها؛ حيث اندمجوا مع أهل البلاد وتعلَّموا منهم الزراعة والصناعة، وذلك بعكس ما اتُّهموا به مِن أنهم لم يُمارسوا زراعة ولا صناعة، ويدحض هذا الرأيَ إجابةُ عمرو بن العاص على سؤال عمر بن الخطاب حينما سأله: من أين لك هذا؟
“وإني أُعلم أمير المؤمنين أني بأرضٍ السعر فيه رخيص، وأني أعالج مِن الحرفة والزراعة ما يعالج أهله”.
والمساجد الجامعة عند نشأتها في صدر الإسلام كانت مثالاً للبساطة لا أثر للفنِّ فيها؛ فلا زخرف، ولا حجارة، ولا بياض، ولا بلاط، ولا محاريب، ولا منارات، لكنها لم تلبث طويلاً حتى سايَرتْ سنَّة التطور، وهذا تلمسه جليًّا مِن المسجد النبوي ومسجد عمرو بن العاص، فكلاهما بُني عند إنشائه باللبن، وسُقف بالجريد، واتُّخذت عمده من جذوع النخل، ثم تدرَّجت بها أعمال الإصلاح مع الزيادة والزخرف تبعًا لاطِّراد التقدُّم والعمران، ومسايَرة التقدُّم المعماري في زخرفة المساجد وتذهيبها وكسوتها بالفُسيفِساء والرخام، وهذا أكبر برهان على نهوضهم بالعمارة والصناعة، فإنهم ما أن تمَّ لهم تمكين مُلكهم الجديد وتوطيدُه، وما أن ألقوا عصا التسيار واطمأنَّت بهم الدار، حتى نشطوا للفتح الثاني، وهو الفتح العِلمي والصناعي، فأتوا في الفتحَين – على قِصر المدة – بما لم يسبق له مثيل، مما أثار الإعجاب.
وخير دليل على جدِّهم ومَيلهم إلى طبع كل شيء بطابعهم، أنه ما انتهى القرن الأول الهجري إلا والدواوين عُرِّبت، والنقود ضُربت باللغة العربية، وانتشرت اللغة العربية، وأخذت الفنون والصناعات في الازدهار والانطباع بطابعهم.
ومما لا شك فيه أن للدولة الأموية فضلَ النهوض بالعمارة الإسلامية والوصول بها إلى مدارج الكمال؛ بما أنشؤوا من قصور في المدن وفي البادية، وبما شيدوه وجدَّدوه مِن مساجد، كالمسجد النبوي بالمدينة، والأموي بدِمشق، وقبة الصخرة والأقصى بالقدس، وعمرو بن العاص بالفُسطاط.
ولا عجب؛ فهي دولة بناء وتعمير، كان مِن أهمِّ أهدافها مُناهَضةُ الشعوب النصرانية، وإقناعها بأن المسلمين – على قِصَر مدة حكمهم – قادرون على تكوين حضارة معمارية تُضاهي حضارتهم، وأن مساجدهم فاقت معابدهم فخامةً وزخرفًا؛ حتى لا يَتيهوا على المسلمين.
وقد تجلى هدفها وتمثَّل في المسجد الأقصى، وفي قبة الصخرة، وفي الجامع الأُموي، وفي القصور التي أنشؤوها في بادية الشام.
وقد نهجت الدولة العباسية سبيل المنافسة في تشييد المنشآت المعمارية مِن مساجد وقصور، وأبدعوا فيها أيما إبداع، وكان هدفهم أيضًا هو هدف الدولة الأموية؛ ذلك أن الخليفة المأمون ردَّ على مَن انتقد إسرافه في بهرجة مُنشآته بقوله: “هذا البناء ضرب مِن مكايدنا نَبنيه، ونتَّخذ الجيوش، ونُعدُّ السلاح والكراع، وما بنا إلى أكثره من حاجة”.
ومن خصائص العمارة الإسلامية: أنها هيَّأت مُنشآت معمارية لمختلف الأغراض؛ فإنها بجانب ما أعدَّتْه مِن مُنشآت مدنية تناسب طقس كل قصر؛ فإنها أعدت بجانبها منشآت دينية كالمساجد والمشاهد والزوايا والخوانق والربط، وثقافية كالمدارس والكتاتيب، وصحية كالحمامات والمستشفيات، وحربية كالتحصينات والأسوار، وتجارية كالفنادق والوكالات، ومالية بإنشاء بيوت المال في مساجدها الجامعة، ومائية كالقناطر ومقاييس النيل والمواني.
والمساجد الجامعة وإن كان الهدف الأول مِن إنشائها هو إقامة الشعائر الدينية، فإنها ساعدت على التعارف ونشر التعليم وإذاعته، ونشر أوامر الدولة وقوانينها من فوق منابرها وعلى أبوابها، وكانت تتَّخذ كمحاكم لفضِّ المنازعات الدينية والمدنية.
وجامع عمرو بن العاص، أول جامع أنشئ بأرض مصر، أنشأه عمرو بن العاص سنة 21 هجرية 642م، وهو أقدم جامعة إسلامية نهل منها طلاب العلم والعلماء، وتناوَب التدريس فيها أجلَّة العلماء، وظلَّت حلقات الدروس فيه في ازدياد حتى بلغت في القرن الرابع الهجري نهاية القرن العاشر الميلادي 110 حلقة، فإذا قدرنا أن كل حلقة بها عشرون مستمعًا، يكون مجموع الطلبة وقتئذٍ 2200 طالب، في الوقت الذي كان فيه عدد الطلبة بالأزهر 35 طالبًا، وظلَّت الدروس فيه إلى القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي.
والجامع بحالتِه الراهنة يُمثل عمارة مراد بك سنة 1212 هـ / 1797م، وبه تفاصيل معمارية ما بين عباسية وفاطمية ومملوكية وتركية.
والجامع الطولوني المنشأ سنة 265هـ / 878م أنشأه أحمد بن طولون، وهو أقدم مسجد احتفظ بتفاصيله المعمارية، واشتمل على أجمل وأقدم مجموعة من الزخارف الخطية، ممثلةً في عقوده وفي الشبابيك وعقودها، وقد تنوعت زخارفها.
وقد امتاز بسعته، وبمنارته ذات السلَّم الخارجي التي جدَّدها الملك المنصور لاشين في عمارته الكبيرة للجامع سنة 1296 م، وهي أكبر عمارة أجريت به، ومنها المنبر الفخم الباقي إلى الآن، والقبَّة وسط الصحن.
وقد أدى رسالته العِلمية منذ نشأته، ثم سايَرَ الحركة العلمية مع المدارس عقب إصلاح لاشين له؛ حيث قرر به درسًا للطبِّ أيضًا.
أما الجامع الأزهر، فهو أول جامع أنشئ بالقاهرة، أنشأه القائد جَوهر الصقلي لسيده المعز لدِّين الله سنة 261 هـ / 972م.
وهو بحالته هذه يمثِّل حقبات التاريخ التي تعاقبت عليه ممثَّلة في أجزائه المختلفة، وقد ضمَّت أسواره الإضافات التي كانت بجواره مثل المدرسة الطبرسية والمدرستين الأقبغاوية والجوهرية.
وبابه العمومي من إنشاء الأمير عبدالرحمن كتخدا سنة 1167 هـ / 1753م، وبابه الأوسط من تجديدات السلطان قايتباي هو والمنارة الرشيقة بجواره سنة 873 هـ / 1468م، أما المنارة الضخمة مزدوجة الرأس بجوارها، فإنها مِن إنشاء السلطان الغوري سنة 915هـ / 1510م، وقد احتفظ الجامع بالكثير من زخارفه وكتاباته الفاطمية التي ترجع إلى عصر إنشائه.
ومن أعمال الأمير عبدالرحمن كتخدا توسعته الجامع بإضافة الديوان الكبير خلف المِحراب القديم سنة 1167 هـ / 1753م، وقد ظل الجامع الأزهر عماد الحركة الفكرية منذ إنشائه إلى الآن.
نشأة المدارس:
كانت مصر في القرون الخمسة الأولى للعصر الإسلامي مركزًا للعلوم، ومقصدًا للطلاب، وكانت مساجد عمرو وابن طولون والأزهر والحاكم ودار الحِكمة عامرةً بالدراسات المختلفة.
ولما قامت الدولة الأيوبية، قضى سلاطينها – وكانوا شافعيةً – على التشيُّع، وأنشؤوا المدارس لفقهاء الشافعية والمالكية، وكان لصلاح الدين يوسف بن أيوب أكبر الفضل في إنشاء المدارس وانتشارها في أنحاء مصر.
وكان للإسكندرية فضل السبق في إنشاء المدارس؛ فقد أنشأ ابن السلار مدرسة فيها سنة 456 هـ / 1151م، كما أنشأ الوزير رضوان بن الولخشي مدرسة سنة 548هـ / 1153م.
وفي الوقت الذي أُعدت فيه المدرسة لتؤدَّى فيها الشعائر الدينية، وُجدت كل تفاصيل المسجد، وفقط اختلف تصميمها وألحقَت بها مساكن للطلبة وقبَّة لدفْن المُنشِئ؛ مثل مدارس السلطان حسن، ومدرسة برقوق وغيرهم، فإنها أُعدَّت أيضًا لتكون مراكز ثقافة، ومنها ما خُصِّص لدراسة مذهب واحد أو لعدة مذاهب، ومنها ما خُصِّص لدراسة الحديث الشريف أو لعلوم القرآن، وزوِّدت تلك المدارس بمَكتبات قيِّمة، وعُيِّن لها المدرسون والأطباء والمعيدون والمشرفون، ورُصدت لها المرتبات والهِبات في المواسم والأعياد.
وإن القاهرة لتزدان بعدد عظيم مِن تلك المدارس، تُطاول السماء بمناراتها وقبابها المنقوشة، والتي لا نظير لها في العالم الإسلامي؛ أمثال: المدارس الصالحية، ومدرسة قلاوون، ودار الحديث الكاملية، والظاهر برقوق، والشرف برسباي، والغوري، وقايتباي، وغيرهم كثير، هذا عدا ما أُنشئ في الصعيد وفي الوجه البحريِّ.
وللسيدات أثر مشكور في المشاركة في هذا المضمار الخيري منذ الدولة الفاطمية؛ فأنشأن من أموالهن الخاصة المساجد والخوانق والربط؛ لإقامة النساء المنقطعات أو المُطلَّقات حتى يعدْنَ لأزواجهنَّ، والعذارى حتى يتزوجن إقامةً كريمةً مع تثقيف دينيِّ؛ فهي بمثابة دور كفالة المرأة.
لم تقف رسالة الآثار عند هذا الحدِّ؛ فهي أيضًا مدرسة جامعة للفنون، فقد نشأت فيها الصناعات والفنون، ونمَت وتدرَّجت معها، وسايرتها في تطوُّرها ورقيِّها ثم في انحطاطها؛ وذلك لأن كافة الفنون والصناعات ممثلة فيها ينهل منها المهندس والفنان والصانع.
وقد امتازت دور مصر بطابعها وتصميمها ومشربياتها اللطيفة، وكان مُهندسها موفَّقًا في توفير وسائل الراحة فيها صيفًا وشتاءً، فالدار بحوشها الفسيح وحدائقها بمثابة “فلتر” لها، يُمتع سكانها بدخول الهواء والنور والشمس لجميع أجزاء المنزل؛ أمثال: منازل جمال الدين الذهبي بحارة خشقدم السحيمي بالدرب الأصفر، والكرتيلة بجوار الجامع الطولوني.
وتلك الدور بألوانها، وسقوفها، ورخام أراضيها، ووزراتها، وقاشاني جدرانها، ومقتنياتها، وتطعيم دواليبها وكراسيها، وزخارف الخرط في أخشابها ومشربياتها، وزجاج شبابيكها الملوَّن، والمياه المتدفِّقة مِن نوافيرها على رخام فساقيها، كل هذا يتجاوب مع ألوان السجاد ورسومه، ووسائد المخمل ونقوشها؛ مما يبعَث على الهدوء وسحْر الخيال.
إن الآثار الإسلامية في مصر غنيَّة بمظاهرها وفنونها، بَهِجة بألوانها، ممتازة على مثيلاتها في أقطار العالم.
الكاتب: حسن عبدالوهاب

رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Culture/0/50313/#ixzz2z8nsJHT7

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.