أحكام التبرُّك

تعريف التبرُّك لغةً: يقالُ: تَبَرَّكَ يَتَبَرَّكُ تَبَرُّكًا. مأخوذ من البَرَكَةِ. وأصل البركة: النَّماء والزيادة.
شرعًا: طَلَبُ الخيرِ الكثيرِ وطَلَب ثَباتِه ولُزُومِه.
والبركة بمعناها العام: هي زيادة ونماء في شيءٍ يريده المتبرِّك في تَبَرُّكه بما تَبَرَّكَ به.
وهذه البركة قد تكون في ذوات، وقد تكون في صفات، وقد تكون في أمكنة، وهذا على مُقْتَضَى وُرُودها اللُّغوي.
أدلــــــة ذلك:
دليل أن البركة قد تكون في الذوات قوله تعالى: {وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ} [الصافات: 113].
ودليل البركة قد تكون في الأمكنة قوله تعالى: {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا} [فصلت: 10].
وقوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا} [المؤمنون: 29].
ودليل أن البركة قد تكون في الصِّفات قوله تعالى: {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور: 61].
وقوله تعالى: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} [الأنبياء: 50].
ممن تكون البركة؟
النصوص من القرآن والسنَّة دَلَّت على أن البركة من الله عز وجل، فهو وحدَه الذي يبارك، ولا تُطلب البركة إلا منه جلَّ وعلا. وهو يضعها فيمن شاء من خلقه، وفيما شاء من بَريته، قال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الملك: 1]، وقوله تعالى: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54]، وقوله تعالى: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14]. ولفظ «تبارك» لم يَرِدْ في كتاب الله إلَّا مُسْنَدًا إلى الله تعالى، وهي صفة مفيدة أعظم أنواع معنى البركة، وأكثرها نفعًا، وأعمها متعلقًا وأثرًا، فالبركة وكثرة الخير ولزومه وثباته وزيادته لا تكون إلا لِمَن بيده الأمر كله، وهو الله وحدَه.
وعليه: فلا يجوز لمخلوقٍ أن يقولَ: باركت على الشيء، أو أبارك فعلكم؛ لأن البركة لا تكون من المخلوق، بل هي من الخالق عز وجل. والله عز وجل جعل هناك:
1- بركة عامة: يحصل بها النفع والخير والنماء.
وهذه البركة قد تحصل في وقت دون وقت, وفي نوع دون نوع.
ومنها:
أ- أن المطر مبارَك لِمَا يحصل به من زيادة في معايش الناس وزرعهم ونماء في ذلك.
قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ} [ق: 9].
ب- ومن ذلك مُباركته تبارك وتعالى في الأرض, قال تعالى: {مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الأعراف: 137].
ج- ومنها أيضًا مباركته لِما يأتي من السماء وما يخرج من الأرض؛ كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 96].
وجعل أيضًا:
2- بركة خاصــــــة:
أعطاها الله عز وجل لأصناف من خلقه، فمن ذلك:
أ – الأنبياء والرسل؛ كما قال تعالى: {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} [هود: 73]. وهذه الآية كانت في إبراهيم عليه السلام وأهل بيته.
وقال في نوح عليه السلام: { اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ} [هود: 48].
وقال في عيسى عليه السلام: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ} [مريم: 31].
ب – ومن ذلك وضع البركة في أماكن معينة، كالمسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا } [آل عمران: 96].
وقال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1].
وقال صلى الله عليه وسلم: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ, وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى». متفق عليه(1).
ج – إخباره تبارك وتعالى عما أنزله من الذِّكر أنه مُبَارَكٌ، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29] فالقرآن الحكيم ذِكر مبارك، وتَدَبُّرُ آياته عملٌ مبارك، ومن هذا التدبرِ علومُ القرآن. والسنَّةُ مُبَيِّنَةٌ لِمُجْمَل القرآن، وهي مباركة، وعلومهما الناشئة عنهما مباركة.

البركة في مواردها من الكتاب والسنة قسمان:
الأول: بركــة ذات:
1- وأثرها أن يكون ما اتصل بتلك الذات مباركًا، وهذا النوع لا يكون إلا للأنبياء والمرسَلِينَ، لا يُشارِكهم فيه غيرُهم، حتى أكابر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كأبي بكر وعمر وعثمان وعليٍّ رضي الله عنهم أجمعين.
2- ولا يتعدى أثر بركة الأنبياء إلا لمن كان على هَدْيِهِم مُسْتَنّ بسنتهم ومُنْتَه عند نهيهم، لذا فصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم تتعدَّ إليهم بركتُه في معركة أُحُد حين خالفوا أمره وعَصَوْهُ.
الثاني: بركة عمل واتباع:
وهي عامة لكل مَن وافق عملُه سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل مسلم فيه بركة عمل مقدَّرة بقدر اتباعه وموافقته لأمر الله ونهيه. ولذا جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه(2) قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَإِنَّ مِنَ الشَّجَرِ لَمَا بَرَكَتُهُ كَبَرَكَةِ الْمُسْلِمِ». فلكل مسلمٍ بركةٌ بقدره، ولكنها ليست بركة ذات، وإنما بركة عَمَل بما معه من الإيمان والتعظيم لله تعالى والاتباع لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولا تنتقل هذه البركة من شخص إلى آخرَ.
وبهذا تجتمع النصوص: فما كان من الأنبياء صلوات الله عليهم فهو مما اجتمع فيه نَوْعَا البركة، وما كان من غيرهم فهم مما بورك فيهم بركة عمل وعلم واتباع.
لذا قال أُسَيْد بن حُضَيْر رضي الله عنه في سبب مشروعية التيمم: «لقد بارَكَ اللهُ للناسِ فيكم يا آلَ أبي بَكْرٍ» أخرجه البخاري في التفسير من صحيحه(3).
واللفظ المروي عند الشيخين البخاري ومسلم(4): «مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أبي بَكْرٍ». ومعنى اللفظين واحد.
ومن ذلك أيضًا ما قالته عائشة رضي الله عنها لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم جُوَيْرِيَة بنت الحارِثِ، قالت: «فما رأيتُ امرأةً كانت أعظم بركةً على قومِها منها». أخرجه أحمد في المسند، وأبو داود في السنن بإسناد جيد(5).
فهذه بركة عمل، لتزوج النبي صلى الله عليه وسلم بها، فكان سبب ذلك عِتْق كثير من قومها.

أنـــــــــواع التـــــــــبرك:
أولا: تبرك مشروع، أو يقال: التبرك بأمر شرعي. وله عدة أنواع:
أ – التبرك بذات النبي -¬صلى الله عليه وسلم- وآثاره.
النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا شك مبارك في ذاته وآثاره، كما كان مباركًا في أفعاله؛ فقد ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم تبركوا بذاته وآثاره الحسية المنفصلة منه في حياته، وأقرهم الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولم ينكر عليهم.
الأدلة على ذلك:
فقد تبركت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بيده الشريفة كما جاء هذا في صحيح البخاري (كتاب الطب) (6) عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يَنْفُثُ على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوِّذات، فلما ثَقُلَ كنتُ أنفُثُ عليه بهنَّ، وأمسَحُ بيده نفسَه لِبَرَكَتِها.
وكان الصحابة يمسحون بيديه صلى الله عليه وسلم، ويضعونها على وُجُوهِهِم رَجاءَ بَرَكَتِها، كما ثبت ذلك في الصحيحين.
وكانوا يتبركون بشعره صلى الله عليه وسلم، كما فعل في الحج حين حلق شعره صلى الله عليه وسلم ووزعه بينهم، وفي رواية عن أنس رضي الله عنه قال: «لقد رأيتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- والحلاقُ يَحْلِقُهُ، وأطافَ به أصحابُه، فما يُرِيدُونَ أنْ تَقَعَ شعرةٌ إلا في يَدِ رَجُلٍ»(7).
وثَبَتَ أيضًا أنهم تَبَرَّكُوا بعَرَقِهِ صلى الله عليه وسلم؛ فقد جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقَالَ عِنْدَنَا، فعَرِقَ، وجاءتْ أُمِّي بقَارُورةٍ فجَعَلَتْ تَسْلِتُ العَرَقَ فيها، فاستيقظ النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، مَا هَذَا الَّذِي تَصْنَعِينَ؟». قالت: هذا عَرَقُكَ نَجْعَلُه في طِيبِنا، وهو من أَطْيَبِ الطِّيبِ. وفي رواية أخرى: ففزع النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «مَا تَصْنَعِينَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟». فقالت: يا رسول الله، نَرْجُو بَرَكَتَه لِصِبياننا. قال: «أَصَبْتِ»(8).
وفي رواية: فكانت تَجْمَعُ عَرَقَهُ فتجعله في الطِّيب والقَوَارِيِر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، مَا هَذَا؟». قالت: عَرَقُكَ أَدُوفُ به طِيبِي(9).
وتبركوا بريقه صلى الله عليه وسلم؛ فقد جاء عن أبي موسى رضي الله عنه قال: «وُلِدَ لي غُلامٌ، فأتيتُ به النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فسَمَّاهُ إبراهيمَ، فحَنَّكَهُ بتَمْرَةٍ، ودعا له بالبركةِ ودَفَعَه إليَّ. وكان أكبرَ ولدِ أبي موسى(10).
وما جاء في الحديث الذي رواه جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- يوم حفر الخندق ورأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خمصًا، فدعاه وقال: تعالَ أنت في نَفَرٍ معَك. وذلك لقلة طعامِه، فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «يَا أَهْلَ الخَنْدَقِ، إِنَّ جَابِرًا قَدْ صَنَعَ لَكُمْ سُورًا، فَحَيَّ هَلًا بِكُمْ». وقال لجابر: «لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ». فجاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعمد إلى البُرْمَةِ فبَصَقَ فيها وبارَكَ، وبَصَقَ في العَجِين وبارَكَ. ويقول جابر رضي الله عنه: وهم أَلْفٌ، فأُقْسِمُ باللهِ لَأَكَلُوا حتى تركوه وانحرفوا وإن بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كما هي وإنَّ عَجِينَنَا -أو كما قال الضَّحَّاك- لَيُخْبَزُ كما هو(11).
كما ثبت أنهم تَبَرَّكُوا بنُخَامَتِه -صلى الله عليه وسلم- من حديث المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ، وفيه قول عُرْوَة بن مسعود الثَّقَفِيّ حين قال: فواللهِ ما تَنَخَّمَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- نُخامةً إلا وَقَعَتْ في كفِّ رَجُلٍ منهم فدَلَكَ بها وَجْهَهُ وجِلْدَه، وإذا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وإذا توضأ كادوا يَقْتَتِلُونَ على وَضُوئِهِ… (12).
تحقيق حديث ما جاء من شرب دم الرسول صلى الله عليه وسلم:
جاء في حديث عبد الله بن الزبير أنه قال: احتجم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأعطاني الدم فقال: «اذْهَبْ فَغَيِّبْهُ». فذهبتُ فشَرِبْتُه، فأتيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال: «مَا صَنَعْتَ؟». قلتُ: غَيَّبْتُه. فقال: «لَعَلَّكَ شَرِبْتَهُ؟». قلت: شَرِبْتُه. قال: «مَنْ أَمَرَكَ أَنْ تَشْرَبَ الدَّمَ؟! وَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ، وَوَيْلٌ لِلنَّاسِ مِنْكَ».
التحقيق: هذا الحديث أخرجه البزار والطبراني وأبو نُعيم وغيرهم من طريق هُنَيْد بن القاسم عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن عبد الله بن الزبير. وسكت عنه الحاكم والذَّهَبي، وهنيد بن القاسم ترجمه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل لم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا. وقد قال ابن حَجَر في التلخيص الحَبير: وفي إسناده هنيد بن القاسم، ولا بأس به، ولكنه ليس بالمشهور بالعلم.
وهنا إذا سكت ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل فإن هذا لا يدل على تعديله كما قال أبو غُدَّة وغيره، ولكن يبقى في حيز المجهول.
وله شاهدان من حديث سفينة أخرجه البزار من طريق إبراهيم بن عمر بن سفينة عن أبيه عن جده. وسفينة هذا مولى النبي صلى الله عليه وسلم، وسنده ضعيف؛ ففيه إبراهيم، ضعفه النسائي والدارقطني وقال: لا يتابع على حديثه. وجاء عن ابن عباس عند ابن حبان، والحديث من الأحاديث الموضوعة كما قال ابن حبان، والذي يظهر أن الحديث لا يصح.
وأعظم بركة نالها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتِّباعُه -صلى الله عليه وسلم- والافتداء به والسير على مِنهاجه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع فتاويه (11/ 113): «كما كان أهل المدينة لما قدم عليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في بركته لما آمنوا به وأطاعوه، فببركة ذلك حصل لهم سعادة الدنيا والآخرة، بل كل مؤمن آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم وأطاعه حصل له من بركة الرسول صلى الله عليه وسلم بسبب إيمانه وطاعته من خير الدنيا والآخرة ما لا يعلمه إلا الله». انتهى كلامه رحمه الله.
وما سبق من الأدلة يدل دلالة واضحة قطعية أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مبارك الذات، مبارك الصفات، مبارك الأفعال، وهذه البركة فيه -صلى الله عليه وسلم- أعلى ما يهبه الله بشرًا من رسله.
سؤال:هل يتبرك بآثاره المكانية،كمكان سار فيه، أو بقعة صلى فيها، أو أرض نزل بها؟
أجاب عن هذا فضيلة الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله قائلا:
«لم يُعرف دليل شرعي يومئ أو يشير إلى أن بركة بدن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد تعدت إلى هذا المكان فكان مباركًا ويُشْرَع التبرك به، لذا لم يكن صحابته -رضوان الله عليهم- يفعلون هذا في حياته ولا بعد مماته، فما سار فيه النبي صلى الله عليه وسلم، أو نزل فيه فلا يجوز التبرك به؛ لأن هذا وسيلة إلى تعظيم البِقاع التي لم يُشْرَعْ لنا تعظيمها, ووسيلة من وسائل الشرك، وما تتبع قوم آثار أنبيائهم إلا ضلوا وهلكوا».
قال المعرور بن سويد الأسدي: خرجت مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من مكة إلى المدينة، فلما أصبحنا صلى بنا الغداة، ثم رأى الناس يذهبون مذهبا فقال: أين يذهب هؤلاء ؟ قيل: يا أمير المؤمنين، مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم هم يأتون ويصلون فيه. فقال: إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، يتبعون آثار أنبيائهم فيتخذونها كنائس وبِيَعًا، من أدركته الصلاة في هذه المساجد فليصلِّ، ومن لا فلْيَمْضِ، ولا يتعمدها. أخرجه سعيد بن منصور في سننه، وابن أبي شيبة في المصنف (2/376)، ومحمد بن وضاح القرطبي في البدع والنهي عنها، ص41، وقال الشيخ صالح آل الشيخ: بإسناد صحيح.
فهذا القول للخليفة الراشد عمر رضي الله عنه الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ جَعَلَ الحَقَّ عَلَى قَلْبِ عُمَرَ وَلِسَانِهِ». أخرجه أحمد عن ابن عمر بإسناد صحيح في مسنده (2/ 95)، وأبو داود في سننه برقم (2962), ورواه أحمد عن أبي هريرة وجمع عن هؤلاء وغيرهم من الصحابة.
ولا شك أنه من الحق الذي جعله الله على لسان عمر رضي الله عنه في نهيه عن تتبع آثار الأنبياء.
وقال ابن وضاح في رسالة البدع والنهي عنها ص 41:
«فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين، فقد قال بعض من مضى: كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكرا عند من مضى، ومتحبب إليه بما يبغض عليه، ومتقرب إليه بما يبعده منهم، وكل بدعة عليها زينة وبهجة».
فالمقصود من هذا أن السلف كانوا ينكرون التبرك بالآثار المكانية والتعلق بها رجاء بركتها. ولم يخالف في ذلك من الصحابة إلا ابن عمر رضي الله عنه، فقد كان يتتبع الأماكن التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي حيث صلى ونحو ذلك.
وابن عمر -رضي الله عنه- لم يفعل هذا طالبًا لبركة المكان، بل كان يطلب بركة الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله. فما كان فعله قصدا للتبرك بالبقعة كما يفهمه المتأخرون، بل قصد تمام الاقتداء.
ثانيا: هذا الفعل لم يفعله غيره من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ولم يوافقوه عليه، بل إن أباه نهى الناس عن تتبع الآثار المكانية، وقوله مقدم على رأي ابنه عند الخلاف باتفاق، وهو خلاف لا يقوم مع مقابلة اتفاق عمل الصحابة على ترك ما فعله ابن عمر رضي الله عنه. ولا شك أن الصواب والحق مع عمر -رضي الله عنه- وبقية الصحابة، وهو الحري بالاتباع، والفاصل عن النزاع. والله أعلم». انتهى كلامه رحمه الله (زاد الداعية، ص 536).
مسألة: هل يتبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم بعد موته؟
إذا ثبت أنها آثاره صحيحة للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه يجوز. ولا دليل يثبت هذا؛ إذ إن اليقين بصحة هذه الآثار الموجودة ذهب مع انقراض قرن الصحابة رضي الله عنهم, وعليه فإن الجواب الواقعي اليوم أنه لا يجوز.
ثانيا: من أنواع التبرك المشروع:
التبرك بالأقـــــــــــوال والأفعال:
بالأقوال: كالقرآن والدعاء ونحو هما.
قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ…} الآية [ص: 29].
فمن بركته أن من أخذ به حصل له الفتح، فأنقذ الله به أمما كثيرة من الشرك.
ومن بركته أن الحرف الواحد بعشر حسنات, قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ: (ألم) حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ». صحيح الترغيب (2/161).
ومن بركته أنه يقدم صاحبه على الناس في الإمامة؛ لحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ…» الحديث. رواه مسلم (673).
يُقَدَّمُ صاحبه على غيره في اللحد, كما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقول لقتلى أُحُد: «أَيُّ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟». فإذا أُشير له إلى رجلٍ قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ قبلَ صاحبه. وقال جابر: فكُفِّن أبي وعمي في نَمِرَةٍ واحدةٍ. صحيح البخاري. (كتاب الجنائز: 1348).
ومن بركته أيضا أن الله تعالى يرفع صاحبه درجة بكل آية يحفظها في الدنيا، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْقَ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا». رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه وصححه الألباني (2/165).
ومن بركته أيضا أن الله تعالى جعل في قراءته شفاء للمؤمنين، سواء من الأمراض الحسية أو المعنوية، قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82].
ومن بركته شفاعته لأصحابه يوم القيامة؛ جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ» صحيح الترغيب (2/164).
وزيادة الإيمان عند تلاوته، وانشراح الصدر وطمأنينة القلب. قال تعالى: {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: 2].وغير ذلك كثير.
ومن التبرك بالأفعال:
الشهادة في سبيل الله، والإنفاق في سبيل الله، والإحسان إلى من شرع الإحسان إليه.
ثالثا: من أنواع التبرك المشروع:
التبرك بالهيئات المشروعة:
مثل التبرك بهيئة شرعية، كالاجتماع على الطعام والأكل من جوانب القصعة، ولعق الأصابع، وكيل الطعام.
قال صلى الله عليه وسلم: «اجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ» صحيح الترغيب (2/499). وقال صلى الله عليه وسلم: «الْبَرَكَةُ تَنْزِلُ فِي وَسَطِ الطَعَامِ، فَكُلُوا مِنْ حَافَتَيْهِ وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ» صحيح الترغيب (2/499). وأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بلعق الأصابع وقال: «فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيَّتِهِنَّ الْبَرَكَةُ» صحيح الترغيب (2/511).
وقال صلى الله عليه وسلم: «وَإِذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْهَا الْأَذَى، وَلْيَأْكُلْهَا وَلا يَدَعُهَا لِلشَّيْطَانِ». وأمرنا أن نسلت القصعة فقال: «فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيِّ طَعَامِكُمُ الْبَرَكَةُ» صحيح مسلم (5274).
وقال صلى الله عليه وسلم: «كِيلُوا الطَّعَامَ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ». رواه البخاري (4/434).
رابعًا: التبرك بالمطعومات والمشروبات وما في حكمها كالعسل وزيت الزيتون واللبن، والتمر، والحبة السوداء، والكمأة:
عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَكَلَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِمَّا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حِينَ يُصْبِحُ، لَمْ يَضُرَّهُ سُمٌّ حَتَّى يُمْسِيَ». رواه مسلم (13/231).
وفي رواية أخرى عند مسلم أيضا: «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتِ عَجْوَةٍ، لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ».
وعن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ».
وللفائدة نذكر تعليق النووي على هذا الحديث:
«قال أبو عبيد وكثيرون: شبهها بالمنِّ الذي كان ينزل على بني إسرائيل لأنه كان يحصل لهم بلا كُلْفَة ولا علاج، والكمأة تحصل بلا كلفة ولا علاج ولا زرع ولا بذر ولا سقي ولا غيره.
وقوله: «مَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ» هو نفس الماء مجردًا، وقد رأيت أنا وغيري في زماننا من كان عَمِيَ وذهب بصرُه حقيقةً فكحل عينيه بماء الكمأة مجردًا فشُفِيَ وعاد إليه بَصَرُه، وهو الشيخ العدل الأيمن الكمال بن عبد الله الدِّمَشْقِي صاحب صلاحٍ وروايةٍ للحديث، وكان استعماله لماء الكمأة اعتقادًا في الحديث وتبركًا به، والله أعلم». انتهى كلام النووي رحمه الله، شرح صحيح مسلم للنووي (13/234).
وجاء في زيت الزيتون قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ». صحيح الترغيب (2/498).
كما جاء في اللبن قوله صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ سَقَاهُ اللهُ لَبَنًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ، فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ شَيْئًا يُجْزِئُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَّا اللَّبَنَ». السلسلة الصحيحة (2956).
وجاء في الصحيحين قوله صلى الله عليه وسلم في الحبة السوداء: «الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ» أي الموت.
وقد ثبت أيضًا بركة ماء زمزم، فهو ماء مبارك يُستشفى به من الأمراض، ويُستغنى به عن الطعام، ويُستجاب عنده الدعاء لمن صَدَقَ مع الله.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ مَاءٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَاءُ زَمْزَمَ، فِيهِ طَعَامُ الطُّعْمِ، وَشِفَاءُ السُّقْمِ…» صحيح الترغيب (2/ 40).
وعن جابر رضي الله عنه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» صحيح الترغيب (2/ 41).
وثبت أيضًا بركة أكلة السَّحَر:
جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قوله: «تَسَحَّرُوا؛ فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً» صحيح الترغيب (1/ 619).
وقوله عليه الصلاة والسلام: «السُّحُورُ كُلُّهُ بَرَكَةٌ، فَلَا تَدَعُوهُ، وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ» صحيح الترغيب (1 / 621).
خامسا: التـــــــبـرك بالأزمنة:
مثل رمضان – وليلة القدر – وثُلُث الليل الآخر – والإثنين والخميس – ويوم الجمعة – وعشر ذي الحجة.
ومعنى كون الزمان مباركًا أي أن مَن تَعَبَّدَ الله فيها ورجا خَيْرَه وفضله فإنه ينال من كثرة الثواب ما لا يناله في غيرها من الأزمنة.
فجاء في فضل رمضان وليلة القدر:
قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، و«مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». متفق عليه.
وجاء في فضل يوم الجمعة:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلَى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الكَبَائِرُ». رواه مسلم، صحيح الترغيب (1 / 583).
وجاء في فضل ثلث الليل الآخر :
عن عمرو بن عَبَسَة -رضي الله عنه- أنه سمِع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ» صحيح الترغيب (1/ 401).
وجاء عن أبي الدَّرْدَاءِ -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللهُ، وَيَضْحَكُ إِلَيْهِمْ، وَيَسْتَبْشِرُ بِهِمْ….. وذكر منهم «وَالَّذِي لَهُ امْرَأَةٌ حَسَنَةٌ وَفِرَاشٌ لَيِّنٌ حَسَنٌ، فَيَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَقُولُ: يَذَرُ شَهْوَتَهُ وَيَذْكُرُنِي، وَلَوْ شَاءَ رَقَدَ…» رواه الطبراني في الكبير – صحيح الترغيب (1 / 401- 402).
وجاء في فضل الإثنين والخميس:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» صحيح الترغيب (1 / 604).
وفي رواية عند مسلم: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ». وَقَدْ ثَبَتَ عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يَتَحَرَّى صوم الإثنين والخميس». صحيح الترغيب (1 / 605).
وجاء في فضل العشر من ذي الحجة:
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ». يعني أيام العشر، قالوا: يا رسولَ اللهِ، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «وَلَا الجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ». صحيح الترغيب (2 / 31).
سادسًا: من أنواع التبرك المشروع، التبرك بالأمكنة:
مثل المسجد الحرام، ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى.
قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96] وقال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء: 1] وقال صلى الله عليه وسلم: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدُ الحَرَامُ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالمَسْجِدُ الأَقْصَى». متفق عليه.
ما معنى بركة الأمكنة ؟
معنى كون الأرض مباركة أي: أن يكون فيها خيرٌ كثيرٌ ملازمٌ لها، فيكون هذا أشجع لأن يلازمها أهلها الذين جاءوا من أجل العبادة فيها.
وهذا لا يعني أبدًا أن يتمسح بأرضها وحيطانها ونحو ذلك اعتقادًا أن البركة سوف تنتقل إليهم من هذا الذي تمسحوا به، فلا بد أن يفهم أن بركة الأماكن، أو بركة الأرض هي بركة من جهة المعنى، لا من جهة الذات، بمعنى أن البركة فيها تكون بِتَعَلُّقِ القلوب بهذه الأماكن وبكثرة الخير والأجر والثواب الذي يكون لِمَن جاءها وتَعَبَّدَ الله بها، فهذه هي البركة المقصودة.
أدلته: الله -عز وجل- جَعَلَ الكعبة مباركة، ولكن الكعبة بذاتها لا تخلق البركة، والذي شرفها بالبركة هو الله عز وجل
فكيف تحصل البركة بالكعبة؟ بما يناله المسلمون من الأجر العظيم حين يطوف المسلمون بها ويصلون عندها ويجعلونها قبلتهم.
عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ» صحيح الترغيب (2/28).
وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ لَمْ يَرْفَعْ قَدَمًا، وَلَمْ يَضَعْ قَدَمًا، إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ حَسَنَةً وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً وَكَتَبَ لَهُ دَرَجَةً» رواه الحاكم وصححه الألباني (2/27).
الحجر الأسود: هو حَجَر مبارك ولكن بركته تعبدًا لله، أي مَنِ استلمه مُتَعَبِّدًا لله تعالى مطيعًا مقتديا بالرسولِ -صلى الله عليه وسلم- في استلامه له وتقبيله إياه، فإنه ينال بركة عظيمة بهذا الاقتداء وهذا الاتباع.
وقد قال عمر -رضي الله عنه- حين قَبَّلَ الحجر الأسود: «إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ».
ما معنى مقولة عمر رضي الله عنه: «أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ»؟
أي أنه لا يجلب لمن قَبَّلَهُ شيئًا من النفع ولا يدفع عنه شيئًا من الضرّ، وإنما الحامِلُ على التقبيل هو الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم، أي تعبدًا لله تعالى، بالتالي تحصل بركته بالأجر الذي يناله هذا المستلم والمقبِّل لهذا الحجر.
قال صلى الله عليه وسلم: «وَاللهِ لَيَبْعَثَنَّهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ عَلَى مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ» صحيح الترغيب (2/28).
وقال صلى الله عليه وسلم: «مَسْحُ الحَجَرِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِي يَحُطُّ الخَطَايَا حَطًّا» صحيح الترغيب (2/27).
تعليق لسماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- على مسألة التمسح بجدران الكعبة والحجر ونحوه:
قال: «التمسح بالكعبة ومسح الخدود عليها ومسحها بالكفوف ثم مسح الصدر أو الجسد أو الأطفال فهذه بدعة بكل حال؛ لأنه لم يَرِدْ ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وليعلم أن المقصود من مسح الحجر الأسود والركن اليماني هو التعبد لله تعالى بمسحهما, لا التبرك بمسحهما، خلاف ما يظنه الجهلة؛ إذ إنه فعل ليس بمشروع، وهو اعتقاد لا أصل له، ففرق بين التعبد والتبرك.
والمقصود في مسح الكعبة والحجر هو التعبد وليس التبرك، وغاية ما ورد في هذا الأمر هو الالتزام، بحيث يضع الإنسان صدره وخديه ويديه على الكعبة بين الحجر الأسود والباب، وليس في جميع جوانب الكعبة.
والدليل على أن المقصود التعبد المحض دون التبرك قول عمر رضي الله عنه حين قبَّل الحجر، قال: «إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ¬-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ». انتهى كلامه رحمه الله بتصرفٍ.
ومن الأماكن المباركة: مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ -رضي الله عنه- قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كنا عند السُّقيا التي كانت لسعد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ دَعَاكَ لِأَهْلِ مَكَّةَ بِالْبَرَكَةِ، وَأَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ أَنْ تُبَارِكَ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ، مِثْلَ مَا بَارَكْتَ لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَاجْعَلْ مَعَ البَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ». صحيح الترغيب (2 / 57).
وجاء في رواية للبيهقي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَمُوتَ بِالمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ، فَإِنَّهُ مَنْ مَاتَ بِالمَدِينَةِ شَفَعَتْ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» صحيح الترغيب (2 / 53).
كما جاء عنه -صلى الله عليه وسلم- في ذكر بركة بعض الأماكن أيضا:
1- وادي العقيق: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي وَأَنَا بِالْعَقِيقِ أَنْ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي المُبَارَكِ» والعقيق: ببطن وادي ذي الحُلَيْفَة، الذي هو مِيقات أهل المدينة.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: دعا نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَيَمَنِنَا» صحيح الترغيب (2 / 58).
وجاء أيضا في فضل مسجد قباء وزيارته:
عن سهل بن حُنَيْف -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءٍ، فَصَلَّى فِيهِ صَلَاةً، كَانَ لَهُ كَأَجْرِ عُمْرَةٍ» صحيح الترغيب (2 / 48). وفي رواية عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يزور قباء، أو يأتي قباء راكبًا وماشيًا. زاد في رواية: فيصلي فيه ركعتين. رواه البخاري ومسلم.

القسم الثاني من التــــــــــــــبرك:
التـــــــــــــــــبرك الممنوع:
وينقسم من حيث حكمه إلى قسمين:
أ) تبرك شركي. ب) تبرك بِدعي.
التبرُّك الشِّركي: هو أن يعتقد المتبرك أن المتبَّرك به (وهو المخلوق) يهب البركة بنفسه، فيبارك في الأشياء بذاته استقلالًا؛ لأن الله تعالى هو وحده موجِد البركة وواهبها، فقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «الْبَرَكَةُ مِنَ اللهِ». فطلبها من غيره واعتقاد أن غيره يهبها بذاته شِرك أكبر.
كالتبرك بقبور الأنبياء والصالحين والأولياء والتمسح بهذه القبور والعكوف عندها اعتقادًا في بركتها.
التبرك البدعي: وهو التبرك بما لم يَرِدْ دليل شرعي يدل على جواز التبرك به، معتقدًا أن الله جعل فيه بركة، أو التبرك بالشيء الذي ورد التبرك به في غير ما ورد في الشرع التبرك به فيه.
حكمه: هذا بلا شك محرم؛ لأن فيه إحداث عبادة لا دليل عليها من كتاب أو سُنَّة؛ لأنه جعل ما ليس سببا سببا، فهو من الشرك الأصغر، ولأنه يؤدي إلى الوقوع في الشرك الأكبر.
وينقسم التبرك البدعي إلى ثلاثة أقسام:

مخطط التبرك 1

أولا: التبرك بالأولياء والصالحين:
التبرك بالذوات لا يكون إلا لمن نص الله -عز وجل- على إعطائه البركة؛ كالأنبياء والمرسلين.
أما غير الأنبياء والمرسلين من عباد الله الصالحين فبركتهم بركة عمل، أي ناشئة عن علمهم وعملهم واتباعهم، لا عن ذواتهم. فمن بركات الصالحين دعوتهم الناس إلى الخير، ودعاؤهم لهم، ونفعهم، فالعبد يكون مباركًا إذا أصلحه الله وهداه ونفع به العباد، كما قال الله -عز وجل- عن عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه السلام: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ} [مريم: 30، 31].
أما التبرك بأجساد الصالحين وآثارهم، كالتمسح بهم، أو لبس ثيابهم، أو الشرب بعد شربهم طلبًا لبركتهم، أو تقبيل قبورهم والتمسح بها؛ فكل هذا يعتبر من صور التبرك البِدعي، حيث لم يرد عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من التابعين أنهم تبركوا بأحد من الصالحين، فلم يتبركوا بأفضل هذه الأُمَّة بعد نبيها, وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ولا بغيره من العشرة المُبَشَّرِينَ بالجنة، ولا بأحد من أهل البيت ولا غيرهم، ولو كان خيرًا لَسَبَقُونا إليه؛ لِحِرْصِهِم الشديد على فعل جميع أنواع البرّ والخيرِ.
وقد أجمعوا كلهم على ترك التبرك بجسد أو آثار أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدل هذا على عدم مشروعية هذا التبرك.
ولا يجوز أن يُقاس على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحد من البشر؛ لوجوه، منها:
عدم المقاربة، فضلا عن المساواة للنبي -صلى الله عليه وسلم- في الفضل والبركة، فليس أحد من الأولياء أو الصالحين يقاس برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في فضله أو بركته.
عدم تحقق الصلاح، فإنه لا يتحقق إلا بصلاح القلب، وهذا أمر لا يمكن الاطلاع عليه إلا بنص؛ كالصحابة الذين أثنى الله عليهم ورسوله، أو أئمة التابعين ومن اشتهر بصلاح ودين، كالأئمة الأربعة ونحوهم من الذين تشهد لهم الأئمة بالصلاح، أما غيرهم فغاية الأمر أن نظن أنهم صالحون فنرجو لهم.
لو ظننا صلاح شخص، فلا نأمن أن يختم له بخاتمة سوء والعياذ بالله، والأعمال بالخواتيم، فلا يكون أهلا للتبرك بآثاره .
أن الصحابة ¬رضي الله عنهم- لم يكونوا يفعلون هذا مع غير رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لا في حياته ولا بعد موته، ولو كان خيرًا لَسَبَقُونا إليه.

القسم الثاني من التبرك الممنوع:
التبرك بالأزمان والأماكن والأشياء التي لم يرد في الشرع ما يدل على مشروعية التبرك بها:
أمثلة ذلك:
الأماكن التي مر بها النبي صلى الله عليه وسلم، أو تعبد لله فيها اتفاقًا من غير قصد لها لذاتها، وإنما لأنه كان موجودًا في هذه الأماكن وقت تعبده لله تعالى بهذه العبادة، ولم يرد دليل شرعي على فضلها، مثل جبل ثور – غار حراء – المساجد السبعة – شجرة الرضوان – ونحوها…
التبرك ببعض الأحجار والأشجار والأعمدة والعيون والآبار التي يظن العامة أن لها فضلا؛ إما لظنهم أن أحد الأنبياء والأولياء وقف على ذلك الحجر، أو لاعتقادهم أن نبيًّا نام تحت تلك الشجرة، أو اغتسل من ذلك البئر، أو أن شخصا اغتسل منها فشفي من مرضه، ونحو ذلك.
كل هذه محرم بإجماع أهل العلم، ولا يفعله إلا الجهَّال؛ لأنه إحداث عبادات ليس لها أصل في الشرع، وهو من أعظم أسباب الوقوع في الشرك الأكبر.
ومن المعلوم في دين الله تعالى: أنه ليس هناك حجر أو غيره يشرع مسحه أو تقبيله تبركًا، حتى مقام إبراهيم الخليل -عليه السلام- لا يُشْرَعُ تقبيلُه مطلقًا، مع أنه وقف عليه وأثرت فيه قدماه، وهذا كله قد أجمع عليه أهل العلم.
وليعلم أن مسح الحجر الأسود وتقبيله، وكذلك مسح الركن اليماني أثناء الطواف هو من باب التعبد لله تعالى واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. (وقد تقدم البسط في هذه المسألة).
القسم الثالث من التبرك الممنوع:
التبرك بالأماكن والأشياء الفاضلة وتخصيصها بما لم يرد في الشرع:
وردت نصوص شرعية كثيرة تدل على فضل وبركة بعض الأماكن والأزمنة: (كالكعبة – والمساجد الثلاثة – وليلة القدر – وشهر رمضان – ويوم عرفة)، وبركة بعض الأشياء: (كماء زمزم – والسحور للصائم – ونحو ذلك).
والتبرك بهذه الأشياء يكون بفعل العبادات وغيرها مما ورد في الشرع ما يدل على فضلها فيها، ولا يجوز التبرك فيها بغير ما ورد. وعليه: فإن كل من تبرك بها بتخصيصها بعبادات أو تبركات معينة لم يرد في الشرع ما يدل على تخصيصها بها فقد خالف المشروع وأحدث بدعة لا أصل لها في الدين.
أمثلة: تخصيص ليلة القدر بعمرة، تخصيص كل ليلة من ليالي رمضان بعمرة.
أو كمن يتبرك بالكعبة ويتمسح بها من جميع جوانبها، أو بجدران المسجد الحرام أو المسجد النبوي وأعمدتهما، ونحو ذلك، ومثله أيضا من يتبرك بأحجار أو تراب من المواضع الفاضلة فيتمرغ فيه، أو يجمعه ويحتفظ به، كل هذا من البدع المحدثة، وهذا كله محرم.
مسألة: ما حكم التبرك بالقبور؟ وتحت أي قسم من أقسام التبرك يندرج ؟
إذا اعتقد المتبرك أن لصاحب القبر تأثيرا أو قدرة على جلب منفعة أو دفع مضرة فهذا شرك أكبر.
وإذا لم يعتقد هذا الاعتقاد ففعله محرم ونوع من الشرك؛ لأنه إثبات تأثير شيء لم ينزل الله به من سلطان، ولم يكن من عادة السلف الصالح أن يفعلوه، فيكون بدعة محدثة. فتاوى أركان الإسلام للشيخ ابن عثيمين ص (168) بتصرف.
قواعد عامة في التبرك:
1- التبرك عبادة، والعبادة توقيفية على ما جاء في الكتاب والسنة وفعل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح مسلم: «أَمَّا بَعْدُ،، فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».
2- أن البركة كلها من الله تعالى، كما أن الرزق والنصر والعافية من الله، فلا تُطلب هذه البركة إلا من الله. وطلبها من غير الله شرك.
3- أن البركة لا تحصل إلا لسببها المشروع.
4- أن ما ورد شرعًا أن فيه بركة من الأعيان، والأقوال، والأفعال، إنما هو سبب للبركة وليس هو مصدرها.
5- أن الذي يدل على وجود البركة من عدمها بسبب شيء أو في شيء إنما هو الدليل الشرعي فحسْب.
6- أن القاعدة العامة في التبرك الممنوع: (جعل ما ليس سببًا سببًا). وهو على قسمين:
أ – ينافي أصل التوحيد: حين يتعلق به، ويعتمد عليه بذاته في جلب هذه البركة.
ب – ينافي كمال التوحيد: حين يعتمد على الله ولكنه يجعل ما ليس سببًا سببًا.
هذا والله أعلم.

مخطط التبرك
_____________________

(1) أخرجه البخاري (2/ 60، رقم 1188)، ومسلم (2/ 1014، رقم 1397).
(2) (7/ 80، رقم 5444).
(3) (6/ 51، رقم 4608).
(4) صحيح البخاري (1/ 74، رقم 334)، وصحيح مسلم (1/ 279، رقم 367).
(5) مسند أحمد (43/ 385، رقم 26365)، وسنن أبي داود (4/ 22، رقم 3931).
(6) صحيح البخاري (7/ 134، رقم 5751).
(7) أخرجه مسلم (4/ 1812، رقم 2325).
(8) أخرجه مسلم (4/ 1815، رقم 2331).
(9) أخرجه مسلم (4/ 1816، رقم 2332).
(10) أخرجه البخاري (7/ 83، رقم 5467)، ومسلم (3/ 1690، رقم 2145).
(11) أخرجه البخاري (5/ 108، رقم 4102)، ومسلم (3/ 1610، رقم 2039).
(12) أخرجه البخاري (3/ 193، رقم 2731).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.