الرئيسية » المواقع الأثرية » آثار مكة والمدينة » حكم شد الرحال لزيارة القبور

حكم شد الرحال لزيارة القبور

الزيارة الشرعية للقبور: هي ما كانت على هَدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث كان يزور البقيع في أي وقت تَيسَّر له ذلك من ليل أو نهار، فيذهب إلى البقيع ويُسلِّم على أهله ويدعو لهم ويستغفر لهم، ولم يعرف عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه شدَّ الرحال إلى زيارة القبور ولا أَمر به ولا أقره من أحد.

       بل لم يكن هذا معروفًا في عهده ولا في عهد الخلفاء الراشدين ولا الأئمة المهديين. فالثابت عنه -صلى الله عليه وسلم- النهي عن شَدِّ الرحال لزيارة القبور، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى»(1).

وعَنْ قَزَعَةَ، قَالَ: أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى الطُّورِ، فَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ” لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَدَعْ عَنْكَ الطُّورَ، فَلَا تَأْتِهِ”(2).

قال شيخ الإسلام رحمه الله: “فقد فَهِم الصحابي الذي روى الحديث أن الطور وأمثاله من مقامات الأنبياء، مندرجة في العموم، وأنه لا يجوز السفر إليها، كما لا يجوز السفر إلى مسجد غير المساجد الثلاثة. وأيضًا فإذا كان السفر إلى بيت من بيوت الله -غير الثلاثة- لا يجوز، مع أن قَصْدَه لأهل مِصْرِه يجب تارة، ويُستحب أخرى، وقد جاء في قصد المساجد من الفضل ما لا يحصى- فالسفر إلى بيوت  عباده أولى أن لا يجوز”(3).

ونص العلماء على أن مَن نذر الصلاة في مسجد غير أحد هذه المساجد الثلاثة أو زيارة مقبرة تحتاج إلى شد الرحال فإنه لا يجب عليه الوفاء بل لا يجوز له؛ لأن ذلك مما نُهِى عنه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ».

وارتكاب ما نهي عنه النبي صلى الله عليه وسلم معصية لقوله صلى الله عليه وسلم:«مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلاَ يَعْصِهِ»(4).

 فمن شدَّ الرحال إلى غير المساجد الثلاثة أو إلى شيء من القبور حتى قبره -صلى الله عليه وسلم- أو مسجد قباء وغيره بأن أنشأ سَفرًا خاصًا لذلك مُعتقدًا أن ذلك سُنَّة أو أنه من فضائل الأعمال فقد جانب الصواب وخالف السنة وتكلَّف ما لم يُؤمَر به لا سيما أن المطلوب التزام سنته واتباع هديه في كل صغيرة وكبيرة.

وأما شد الرحال إلى ما سِوى ذلك لزيارة الصالحين والأقارب والأصدقاء والسفر لطلب العلم والتجارة والسياحة ونحو ذلك مما لا يعد تعظيمًا فليس منهيا عنه بل هو مأمور به؛ لأن شدَّ الرحال في مثل هذه الأمور تترتب عليه مصالح عظيمة ومنافع كثيرة؛ لأن كثيرًا من قضاء المصالح لا تحصل إلا بشد الرحال والتنقل في الأقطار ونحو ذلك فكان ذلك مباحًا ومطلوبا.

زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم.

اختلف أهل العلم في حكم زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم على أقوال فمنهم من قال أنها مستحبة. ومنهم من قال أنها سنة مؤكدة، ومنهم من قال بوجوبها، والراجح أنها مستحبة. فإذا كانت زيارة القبور مستحبة، فقبر الرسول من باب أولى، ولكن بشرط ألا تُشدُّ إليه الرحال بل تُشد إلى مسجده صلى الله عليه وسلم ثم تكون عندئذ زيارة قبره الشريف.

ولزيارة قبره صلى الله عليه وسلم آداب هي:

1- أن يأتي إلى القبر، وأن يُسلِّم كما كان السلف يُسلِّمون، بلا صُراخ ولا ضجيج، ويكون مُستقبلاً القبر، فيسلم ويقول:السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته صلى الله وسلم عليك وعلى آلك وأصحابك، ويدعو له: جزاك الله عن الأمة خيرًا، أشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده .

2- لا يُسن له أن يُكرِّر زيارة القبر، قال شيخ الإسلام رحمه الله: “كره مالك رحمه الله، وغيره من أهل العلم، لأهل المدينة كلما دخل أحدهم المسجد أن يجيء فيسلم على قبر النبي وصاحبيه”(5).

3- لا يجوز له أن يطوف بقبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويُكرَه إلصاق البطن والظهر بجدار القبر، ويكره مسحه باليد وتقبيله، بل الأدب أن يَبعُد منه كما يبعد منه لو حضر في حياته صلى الله عليه وسلم، هذا الذي قاله العلماء، واتفقوا عليه”(6).

4- وعليه ألا يستقبل القبر حينما يدعو لنفسه، قال شيخ الإسلام: “إذا سلم عليه، وأراد الدعاء لنفسه، لا يستقبل القبر بل يستقبل القبلة”(7).

فتوى للشيخ ابن باز رحمه الله في هذا الشأن

 السؤال: إذا سافر الإنسان إلى المدينة المنورة فهل يلزمه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه رضي الله عنهما أم لا؟ وإذا أراد السلام عليهم فما هي الطريقة الصحيحة لذلك. أقصد: هل لا بد من المبادرة بالسلام عليهم، أو أنه لا بأس من تأخيره؟ وهل لا بد من الدخول من خارج المسجد ليكونوا عن يمينه أو لا بأس بسلامه عليهم وهو خارج المسجد وهُم بذلك سيكونون عن شماله؟ وما هي الصيغة الشرعية للسلام؟ وهل يتساوى في ذلك الرجل والمرأة؟ أرشدونا جزاكم الله خيرًا.

 الجواب: السُّنَّة لمن زار المدينة المنورة أن يبدأ بالمسجد النبوي، فيصلي فيه ركعتين والأفضل أن يكون فِعْلُهن في الروضة النبوية إذا تيسر ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ»(8).

ثم يأتي القبرَ الشريف فيُسلِّم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه: أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، من قِبَل القَبْلة، يستقبلهما استقبالًا، وَصْفُة أن يقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، وإن زاد فقال: صلى الله وسلم عليك وعلى آلك وأصحابك، وجزاك الله عن أمتك خيرًا، اللهم آته الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، فلا بأس. ثم يتأخر عن يمينه قليلًا، فيسلم على الصديق فيقول: السلام عليك يا أبا بكر ورحمة الله وبركاته رضي الله عنك، وجزاك عن أمة محمد خيرًا، ثم يتأخر قليلًا عن يمينه ثم يسلم على عمر رضي الله عنه مثل سلامه على الصديق رضي الله عنهما.

وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى»(9).

وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا المَسْجِدَ الحَرَامَ»(10) متفق عليه.

وثبت -عنه صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «زُورُوا الْقُبُورَ؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ»(11). وكان عليه الصلاة والسلام يُعلِّم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَلَاحِقُونَ، أَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ»(12).

وهذه الزيارة خاصة بالرجال. أما النساء فلا تجوز لهن زيارة القبور؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- لعن زائرات القبور، ويدخل في ذلك قبره -صلى الله عليه وسلم- وغيره، لكن يُشرَع للرجال والنساء جميعًا الإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كل مكان لعموم قول الله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا»(13). 

والأحاديث في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة.

ولا حرج على النساء في الصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم وغيره من المساجد، لكن بيوتهن خيرٌ لهن وأفضل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ»(14)؛ ولأن ذلك أستر لهن وأبعد عن الفتنة منهن وبهن والله الموفق”(

فتوى للشيخ ابن عثيمين  في حكم شد الرحال لزيارة قبور الأنبياء والصالحين

س: في حضرموت يذهب الناس في وقت محدود من كل سنة إلى زيارة أحد القبور، يقولون: إنه قبر النبي هود، الكائن في شعب هود، وهناك تتم الصلاة، وتتم الزيارة والقراءة، والبيع والشراء فما حقيقة ذلك، وهل قبر النبي هود هناك أم لا؟

ج: لا شك أن هودًا -عليه الصلاة والسلام- كان في الأحقاف، كان منزلهم هناك، بعثه الله إلى قومه هناك، ولكن لا يُعلَم قبره ولا يُدرَى عنه. وليس هناك ما يدل على وجوده، فالذين يقصدون قبرًا هناك، ليس معهم حُجَّة على أنه قبر هود.

ولا يُحفَظ قبرٌ معلوم للأنبياء سوى قبر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو المحفوظ في المدينة، وهكذا قبر إبراهيم في المغارة التي في الشام في محله المعروف هناك، من دون أن يعلم عينه، لكنه موجود في المغارة المعروفة هناك في الخليل، وأما بقية الأنبياء فلا تعلم قبورهم، لا هود ولا صالح ولا نوح ولا غيرهم، كلهم لا تعلم قبورهم. فمن زعم أن قبر هود في بقعة معينة هناك، وأشار إليه بأنه في المحل المعين، فليس حجة، وليس معه دليل، فقبور الأنبياء لا تعرف، ما عدا قبر نبينا صلى الله عليه وسلم وقبر إبراهيم عليه الصلاة والسلام.

ثم لو فرضنا أنه صحيح، وأنه قبر هود فإنه لا يجوز شد الرحال إليه، للسلام عليه أو الصلاة عنده أو غير ذلك. لكن لو مر إنسان به وهو يعلم أنه قبره، وسلم عليه فلا بأس كما يُسلِّم على نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. أما أن يزار بشد الرحال فلا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى»(16)، فلا يشد الرحال لقبر أي أحد، لا قبر هود ولا غيره.

ثم لو فُرِض أنه مر عليه وزاره، فليس له أن يصلي عند قبره؛ لأن الصلاة لا تجوز عند القبور، فالرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، قال: «أَلاَ وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ أَلاَ فَلاَ تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ»(17). فالصلاة عند القبر اتخاذ له مسجدًا فلا يجوز الصلاة عند القبور، ولا اتخاذها مساجد.

ولو فَرضنا أنه عُلِم قبر هود أو غيره، فلا يجوز للمسلمين أن يشدوا الرحال من أجل زيارة القبور، لا قبر هود ولا غيره، وليس للمسلمين أيضا أن يصلوا عند القبور، ولا أن يتخذوا عليها مساجدَ؛ لأن الرسول زجر عن ذلك عليه الصلاة والسلام فقال: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، قالت عائشة رضي الله عنها:«يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا»(18).

وقال أيضا عليه الصلاة والسلام: «أَلاَ وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ أَلاَ فَلاَ تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ»(19)، فصرَّح صلى الله عليه وسلم أنه ينهى عن اتخاذ القبور مساجد، والصلاة عندها اتخاذ لها مساجد، فلا يجوز لأي مسلم أن يفعل ذلك.

فلا يشد الرحل إلى قبر أيا كان ولا يصلي عنده، أما إذا مر عليه أو صار في البلد وزاره للسلام على القبور هذا سنة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمِ الْآخِرَةَ»(20)‏، لكن من دون شد رَحْل، ومن دون أن تتخذ مساجد ويصلى عندها، أو تتخذ مِحل القراءة والدعاء، لا، بل يزورها ويسلم على المقبورين، ويدعو لهم وينصرف.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا، إِنْ شَاءَ اللهُ لَلَاحِقُونَ، أَسْأَلُ اللهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ»(21)، وفي لفظ: « وَيَرْحَمُ اللهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ»(22). هذه هي السنة أن تُزارَ القبور، من دون شد رَحْل ويُدعى لهم، ويسلم عليهم، يُدعَى لهم بالرحمة والمغفرة، ولك معهم.

وفي زيارة القبور ذِكرى وعظة، فإن الزائر يتذكر الموت، وما بعد الموت ويعتبر. ويدعوه هذا إلى إعداد العُدَّة والتأهب إلى الآخرة. أما اتخاذها مساجد أو اتخاذها محلا للدعاء والقراءة، فهذا لا يجوز، فهي ليست محلا للدعاء ولا القراءة، ولا الصلاة، ولكن يسلم عليهم ويدعو لهم في عرض السلام، ويكفي ذلك، كما علَّمنا الرسول صلى الله عليه وسلم، وبين لنا وحَذَّرنا من خلاف ذلك، فشد الرحال إلى القبور منكر، ولا يجوز، وهكذا الصلاة عندها واتخاذها مساجد، والبناء عليها واتخاذ القباب عليها، كل هذا منكر.

ولا ينبغي لك أيها السائل، ولا لغيرك أن يَغتر بالناس، فإن أكثر الناس اليوم ليس عندهم بصيرة، وإنما تحكمهم العاداتُ وما ورثوه عن الآباء والأجداد، فاتخاذ المساجد على القبور اليوم في بعض الدول الإسلامية، واتخاذ القباب عليها كله منكر، هو من وسائل الشرك، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا قال: ««لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»(23)، يحذر من أعمالهم، وكذلك نهى عن تجصيص القبور والقعود عليها، والبناء عليها، فلا يجوز أن تجصص ولا أن يبنى عليها، لا قبة ولا غيرها ولا يتخذ عليها مسجد؛ لأن هذا كله مصادم لما جاء عنه عليه الصلاة والسلام، ولأنه أيضا وسيلة من وسائل الشرك، والغلو في القبور.

فالواجب على رؤساء الدول الإسلامية أن يزيلوا ما على القبور من أبنية من قباب ومساجد، وأن تكون القبور بارزة ليس عليها قبة وليس عليها مسجد، هذا هو الواجب في جميع الدول الإسلامية. الواجب عليهم جميعا أن يبرزوا القبور، وأن يزيلوا ما عليها من مساجد وقباب وأبنية، طاعة لله وللرسول صلى الله عليه وسلم، وامتثالا لأمره، وعملاً بشرعه عليه الصلاة والسلام.

وأيضا في ذلك سد ذرائع الشرك وحسم موادها؛ لأن الناس إذا رأوا قبرا مُشيَّدًا مُعظَّمًا بالقباب والبناء والفرش غَلَت فيه العامة، وظنت أنه ينفع ويضر، وأنه يستجيب الداعي، وأنه يشفي المريض، وأنه يتوسط بينه وبين الله، فيقع الشرك بالله نعوذ بالله، كما قد وقع لعباد القبور في الزمن الأول، فإنهم عظموا القبور، وزعموا أنها لهم شفعاء عند الله، ودعوهم واستغاثوا بهم، وهذا هو الشرك الأكبر، نسأل الله العافية.

وهذا واقع اليوم في كثير من البلاد الإسلامية، واقع فيها هذا الغلو في القبور، كما يقع في مصر عند قبر البدوي والحسين وغيرهما، وكما يقع في الشام عند قبر ابن عربي وغيره، وكما يقع في العراق عند قبر موسى الكاظم، وأبي حنيفة وغيرهما، وكما قد يقع من بعض الجهال عند قبر النبي في المدينة عليه الصلاة والسلام، فبعض الجهال من الحجاج والزوار، قد يقع منهم الشرك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: يا رسول الله اشف مريضي، انصرني، المدد المدد، اشفع لي، وهذا لا يجوز لا مع النبي ولا مع غيره من الأموات، عليه الصلاة والسلام، وإنما هذا في حياته، في حياته يقال: اشفع يا رسول الله، يعني ادع لنا، وهكذا، يوم القيامة إذا قام الناس من قبورهم يأتيه المؤمنون ويسألونه أن يشفع لهم إلى الله حتى يحكم بينهم وحتى يدخلوا الجنة. أما بعد الموت وقبل البعث في حال البرزخ فلا يطلب منه شفاعة، ولا يجوز أن يطلب منه المدد، ولا غوث ولا نصر على الأعداء؛ لأن هذا بيد الله سبحانه وتعالى، ليس بيد الأنبياء ولا غيرهم، بل النصر والشفاء للمرضى والغوث، والمدد كله بيد الله سبحانه وتعالى. وهكذا قد يقع من بعض الجهلة عند قبر خديجة في المعلاه في مكة المكرمة إلا إذا لوحظوا ووجهوا وبُيِّن لهم ما يجب عليهم.

فأنت أيها السائل ينبغي لك أن تحذر هذه المسائل، وأن تكون على بينة وأن تعلم أن القبور، لا قبر هود ولا غيره، لا يجوز أن تتخذ معابد ولا مصلى ولا مساجد، ولا أن تُدعَى مع الله، ولا يستغاث بأهلها ولا يطاف بقبورهم، ولا أن يبنى عليها قبة، ولا أن تفرش ولا أن تطيب، كل هذا لا يجوز؛ لأنه من وسائل الشرك، ودعاء الميت وطلب الغوث منه، والمدد وشفاء المريض، وهذا كله شرك بالله عز وجل.

وأجاب الدكتور سليمان الغصن على سؤال :

ألقى أحد الدعاة عندنا درسًا وأجاز فيه شد الرحال لقبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ولآل البيت، وقد قال إن شيخ الإسلام ابن تيمية وعلماء السعودية أخطؤوا في هذه المسألة، والصحيح جواز ذلك، واحتج بما يأتي:

1-  أنه قد ورد الحديث الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- الإذن بزيارة القبور، فقال:«إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمِ الْآخِرَةَ»([24])، والحديث مطلق.

2-  جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى»([25])، وهذا الحديث مُقيِّد للحديث السابق، وهذا النوع من الاستثناء يُسمَّى عند أهل العربية بالاستثناء المفرغ لوجود النفي مع حذف المستثنى منه، لذلك فالمستثنى منه محذوف مقدر.

فإذا ثبت هذا فإن المستثنى منه في الحديث المذكور آنفًا تقديره هو “البقعة” أي: “لا تُشدُّ الرحال إلى أي بُقعَة إلا المساجد الثلاثة.”

ولكن ورد حديث في المسند أن: “أَبا بَصْرَةَ الْغِفَارِيَّ، لَقِيَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَهُوَ جَاءٍ مِنَ الطُّورِ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَالَ: مِنَ الطُّورِ صَلَّيْتُ فِيهِ قَالَ: أَمَا لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَرْحَلَ إِلَيْهِ مَا رَحَلْتَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ” لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى”([26]) والحديث صحيح.

ففهم الصحابة من هذا الحديث أنه لا يحوز شد الرحال لمكان يُصلَّى فيه مع الاعتقاد أن لهذا المكان بركة كما في الحديث”أقبلت من الطور صليت فيه” . فيكون هذا الحديث مخصصا للمستثنى المحذوف ذو التقدير العام إلى تقدير وهو”أي بقعة يراد منها الصلاة لبركة فيها”.

وذلك خلافاً لكلام ابن تيمية وعلماء السعودية الذين يمنعون شَدَّ الرحال إلى القبر. ومما سبق تبين أن من أراد شد الرحل للقبر من أجل الزيارة لا من أجل الصلاة فيؤجر على هذا، ولاشيء فيه.

ولو قلنا بقولهم فأولاً: لا دليل عليه، وثانيا: فبناءً على كلامهم فلا يجوز السفر-شد الرحل- لبلد بعينها من أجل السياحة، أو من أجل التجارة أو لمن أراد أن يرجع لموطنه ومسقط رأسه و غير ذلك.

3-أن النبي -صلى الله عليه وسلم- زار قبر أمه وقال: «…وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي»([27]). وقد سافر من أجل الزيارة لبُعْد القبر عن المدينة.

4-كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يزور شهداء أُحُد الموجودين خارج المدينة.
فأرجو الرد المفصل والشافي على هذه المسألة، أثابكم الله.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فيمكن الرد على ما جاء في السؤال من مغالطات بما يلي:
1-أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى  في الأحاديث الصحيحة عن إعمال المطي وعن السفر إلا إلى المساجد الثلاثة: المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى.
2-أنه إذا لم يُشرَع السفر إلى المساجد وهي أحب البقاع إلى الله إلا ما استثني في الحديث فلأن يُمنَع السفر إلى غيرها على سبيل القربة أولى.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “والمساجد يُؤمَر بقصدها، ويسافر إلى بعضها، ويَجب السفر إلى بعضها، فإذا كانت لا يشرع السفر منها إلى غير الثلاثة، فغير المساجد أولى أن لا يشرع السفر إليها. ولهذا لم يقل أحد من علماء الإسلام إنه يسافر إلى زيارة القبور ولا يسافر إلى المساجد…”([28]).

3-أن السفر للسياحة أو التجارة لا يدخل في النهي المفهوم من الحديث؛ لأن المقصود بالحديث سفر الطاعة الذي يراد به قصد البقعة تقرّباً إلى الله تعالى، فالسفر للسياحة أو التجارة يدخل في المباح في الأصل.

4- أن زيارة النبي -صلى الله عليه وسلم- قبر أمه لم تحصل بشَدِّ رَحْل وسفر إليها وإنما زار قبرها وهو في طريقه لما فَتَح مكة…”([29]).

 5-  أن زيارة شهداء أُحُدٍ الموجودين خارج المدينة لا يُعدُّ سفراً؛ لأن قبورهم قريبة منها، فالذهاب إلى قبورهم لا يُعَدُّ سفراً.

6-وبهذا يتبين أن قوله صلى الله عليه وسلم: “«لاَ تُشَدُّ الرِّحَالُ … »([30]) نَهْيٌ يقتضي التحريم، ولا مُخصِّصَ له غير ما جاء في الحديث نفسه. والله أعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

______________________________________

(1)  أخرجه البخاري 2/60، رقم 1189، ومسلم 2/1014، رقم 1397.

(2)  أخرجه الأزرقي فى أخبار مكة 2/65، والفاكهي فى أخبار مكة 2/87، رقم 1193. وصححه الألباني فى أحكام الجنائز 226، وإرواء الغليل 3/231.

(3)  اقتضاء الصراط المستقيم 2/183.

(4)  أخرجه البخاري 8/142، رقم 6696

(5)  اقتضاء الصراط المستقيم 2/241، وانظر الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض 2 / 87، 88.

(6)  انظر الإيضاح، للنووي، ص 456.

(7)  الفتاوى الكبرى: 27 / 30، 31.

(8)  أخرجه أحمد 18/153-154، رقم 11610.

(9)  أخرجه أحمد 12/116، رقم 7191، 13/165، رقم 7736، 39/270، رقم 23850، وأبو داود 2/216، رقم 2033، والنسائي 2/37، رقم 326، وابن ماجه 1/425، رقم 1409.

(10)  أخرجه البخاري 2/60، رقم 1190، ومسلم 2/1012، رقم 1394، 2/1013، رقم 1395.

(11)  أخرجه ابن ماجه: 1/ 500، رقم 1569.

(12) أخرجه مسلم 2/295، رقم 2956.

(13) أخرجه مسلم 1/306، رقم 408.

(14)  أخرجه أحمد 9/ 337، رقم 5468، وأبو داود 1/ 155، رقم 1569.

(15)  مجموع فتاوى ابن باز 17/413.

(16)  أخرجه أحمد 12/116، رقم 7191، 13/165، رقم 7736، 39/270، رقم 23850، وأبو داود 2/216، رقم 2033، والنسائي 2/37، رقم 326، وابن ماجه 1/425، رقم 1409.

(17)  أخرجه مسلم 1/377، رقم 531.

(18)  أخرجه البخاري 1/95، رقم 435، 436، ومسلم 1/377، رقم 531.

(19)  أخرجه مسلم 1/377، رقم 531.

(20)  أخرجه أحمد: 2/397- 398، رقم 1236.

(21) صحيح مسلم 2/295، رقم 2956.

(22)  أخرجه مسلم 2/669، رقم 974.

(23) أخرجه البخاري 2/88، رقم 1330،  ومسلم في صحيحه 1/377، 529.

(24)  أخرجه أحمد: 2/397- 398، رقم 1236.

(25)  أخرجه أحمد 12/116، رقم 7191، 13/165، رقم 7736، 39/270، رقم 23850، وأبو داود 2/216، رقم 2033، والنسائي 2/37، رقم 326، وابن ماجه 1/425، رقم 1409.

(26) أخرجه الإمام أحمد في المسند : 39/270، رقم 23850. وصححه الألباني فى أحكام الجنائز 1/266، وحسنه فى إرواء الغليل 3/230.

(27) أخرجه مسلم 2/760، رقم 976 .

(28) قاعدة عظيمة ص 94 – 95.

(29) انظر: الرد على الأخنائي ص 249.

(30)  أخرجه البخاري 2/60، رقم 1189، ومسلم 2/1014، رقم 1397.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *