التوسل المشروع والتوسل الممنوع

فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي – قسم العقيدة (ص: 359)

س 45: سئل الشيخ: ما حكم لو قلت في دعائي “إلهي أسألك بأعز من ناجاك وأفضل من دعاك أن تمطر على قلوبنا من سحائب عطفك، وشآبيب رضوانك. فهل هذا الدعاء جائز؟ .

فقال الشيخ -رحمه الله -: “الحمد لله وبعد، فإن هذا الذي ذكر في هذا الدعاء “إلهي أسألك بأعز من ناجاك..” إلخ لا يجوز بل هو مكروه؛ لأنه توسل إلى الله بالمخلوقين وهذا غير مشروع، ولو كان المتوسل به إلى الله هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم له منزلته عند الله ولا يدخل أحد الجنة إلا بالإيمان به وحبه صلى الله عليه وسلم ومع ذلك فليس من المشروع أن تتوسل إلى الله بذاته ولا بذات غيره من المخلوقين، ومع مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم فإننا إذا أردنا التوسل إلى الله به فإننا نتوسل إلى الله بالإيمان به واتباعه؛ لأن هذا من أعظم القربات والأعمال الصالحة، بل هذا -يعني الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعه- أفضل الأعمال إطلاقا، فإذا أراد الإنسان أن يتوسل إلى الله بالرسول فليقل مثلا في دعائه “اللهم بإيماني بك واتباعي لرسولك ولشريعتك وبما جاءنا به رسولك افعل لي كذا وكذا”.

“إيماني بك وبرسولك” هذا هو التوسل المشروع وهو التوسل إلى الله بالعمل الصالح وهو الذي ذكره الله تعالى في كتابه فقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} .

فهذا التفكر في خلق السماوات والأرض عبادة، وكذلك تأمل اختلاف الليل والنهار، ما فيها من الظلمة والنور، والطول والقصر هذا أيضا عبادة،فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي – قسم العقيدة (ص: 360)

وكذلك تدبر السنن الكونية التي بثها الله عز وجل في خلقه عبادة، فبعد قيام هؤلاء العباد بهذا التفكر وهذا التدبر واعترافهم أن الله ما خلق هذا كله باطلا بل خلقه بالحق وللحكم الكثيرة التي يعلمها، بعد هذا التدبر وهذا التفكر وهذا الاعتراف، سألوا الله عز وجل أن يقيهم عذاب النار {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} الفاء في فقنا تدل على ترتيب الدعاء ودوام ذكره على كل حال وتنزيه الله أن يخلق خلقا باطلا هذا نوع من التوسل بالعمل الصالح وهو مشروع.

ومن هذا التوسل أيضا ما ذكره الله سبحانه بعد ذلك في نفس سياق هذه الآيات السابقة في قول أولي الألباب {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} .

وهذا المنادي للإيمان هو الرسول صلى الله عليه وسلم وكل من بلغ عن الرسول صلى الله عليه وسلم فلما سمع هؤلاء المؤمنون منادي الإيمان يدعو الناس هلموا إلى ربكم، هلموا إلى توحيد الله ونبذ الشرك، هلموا إلى طاعة الله وترك عصيانه ومخالفته، لما سمعوا منادي الله أن اعبدوا الله فعبدوه ونبذوا كل الشركاء والأنداد، فكان بعد هذا العمل الصالح طلب وتوسل من هؤلاء المؤمنين وهو {فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ} .

توسلوا إلى الله بإيمانهم واتباعهم الرسول فدعوا ربهم بعدة دعوات: مغفرة الذنوب، وتكفير السيئات وطلبوا من الله أن يختم لهم بالخاتمة الحسنى، وأن يجعل مثواهم مع الأبرار، وسألوا الله عز وجل ألا يخزيهم وألا يفضحهم بين خلقه يوم القيامة، وسألوا الله أن ينجز لهم ما وعدهم على الإيمان على ألسنة رسله من النصر والتأييد في الدنيا وحسن العاقبة والمثوى في الآخرة فعقب الله عز وجل على هذا التوسل بالأعمال الصالحة بقوله: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} . فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي – قسم العقيدة (ص: 361)

ومن التوسل بالأعمال الصالحة ما رواه البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم، فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا، فنأى بي في طلب الشجر يوما فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر، فاستيقظا، فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت الصخرة شيئا لا يستطيعون الخروج، قال النبي صلى الله عليه وسلم: وقال الآخر: اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إلي، فأردتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت، حتى إذا قدرت عليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: وقال الثالث: اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم، غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أد إليَّ أجري، فقلت له: كل ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق فهو لك، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك، فأخذه كله، فاستاقه ولم يترك منه شيئا، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون» . فتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي – قسم العقيدة (ص: 362)

فهؤلاء الثلاثة لما وقعوا في الشدة والكرب بسبب انسداد الغار عليهم بفعل الصخرة التي سقطت من أعلى الجبل، توسل كل منهم بعمل من الأعمال الصالحة التي توفر فيها الإخلاص لله تعالى، فالأول توسل ببره والديه غاية البر، والثاني توسل بعفته عن الزنا وتركه المال الذي أعطاه لابنة عمه، والثالث توسل إلى الله تعالى بأدائه الحقوق للعباد ومنهم هذا الأجير الذي أخذ المال كله وطابت نفس المتوسل بذلك، ولما كان هذا التوسل مشروعا وجائزا كان له الأثر الطيب في أن الله عز وجل أزاح الصخرة عن باب الغار وتمكنوا من السير والانطلاق إلى وجهتهم التي أرادوا.

هذا هو النوع الأول من التوسل المشروع وهو التوسل إلى الله ودعاؤه بالعمل الصالح الذي يعمله العبد تقربا إلى الله.

وأما النوع الثاني من التوسل فهو التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته وذلك كأن تسأل الله عز وجل وتدعوه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا فتقول مثلا: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا إله إلا أنت الرحيم اللطيف افعل كذا وكذا لي.

أو تقول مثلا: اللهم إني أسألك بأنك الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا افعل لي كذا وكذا، وكقول المسلم في دعاء الاستخارة: «اللهم إني أستخيرك بعلمك وقدرتك فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر وأنت على كل شيء قدير، إن كان كذا خيرا لي في عاجل أمري وآجله فيسره لي، وإن كان كذا شرا في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه» …. الحديث.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: «اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني ما عملت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرا لي..» الحديث عن عمار بن ياسر.

والنوع الثالث من التوسل المشروع هو التوسل إلى الله بدعاء العبد الصالحفتاوى ورسائل سماحة الشيخ عبد الرزاق عفيفي – قسم العقيدة (ص: 363)

الحي لك، وذلك أن تقصد رجلا من الصالحين المتبعين للشرع الموحدين المتبعين للسنة وتظن فيه الإخلاص لله سبحانه وتعالى وتطلب منه أن يدعو الله لك بحاجتك التي تريد، كأن يدعو الله أن يشفيك أو يشفي ابنك أو مريضك أو يدعو الله أن ينيلك كذا وكذا من المآرب والأهداف، هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *