الرئيسية » القبور والشريعة » الجهود في مكافحة البدع والشركيات » ما صحة الجرائم الوهابية في حق الآثار النبوية ؟

ما صحة الجرائم الوهابية في حق الآثار النبوية ؟

في سؤالي هذا مجموعة من الشبهات حول الوهابيين التي أصبحت متداولة في بلدنا المغرب، حيث يأخذونها بابا للطعن في مجموعة من العلماء الأفاضل. فهل من جواب يوحد صفوف المسلمين ويبين الحق و يرد الباطل و لا يخاف في الله لومة لائم؟

يقولون في شبههم:

( هذه احدى جرائم الوهابية الذي هدم الآثار الاسلامية في مكة والمدينة والبقيع وحولها الى اتربة بحجة محاربة البدعة والشرك فيفعلوا مثل اليهود في محاولتهم لهدم الاقصى ولعلهم يعاونهم في الهدم لمحاربة الشرك

و استباحوا نبش قبر النبي عليه افضل الصلاة والسلام كما قالها ابن عثميين

انه يجب اخراج قبر الرسول صلى الله عليه وسلم من المسجد

و نسوا بل تناسوا ان رسول الله صلي الله عليه وسلم قال

“أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف الى المنبر فقال (إني فرطكم وأنا شهيد عليكم وإني والله لأنظر الى حوضي الآن وإني قد أعطيت مفاتيح الأرض وإني والله لا أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكني أخاف عليكم أن تتنافسوا فيه”

ياتي الرسول صلي الله عليه وسلم ويقول لا اخاف عليكم وياتي الوهابية بقول جديد من عندهم وعند مولاهم محمد بن عبدالوهاب بانهم يخافوا على الامة من الشرك اي قول هذا انسمع قولكم وقول وليكم ونترك قول خير البشر

يقول بعضهم : رسول الله يقول إني لا أخاف عليكم الفقر , مع ذلك هناك فقر , نقول : إن الفقر من أمور الدنيا التي لا يخافها لكن الشرك كيف لا يخافه إذا كان سيقع .

{ إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب }

جاء في سند صحيح رجاله رجال الصحيح كما أورده نور الدين الهيثمي في مجمع الزوائد أن جابر الأنصاري رضي الله عنه سُئل : أترمي أحداً من أهل القبلة بالشرك ؟

قال : معاذ الله أيكون ذلك ؟

أترميه بالكفر ؟

قال : لا يكون ذلك أبداً

فإذا كان الصحابة استنكفوا وثقل عليهم أن يُرمى مؤمن مسلم من أهل القبلة بالشرك , فنحن أحوج إلى هذا الورع في المعاملة

ولكن من تحدث فالوهابية لا تعقل ما يقولون ولا يزنوا حديثهم وكلماتهم قبل القائها علينا لتصدمنا والان لنري اعمالهم الاجرامية في حق الاثار النبيوية والاثار الاسلاميه

و هدم الآثار الإسلامية بالمملكة العربية السعودية)

فهل من رد على هذه الشبهات و كذا الرد على الأدلة التي أوردوها في شبههم؟

و الله ولي التوفيق

و جزاكم الله خيرا

الجواب :

وجزاك الله خيرا

أولاً : نحن أمة لا تُعظِّم إلاَّ ما عظّمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم .

والأصل في ذلك نَهْيُه عليه الصلاة والسلام عن زخرفة المساجد ، وقوله عليه الصلاة والسلام : مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ . رواه أبو داود بإسناد صحيح .

ونحن نقْتَدِي ولا نبتدي ، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه .

أي : نتّبِع ولا نبتدِع .

ولم تأتِ الشريعة بتعظيم الآثار ولا بِتعظيم القبور ، بل ولا بالغلو بالْمخلوقين ، وإنما جاءت الشريعة بالنهي عن تعظيم القبور ، ومن ذلك بناء المساجد عليها ، وكذلك بناء القبب والأضرحة .

قال الإمام القرطبي المالكي ( المتوفَّى سنة 671 هـ ) : اتِّخَاذ المساجد على القبور والصلاة فيها والبناء عليها ، إلى غير ذلك مما تضمنته السنة من النهى عنه ممنوع لا يجوز ، لِمَا رَوى أبو داود والترمذي عن ابن عباس قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوَّارَات القبور والْمُتَّخِذِين عليها المساجد والسُّرُج . قال الترمذي : وفى الباب عن أبى هريرة وعائشة . حديث ابن عباس حديث حسن .

 وقال أيضا : يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد .

وروى الأئمة عن أبى مرثد الغنوي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها ” . لفظ مسلم .

أي : لا تتخذوها قِبلة فتُصُلُّوا عليها أو إليها كما فعل اليهود والنصارى ، فيؤدى إلى عبادة من فيها ، كما كان السبب في عبادة الأصنام .

فَحَذَّر النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك ، وسَدّ الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال : ” اشْتَدّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد “. اهـ .

وعلى هذا دَرَج أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم ، رغم شدّة محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم وصِدْقها ، ومع أنهم فَدَوه عليه الصلاة والسلام بالنّفس والنفيس ، إلاّ أنهم لم يغلو في شيء من آثاره .

وقد كان منهم من يحتفظ بشيء من أثر النبي صلى الله عليه وسلم مِن شَعْر أو لِباس تبرّكًا به ، أما ما عدا ذلك فلم يُعظِّموه ، كالأماكن التي مرّ بها عليه الصلاة والسلام ، أو المنازل التي نَزَلها ، أو الأماكن التي صلّى فيها أثناء سفره عليه الصلاة والسلام ، كما سيأتي عن الصحابة رضي الله عنهم ، وعن الإمام مالك رحمه الله .

ولقد حرص الصحابة رضي الله عنهم على اقتفاء أثر النبي صلى الله عليه وسلم واتِّبَاع سُنّته ؛ لأن ذلك هو دليل محبته صلى الله عليه وسلم في حقيقة الأمر ، دون الدعاوى !

ومن هذا المنطلق فإن عمر رضي الله عنه لَمَّا بَلَغه أن الناس يأتون الشجرة التي بُويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان ، أمَـر بِقطعها ، قَطعًا للفتنة ، وسَدًّا للذريعة .

فقد روى ابن أبي شيبة من طريق نافع قال بلغ عمر بن الخطاب أن ناسا يأتون الشجرة التي بُويع تحتها . قال : فأمر بها فَقُطِعَتْ .

وهذه الشجرة التي بُويع تحتها بيعة الرضوان في غزوة الحديبية .

قال الإمام أبو بكر الطرطوشي : أرْسَل عمر فَطَمَس موضع الشجرة التي بايَع تحتها أصحاب الشجرة .

روى عبد الرزاق في ” باب ما يقرأ في الصبح في السفر ” من طريق المعرور بن سويد قال : كنت مع عمر بين مكة والمدينة فصلى بنا الفجر فقرأ (ألم تر كيف فعل ربك) و (لئيلاف قريش) ثم رأى أقواما يَنْزِلون فيُصَلُّون في مسجد ، فسأل عنهم ، فقالوا : مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : إنما هلك من كان قبلكم أنهم اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعًا ، من مَـرّ بشيء من المساجد فحضرت الصلاة فليُصَلّ ، وإلا فَلْيَمْضِ .

ورواه سعيد بن منصور في سننه من طريق المعرور بن سويد قال : خرجنا معه [ يعني مع عُمر ] في حجة حَجَّها ، فقرأ بنا في الفجر بـ ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ) و ( لإِيلافِ قُرَيْشٍ ) في الثانية ، فلما رجع من حجته رأى الناس ابتدروا المسجد فقال : ما هذا ؟ قالوا : مسجد صَلّى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم ، اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَـعًا ، من عَرَضَت له منكم فيه الصلاة فليُصَلّ ، ومن لم تَعْرِض له الصلاة فليمضِ .

وفي رواية عنه : أنه رأى الناس يذهبون مذاهب فقال : أين يذهب هؤلاء؟ فقيل : يا أمير المؤمنين ، مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، فهم يُصَلُّون فيه فقال : إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا ، كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبِيَعًا ، فمن أدركته الصلاة منكم في هذه المساجد فليصل ، ومن لا فليمض ولا يتعمدها .

ولم يُعظِّم الصحابة قبور الشهداء ، ولا آثار وأماكن الغزوات ، فأعظم نصر كان في أول الإسلام هو ما كان في يوم بدر ، ومع ذلك لم يُعرف عن أحد من الصحابة تعظيم مكان الغزوة ، ولا زيارته أو تعاهده .

وكذلك ما كان من آثار الأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام .

وكذلك فَعَل الصحابة رضي الله عنهم مع قبر النبي دانيال عليه السلام .

فقد روى ابن أبي شيبة من طريق أبي عمران الجوني عن أنس أنهم لَمَّا فتحوا تستر قال : كانوا يستظهرون ويستمطرون به ، فكتب أبو موسى إلى عمر بن الخطاب بذلك ، فكتب عمر إنّ هذا نبي من الأنبياء ، والنار لا تأكل الأنبياء ، والأرض لا تأكل الأنبياء ، فكتب : أن انظر أنت وأصحابك – يعني أصحاب أبي موسى – فادفنوه في مكان لا يعلمه أحد غيركما . قال : فذهبت أنا وأبو موسى فَدَفَـنَّاه .

ورواه أبو عُبيد القاسم بن سلاّم في كتاب ” الأموال ” وتمام الرازي من طريق قتادة قال : لَمَّا فُتِحَت السوس وعليهم أبو موسى الأشعري وجدوا دانيال ، وإذا إلى جنبه مالٌ موضوع من شاء أن يستقرض منه إلى أجل ، فإن أتى به إلى ذلك الأجل وإلاَّ بَرِص . قال : فالتزمه أبو موسى وقَبَّلَه وقال : دانيال ورب الكعبة ، ثم كتب في شأنه إلى عمر ، فكتب إليه عمر : أن كفنه وحَنّطه وصَلّ عليه ، ثم ادفنه كما دُفِنت الأنبياء ، وانظر ماله فاجعله في بيت مال المسلمين . قال : فَكَفَّنَه في قباطي وصَلى عليه ودفنه .

فلم يجعلوا مَالَه ولا شيئا من آثاره للناس ، بل دَفنوا جُثمانه وجَعلوا مَالَه في بيت مال المسلمين .

وفي رواية لابن أبي شيبة وابن عساكر في ” تاريخ دمشق ” من طريق مطرف بن مالك أنه قال : شهدت فتح تستر مع الأشعري قال : فأصبنا دانيال بالسوس قال : فكان أهل السوس إذا أسنّوا أخرجوه فاستقوا به ! … قال : وأصبنا معه رَبْطَتَيْن مِن كِتَّان .

فماذا ترى فعل الصحابة ومن معهم بأثر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ؟

قال مُطرّف : وكان أول رجل وقع عليه من بلعنبر يقال له حُرقوص قال : أعطاه الأشعري الرَّبطتين وأعطاه مائتي درهم قال : ثم إنه طلب إليه الربطتين بعد ذلك فأبى أن يَرُدّهما وشَقّها عمائم بين أصحابه !

قال ابن كثير في تفسيره : وقد رُوينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لَمَّا وَجَد قبر دانيال في زمانه بالعراق أمَر أن يُخْفَى عن الناس ، وأن تُدْفَن تلك الرقعة التي وجدوها عنده فيها شيء من الملاحم وغيرها  .

وروى أبو يعلى ومن طريقه الخطيب البغدادي في ” تقييد العلم ” والضياء في ” المختارة ” ، وروى ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق خالد بن عرفطة قال : كنت عند عمر ابن الخطاب إذ أُتِي برجل من عبد القيس مسكنه بالسوس ، فقال له عمر : أنت فلان ابن فلان العبدي ؟ قال : نعم . قال : وأنت النازل بالسوس ؟ فضربه بقناة معه ، فقال العبدي : ما لي ؟ فقرأ عليه : (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) إلى قوله : (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) ، فقرأها عليه ثلاث مرات ، فَضَرَبَه ثلاث مرات ! ثم قال له عمر : أنت الذي انْتَسَخْتَ كِتاب دانيال ؟ قال : نعم . قال : اذهب فامْحُه بِالحميم والصوف الأبيض ، ولا تَقْرأه ولا تُقْرئه أحدًا مِن الناس .

ورواه عبد الرزاق من طريق إبراهيم النخعي قال : كان بالكوفة رجل يطلب كتب دانيال وذاك الضَّرْب ، فجاء فيه كتاب من عمر بن الخطاب أن يُرْفَع إليه ، فقال الرجل : ما أدري فيما رُفِعْت ؟ فلما قَدِم على عمر عَلاه بالدِّرَّة ، ثم جعل يقرأ عليه (الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) حتى بلغ : (لَمِنَ الْغَافِلِينَ) قال : فعرفت ما يريد ! فقلت : يا أمير المؤمنين دعني ، فو الله ما أدع عندي شيئا من تلك الكتب إلاَّ حَرقته . قال : ثم تركه .

قال ابن حجر : وهذه جميع طرق هذا الحديث وهي وإن لم يكن فيها ما يُحْتَجّ به لكن مجموعها يقتضي أن لها أصلا . اهـ .

وتعظيم آثار الصالحين كان سبب الشرك في الأرض ، كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال عن ” وُدّ ، وسُواع ، ويَغوث ، ويَعُوق ، ونسر ” : أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنْ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمْ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ ، فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ . 

قال القرطبي المالكي ( المتوفّى سنة 671 هـ ) : قال علماؤنا: ففعل ذلك أوائلهم ليتأسَّوا برؤية تلك الصور ، ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ، ويعبدون الله عز وجل عند قبورهم ، فَمَضَت لهم بذلك أزمان ، ثم أنهم خلف من بعدهم خلوف جهلوا أغراضهم ، ووسوس لهم الشيطان أن آباءكم وأجدادكم كانوا يعبدون هذه الصورة فعبدوها ، فحذر النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك . وشدد النكير والوعيد على من فعل ذلك ، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال : اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد . وقال : اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ” . اهـ .

ومما وقعت به بنو إسرائيل وضلّت بسببه : تعظيم الآثار !

ألا ترى إلى فعل السامري وما الذي حمله على ما فعل حتى جَعَل لِبني إسرائيل إلهـًا يُعبد من دون الله ؟

وما كان سبب ذلك إلاّ تعظيم الآثار ، كما قال تعالى حكاية عن موسى عليه الصلاة والسلام مع السامري : (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) .

قال الإمام السمعاني في تفسيره : يعني : مِن تُراب حَافِر فَرَس جِبريل .

وتعظيم الآثار مما أطبقت الأمة على إنكاره ، فقد أنكره علماء الأمة عامة ، وعلماء المالكية خاصة ، سواء في المغرب أو في الأندلس .

روى الإمام مالك بن أنس – صاحب المذهب المتبوع المشهور – عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اللهم لا تجعل قبري وَثَنا يُعْبَد ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد .

قال الإمام ابن عبد البر المالكي ( المتوفّى سنة 463 هـ ) : وليس فيه حُكم أكثر من التحذير أن يُصَلّى إلى قبره ، وأن يُتَّخَذ مَسْجِدًا . وفي ذلك أمْر بأن لا يُعْبَد إلاَّ الله وحده . وإذا مُنِع من ذلك في قبره فسائر آثاره أحْرَى بذلك .

قال : وقد كَرِه مَالك وغيره من أهل العلم طلب موضع الشجرة التي بُويع تحتها بيعة الرضوان ، وذلك – والله أعلم – مُخَالَفَة لِمَا سَلَكه اليهود والنصارى في مثل ذلك . اهـ .

وقال الإمام أبو بكر الطرطوشي ( المتوفَّى سنة 530 هـ) ، وهو في الأصل من علماء الأندلس ، ومن فقهاء المالكية :

وروى محمد بن وضاح أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أمَر بِقَطْع الشجرة التي بُويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الناس كانوا يَذْهَبُون إليها ، فَخَاف عُمَر رضي الله عنه الفتنة عليهم .

قال : وكان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون تلك المساجد وتلك الآثار التي في المدينة ما عدا قباء وأُحُدًا .

ودخل سفيان الثوري رحمه الله تعالى ببيت المقدس فصلى فيه ولم يتَّبِع تلك الآثار والصلاة فيها .

وكذلك فعل غيره أيضا ممن يُقْتَدى به .

قال محمد بن وَضَّاح : كم مِن أمْرٍ هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان مُنْكَرًا عند من مَضى ، وكم مُتَحَبِّبٍ إلى الله تعالى بما يُبْغِضُه الله تعالى عليه ، ومُتَقَرِّب إلى الله تعالى بما يُبْعِده منه ، وكل بدعة عليها زِينة وبَهْجَة . اهـ .

ونَقَله أبو شامة الشافعي ( المتوفَّى سنة 665 هـ) في ” كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث ” .

وابن وضّاح مالكي المذهب ، وهو مُحدِّث الأندلس في زمانه . توفِّي سنة 287 هـ .

ولم يكن من شأن الصحابة تعظيم الآثار ، ولَمَّا لم يكن لتلك الآثار مَنْزِلة في الشريعة لم يتكفّل الله بِحفظها .

فقد روى البخاري في صحيحه من طريق طَارِق بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : انْطَلَقْتُ حَاجًّا فَمَرَرْتُ بِقَوْمٍ يُصَلُّونَ قُلْتُ : مَا هَذَا الْمَسْجِدُ ؟ قَالُوا : هَذِهِ الشَّجَرَةُ حَيْثُ بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ ، فَأَتَيْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ سَعِيدٌ : حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ . قَالَ : فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ نَسِينَاهَا فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهَا فَقَالَ سَعِيدٌ : إِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْلَمُوهَا وَعَلِمْتُمُوهَا أَنْتُمْ ؟ فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ .

قال ابن حجر : قال سعيدٌ هذا الكلام مُنْكِرا ، وقوله : ” فأنتم أعلم ” هو على سبيل الـتَّهَكُّم . اهـ . 

وهذا مما يدلّ على أن الصحابة رضي الله عنهم لم تكن لهم عناية بالآثار من الأماكن وغيرها .

فقد روى البخاري من طريق سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَقَدْ رَأَيْتُ الشَّجَرَةَ ثُمَّ أَتَيْتُهَا بَعْدُ فَلَمْ أَعْرِفْهَا .

فإذا كانت تلك الآثار قد اندرست منذ زمن الصحابة رضي الله عنهم فما بالك بها بعد ذلك ؟

وإذا كان الصحابة رضي الله عنهم قد حرصوا على إزالة تلك الآثار التي يفتتن بها بعض الناس ، فهل ترى لها باقية ؟!

وهل نحن أشدّ حرصا من الصحابة رضي الله عنهم على آثار النبي صلى الله عليه وسلم ، مع شِدّة محبّتهم له عليه الصلاة والسلام ؟

ومع ذلك لا يُعرف عنهم تعظيم لتلك الآثار ولا الأماكن التي نَزَلها النبي صلى الله عليه وسلم ، أو حتى التي صلّى فيها يومًا على الطريق ، بل عُرِف عنهم ضِدّ ذلك كما تقدّم عن عمر رضي الله عنه وعن غيره من إنكار قصد تلك الأماكن وتقصّد إتيانها .

هذا مع عدم غُلوّ الصحابة رضي الله عنهم بتلك الآثار ، إنما كان منهم النَّزول حيث نَزَل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو الصلاة حيث صلّى فَحَسب ، ومع ذلك أنكره عمر والأئمة من بعده ، فكيف لو رأى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم ما وقع بعدهم من الغلو في آثار الصالحين فضلا عن آثار الأنبياء ؟

وقد نَقَل قال أبو شامة الشافعي ( ت 665 هـ ) عن الإمام الْحَلَيمي رحمه الله أنه نقل عن بعض أهل العلم أنه نَهى عن إلْصَاق البطن والظهر بِجدار القبر ومسحه باليد ، وذَكَر أن ذلك مِن البِدَع .

فإذا كان العلماء منعوا ذلك في قبره صلى الله عليه وسلم وفيه جسده الشريف الطاهر صلى الله عليه وسلم ، فكيف بغيره من آثاره صلى الله عليه وسلم ؟

ومن هنا فإن العلماء يرون إزالة وإتلاف الأشجار التي يَعْتَقِد فيها العوام مهما كانت نسبتها .

قال أبو شامة الشافعي رحمه الله : وُجوب قَطْع الشجرة التي يعتقد فيها العوام !

ثم نَقَل عن أبي بكر الطرطوشي المالكي رحمه الله ( ت 530 هـ ) قوله : فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سِدرة أو شجرة يَقصدها الناس ، ويُعَظِّمُون مِن شأنها ويَرجون البُرء والشفاء مِن قِبَلِها ، ويَنوطُون بها المسامير والْخِرَق ! فاقطعوها ؛ فهي ذات أنواط !

 قال أبو شامة :

قلت : ولقد أعجبني ما صنعه الشيخ أبو اسحق الجبيناني رحمه الله تعالى – أحد الصالحين ببلاد إفريقية في المائة الرابعة – حَكَى عنه صاحبه الصالح أبو عبد الله محمد بن أبي العباس المؤدب أنه كان إلى جانبه عين تسمى عين العافية ! كانت العامة قد افتتنوا بها ، يأتونها من الآفاق ، مَن تَعَذَّر عليها نكاح أو ولد ! قالت : امضوا بي إلى العافية ! فتعرف بها الفتنة . قال أبو عبد الله : فأنا في السحر ذات ليلة إذ سمعت آذان إساحق نحوها ، فخرجت فوجدته قد هَدَمَها وأذَّن الصبح عليها ، ثم قال : اللهم إني هدمتها لك فلا ترفع لها رأسا ! قال : فما رُفِع لها رأس إلى الآن . اهـ .

فهل كانت أفعال أولئك الأخيار في نظر هؤلاء جرائم ؟!

سبحانك هذا بُهتان عظيم !

ثانيا : ما يُزعم أنه جرائم في حق الآثار النبوية ، إنما هو تهويل وكذب !

ومثله ما نُسِب على الشيخ ابن عثيمين رحمه الله ، فإنه لم يَدْع هو ولا غيره إلى نبش قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما دعا إلى أن يكون بيت النبي صلى الله عليه وسلم كَما كان في زمن الصحابة ، فإنه لم يكن داخل المسجد ؛ وذلك لأن بيته عليه الصلاة والسلام كان بِجوار المسجد ، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما دُفِن في بيته ولم يُدفَن في المسجد ابتداء .

وفرق بين أن يُدْعى إلى نبش القبر وإخراج الجثمان ، وبين أن يُدْعَى إلى إخراج القبر وإبقائه كما كان في زمن الصحابة رضي الله عنهم .

فالأول ممنوع ، ولم يقُل به أحد ، والثاني يُقال به من باب حماية جناب التوحيد .

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

وها هو النبي عليه الصلاة والسلام يموت من أصحابه من يموت من أهل العلم والإيمان والجهاد ولم يكن يدفنهم إلا في المقبرة مع المسلمين ، ولولا أنه عليه الصلاة والسلام خَشِي أن يُتَّخَذ قبره مسجداً لدُفِن في البقيع ، ولكنه عليه الصلاة والسلام دُفِن حيث قُبض في بيت عائشة رضي الله عنها ، ولم يكن إذ ذاك داخل المسجد بل كان خارجاً منه ، ولم تدخل بيوت الرسول عليه الصلاة والسلام في المسجد إلاَّ في حدود السنة الرابعة والتسعين من الهجرة حيث زِيد في المسجد فأُدْخِلَت بيوت النبي صلى الله عليه وسلم فيه ، وبقي بيت عائشة رضي الله عنها الذي فيه قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر أبي بكر وقبر عمر رضي الله عنهما بَقِي على ما هو عليه بناية مستقلة ، فهي مستثناةٌ من المسجد لكونها مستقلة سابقة على إدخالها إلى المسجد ، ولم يُبْنَ المسجد عليها . اهـ .

وعلى ذلك فمن قال بِتجريم من أزال الآثار يلزمه تجريم الصحابة فمن بعدهم من أهل العلم الذين أمروا بإزالة تلك الآثار ! سواء كانت من آثار الأنبياء أو من آثار الصالحين .

ثالثا : ما قيل من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَخَف على أمته الشرك ، ليس بصحيح على إطلاقه ، ونصوص الوحيين دالة على خلاف ذلك القول .

قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) الآية .

قال ابن كثير : أي : يَرْجِع عن الحق إلى الباطل .

ونَقَل البغوي عن الحسن قوله : عَلِم الله تبارك وتعالى أن قومًا يرجعون عن الإسلام بعد موت نبيهم صلى الله عليه وسلم ، فأخبر أنه سيأتي بقوم يُحِبُّهم الله ويحبونه . واختلفوا في أولئك القوم من هم ؟ قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن وقتادة : هم أبو بكر وأصحابه الذين قاتلوا أهل الرِّدة ومَانِعي الزكاة ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لَمَّا قُبِض ارتد عامة العرب إلاَّ أهل مكة والمدينة والبحرين من عبد القيس ، ومنع بعضهم الزكاة ، وهَـمَّ أبو بكر رضي الله عنه بقتالهم فَكَرِه ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال عمر رضي الله عنه : كيف نُقَاتِل الناس ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أُمِرْت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فمن قال لا إله إلا الله عَصَم مِنِّي ماله ونفسه إلاَّ بِحَقِّه وحِسَابُه على الله عز وجل ؟ فقال أبو بكر : والله لأقاتلن مَن فَرَّق بين الصلاة والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها .

قال أنس بن مالك رضي الله عنه : كَرِهَت الصحابة قتال مانعي الزكاة ، وقالوا : أهل القبلة ، فَتَقَلَّد أبو بكر سيفه وخرج وحده فلم يجدوا بُدًّا من الخروج على أثره .

قال ابن مسعود : كَرِهنا ذلك في الابتداء ثم حَمْدِناه عليه في الانتهاء . اهـ . وقد ذَكَر البغوي بقية الأقوال في الآية في المراد بالأقوام الذين يأتي الله بهم .

وقال الإمام القرطبي المالكي في تفسيره : وهذا من إعجاز القرآن ، والنبي صلى الله عليه وسلم إذ أخبر عن ارتدادهم ولم يكن ذلك في عهده ، وكان ذلك غَيْبًا ، فكان على ما أخبر بعد مدة ، وأهل الردة كانوا بعد موته صلى الله عليه وسلم . اهـ .

وسيأتي مزيد بيان حول الرّدّة وحُكمها .

وقال سبحانه وتعالى : (ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)

قال ابن كثير في تفسيره : تشديد لأمر الشرك ، وتغليظ لشأنه ، وتعظيم لملابسته . اهـ .

وهذا دالّ على أن الشِّرْك مما يُخشى ويُحاذَر ، وانه واقع في هذه الأمة .

وقال عزّ وَجَلّ : (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)

قال الإمام البغوي في تفسيره : وهذا خطاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد منه غيره  . وقيل : هذا أدب من الله عز وجل لِنَبِيِّه وتهديد لغيره ؛ لأن الله تعالى عَصَمه مِن الشِّرك . اهـ .

وماذا عساهم يقولون عن الآيات التي جاء فيها ذِكر الكُفر بعد الإيمان ؟

كقوله تعالى : (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ)

وكقوله سبحانه وتعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً)

وكقوله عزّ وَجَلّ : (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) ، والآيات في هذا المعنى كثيرة .

وماذا عساهم أن يقولوا عن الآيات التي جاء فيها وصف الشِّرْك  ،وذِكر الشّرْك والتحذير منه ؟

كقوله : (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا)

وكقوله عزّ وَجَلّ : (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدًا) .

وكقوله سبحانه وتعالى : (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) .

وقوله عزّ وَجَلّ : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) .

وقوله جَلَّ جَلاله : (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) .

قال ابن مسعود رضي الله عنه : من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم  التي عليها خاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات : (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) إلى قوله : (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .

وهذه الآيات من سورة الأنعام قال عنها ترجمان القرآن – ابن عباس رضي الله عنهما – : مُحكمَات ، أي : أنه لم يُنسخ منها شيء .

وهو في معنى قول ابن مسعود السابق ، أي : كأن النبي صلى الله عليه وسلم مات وقد أوصى بهذه الوصايا التي في الآيات من آخر سورة الأنعام ، وأنه لم يُنسخ منها شيء ، مع أن مسائل الاعتقاد لا تُنسخ .

فقد نصّ الإمام القرطبي المالكي في تفسيره على أن الأخبار لا يدخلها النسخ .

فأنت ترى هذه الآيات تنصّ على أن الشرك والرِّدّة مما يُخاف ، ولذلك جاءت فيه النصوص على سبيل التهديد .

وحَفلَت السنة بالنصوص الصحيحة الصريحة في أن الشرك مما يُخاف ، ومثله النفاق .

فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكْثِر أن يقول : يا مقلب القلوب ثَبِّت قلبي على دينك وطاعتك . فقيل له : يا رسول الله ! إنك تُكْثِر أن تقول : يا مقلب القلوب ثَبِّت قلبي على دينك وطاعتك . قال : وما يُؤمِّنني ؟ وإنما قلوب العباد بين أصبعي الرحمن ، إنه إذا أراد أن يُقَلِّب قَلْب عَبْد قَلَبه . قال عفان : بين إصبعين من أصابع الله عز وجل . رواه الإمام أحمد .

وكيف لا يخاف صلى الله عليه وسلم على أمته الشرك ، وهو قد أخبر أن أخوف ما يخاف على أمته الشرك ؟

قال عليه الصلاة والسلام : إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر . قالوا : يا رسول الله وما الشرك الأصغر ؟ قال : الرياء . إن الله تبارك وتعالى يقول يوم تُجَازَى العباد بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تُراءون بأعمالكم في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء ؟ رواه الإمام أحمد .

وكيف لا يخاف صلى الله عليه وسلم على أمته الشرك ، وهو قد أخبر أن الشرك واقع في هذه الأمة حتى تعبد فِئام منها الأصنام ؟!

ففي الصحيحين من حديث أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ عَلَى ذِي الْخَلَصَةِ . وَذُو الْخَلَصَةِ طَاغِيَةُ دَوْسٍ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ .

وهذا الحديث بوّب عليه الإمام البخاري في صحيحه : بَاب تَغْيِيرِ الزَّمَانِ حَتَّى تُعْبَدَ الأَوْثَانُ .

وكيف لا يخاف النبي صلى الله عليه وسلم الشرك على أمته وقد كان يُبايع أصحابه رضي الله عنهم على أن لا يُشركوا بالله شيئا ؟

ففي موطأ الإمام مالك من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا ، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا ؛ يَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ، وَأَنْ تَنَاصَحُوا مَنْ وَلاَّهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ ، وَيَسْخَطُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ .

وهو في صحيح مسلم بِلَفْظ : إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا ، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلاثًا ؛ فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ .

وفي حديث عَوْف بن مَالِكٍ الأَشْجَعِيّ أن الصحابة رضي الله عنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : فَعَلامَ نُبَايِعُكَ ؟ قَالَ : عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ . رواه مسلم .

فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يَخَف على أمته الشرك فَلِم كان يُبايِع أصحابه على أن لا يُشرِكوا بالله شيئا ؟

وأما ما استدلّوا به من قوله عليه الصلاة والسلام : ” وَاللَّهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي ” .

فليس فيه مُسْتَمْسَك لهم ؛ لأنه محمول على مجموع الأمَّـة ، كما نصّ عليه شُرّاح الحديث .

قال النووي في شرح هذا الحديث : وَفِي هَذَا الْحَدِيث مُعْجِزَات لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَإِنَّ مَعْنَاهُ الإِخْبَار بِأَنَّ أُمَّته تَمْلِكُ خَزَائِن الأَرْض ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ ، وَأَنَّهَا لا تَرْتَدُّ جُمْلَة ، وَقَدْ عَصَمَهَا اللَّه تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ .

وقال ابن حجر في شرح هذا الحديث :

قَوْله : ” مَا أَخَاف عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا ” أَيْ : عَلَى مَجْمُوعكُمْ ، لأَنَّ ذَلِكَ قَدْ وَقَعَ مِنْ الْبَعْض أَعَاذَنَا اللَّه تَعَالَى . اهـ .

أقول : ويُمكن حمله على الْمُخاطَبِين به ، وهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم ؛ لأن الله قد زكّاهم وزكّاهم رسوله صلى الله عليه وسلم ، ووعدهم الله المغفرة ، كما قال تعالى : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ) إلى أن قوله : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)

” وقد يُخَصَّص أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بِوَعْد المغفرة تفضيلاً لهم ، وإن وَعَد الله جميع المؤمنين المغفرة ” ، كما قال القرطبي .

ومثله قوله عليه الصلاة والسلام : ” إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ “

فليس لهم فيه أدنى استدلال على أن الشرك لا يقع في هذه الأمة ، وذلك من عدة أوجه :

الأول : أن أمة الإسلام لا تحصرها جزيرة العرب ، ونص الحديث ” أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ” ، وهذا لا يعني أن لا يقع الشرك في غيرها .

الثاني : أن هذا خاص بالْمُصَلِّين ، وهذا أيضا دالّ عليه نص الحديث : ” أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ ” ، ومعنى هذا أن غير الْمُصَلِّين ليسوا في أمان من الشرك ، وهذا يتوافق مع قوله عليه الصلاة والسلام : بين الرجل وبين الشرك والكفر تَـرْك الصلاة . رواه مسلم .

فتارك الصلاة واقع في الشرك أو في الكفر ، وسأذكر بعد قليل بعض أقوال الصحابة في ذلك .

الثالث : أن إياس الشيطان من أن يُعْبَد في جزيرة العرب لا يمنعه من المحاولات حتى يقع ما أراد !

وقد تقدّم خبره عليه الصلاة والسلام عن ذلك بقوله : لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ عَلَى ذِي الْخَلَصَةِ . رواه البخاري ومسلم .

وكيف يُمكن القول بأن الشرك لا يقع في الأمة والنصوص معلومة مشهورة في إثبات الشرك والكفر في الأقوال والأفعال ؟ نحو قوله عليه الصلاة والسلام : مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ . رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي ، وأصله في الصحيحين .

وقوله عليه الصلاة والسلام : من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك . رواه الإمام أحمد .

ونحو قوله عليه الصلاة والسلام : لا تشرك بالله شيئا وإن قُطِّعْت أو حُرِّقْت ، ولا تتركن الصلاة المكتوبة متعمدا ، ومن تركها متعمدا برئت منه الذمة . رواه ابن ماجه .

ونحو قوله عليه الصلاة والسلام : من أتى كاهنا أو عَرَّافًا فَصَدَّقه بما يقول فقد كَـفَـر بما أُنْزِل على محمد صلى الله عليه على وسلم  . رواه الإمام أحمد وغيره ، وهو حديث صحيح .

وقوله صلى الله عليه على آله وسلم : من أتى كاهنا فَصَدَّقه بِمَا يقول ، أو أتى امرأته في دُبُرِها ، فقد برئ مما أنزل الله على محمد صلى الله عليه على وسلم . رواه الإمام أحمد وغيره .

وقوله عليه الصلاة والسلام : أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ : الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ . رواه البخاري ومسلم .

فلو كان لا يُخشى الشرك على هذه الأمة لكان هذا القول لا معنى له !

وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول قولا لا معنى له ، أو يتكلّم بكلام غير مفهوم .

فمن هو الأحقّ بهذا القول : (أي قول هذا ؟ أنسمع قولكم ، ونترك قول خير البشر) ؟؟

فهذه أقوال خير البشر صلى الله عليه وسلم الكثيرة الْمُْثْبِتة أنه خاف على أمته الشرك ، وما تمسّكوا به ليس لهم فيه دليل .

والخوف من الشرك مما يقول به الصحابة الكرام رضي الله عنهم .

فقد تأول ابن عباس على ذلك قوله تعالى : ( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُون ) قال : إن أحدهم يُشْرِك حتى يُشْرِك بِكَلْبِه : لولا الكَلب لَسُرِقْنا الليلة ! قال تعالى : ( فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) .

وخَطَب أبو موسى الأشعري رضي الله عنه فقال : يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل . فقام إليه عبد الله بن حزن وقيس بن المضارب فقالا : والله لتخرجن مما قلت أو لنأتين عُمر ، مأذون لنا أو غير مأذون ! قال : بل أخرج مما قلت ، خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال : أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل ، فقال له من شاء الله أن يقول : وكيف نتقيه ، وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله ؟ قال : قولوا اللهم إنا نعوذ بك من أن نُشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لِمَا لا نَعْلم . رواه الإمام أحمد .

وهذا كالإجماع بين الصحابة رضي الله عنهم .

قال التابعي شقيق بن عبد الله البلخي : كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يَرون شيئا من الأعمال تركه كفرٌ غير الصلاة .

قال ابن مسعود رضي الله عنه : مَن تَرك الصلاة فلا دِين له .

وقال أبو الدرداء رضي الله عنه : لا إيمان لمن لا صلاة له ، ولا صلاة لمن لا وضوء له .

وقال أيوب السختياني : تركُ الصلاةِ كُـفْـرٌ لا يُخْتَلَف فيه .

وجاء مثل هذا عن الصحابة رضي الله عنهم في تارك الفرائض ، كالزكاة والحج .

قال ابن مسعود رضي الله عنه : ما تارك الزكاة عندي بمسلم . رواه ابن أبي شيبة .

قال ابن رجب : ويُحتملُ أنَّه كان يَراه كافراً بذلك ، خارجاً من الإسلام . اهـ .

وقال عمر رضي الله عنه : من أطاق الحج فلم يحج، فسواء عليه يهوديا مات أو نصرانيا.

قال ابن كثير : وهذا إسناد صحيح إلى عمر رضي الله عنه .

وروى سَعيد بن منصور في سننه عن الحسن البصري قال : قال عمر بن الخطاب : لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا كل من كان له جَدةٌ فلم  يَحُجّ ، فيضربوا عليهم الجِزْية ، ما هم بمسلمين . ما هم بمسلمين .

قال ابن رجب : والظَّاهرُ أنّه كان يعتقد كُـفْـرَهم ، ولهذا أراد أنْ يَضْرِبَ عليهمُ الجزيةَ يقول : لم يدخُلوا في الإسلامِ بعدُ ، فهم مُستمرُّون على كتابِيّتِهم . اهـ .

وكذلك اعتقاد الصحابة رضي الله عنهم في السِّحْر والسَّحَرَة أنهم كُفّار .

فقد روى الإمام مالك في الموطأ عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة أنه بلغه أن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قتلت جارية لها سحرتها ، وقد كانت دَبَّرَتها ، فأمَرَت بها فَقُتِلَت .

وروى ابن أبي شيبة من طريق نافع عن ابن عمر أن جارية لحفصة سحرتها ، ووجَدُوا سِحْرها واعترفتْ به ، فأمر عبد الرحمن بن زيد فَقتلها ، فبلغ ذلك عثمان فأنكره واشتدّ عليه ، فأتاه ابن عمر فأخبره أنها سحرتها واعترفت به ، ووجدوا سِحْرها ، فكأن عثمان إنما أنكر ذلك لأنها قُتِلَتْ بِغَير إذنه .

وفي رواية عبد الرزاق فأنكر ذلك عليها عثمان ، فقال ابن عمر : ما تُنْكِر على أم المؤمنين من امرأة سَحَرت واعترفتْ ؟ فَسَكَت عثمان .

وكَتَب عمر رضي الله عنه إلى الآفاق : أن اقتلوا كل ساحر وساحرة .

قال بَجَالة : فقتلنا ثلاث سواحر . رواه أبو يعلى وعبد الرزاق وابن أبي شيبة ، وأصله في صحيح البخاري .

ومذهب الإمام مالك رحمه الله أن تعلّم السحر وتعليمه كُـفْـر .

ففي ” مختصر خليل ” ( فقه مالكي ) : باب الرِّدَّة . قال : الرِّدَّة كُفْر المسلم بصريح ، أو لفظ يقتضيه ، أو فعل يتضمنه كإلْقَاء مصحف بِقَذَر ، وشَدّ زنار ، وسِحْر ، وقول بِقِدم العالم أو بقائه ، أو شك في ذلك ، أو بتناسخ الأرواح ، أو في كل جنس نذير ، أو ادّعى شِرْكا مع نبوته عليه الصلاة والسلام ، أو بمحاربة نبي .

قال الخرشي في شرح مختصر خليل :

وَالْمَشْهُورُ أَنَّ تَعَلُّمَ السِّحْرِ كُـفْـرٌ ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ ، قَالَهُ مَالِك .

ثم قال :

وَإِذَا حُكِمَ بِكُفْرِهِ فَإِنْ كَانَ مُتَجَاهَرًا بِهِ فَيُقْتَلُ إلاَّ أَنْ يَتُوبَ ، وَمَالُهُ فَيْءٌ ، وَإِنْ كَانَ يُخْفِيهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الزِّنْدِيقِ يُقْتَلُ بِلا اسْتِتَابَةٍ . اهـ .

وقال الخرشي أيضا : وَتَصْغِيرُ الْمُصْحَفِ كُفْرٌ إنْ قَصَدَ اسْتِهْزَاءً ، وَإِلاَّ فَلا .

وقال أيضا : وَكَذَلِكَ مَنْ جَوَّزَ الْقَوْلَ بِمُحَارَبَةِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ ؛ لأَنَّ مُحَارَبَتَهُمْ مُحَارَبَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى ، وَمَنْ حَارَبَ اللَّهَ تَعَالَى فَقَدْ كَفَرَ .

وماذا عسى هؤلاء أن يقولوا في حدّ الرِّدّة الذي أجمعت عليه الأمة ؟

فالمرتد مُسلم خرج من دائرة الإسلام إلى الكفر . كما سيأتي تعريفه في كُتُب المالكية .

وإذا كانت الرِّدَّة وَقَعَت في القرون الفاضلة ، فكيف لا يُخاف الكفر والشرك على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ؟!

ووقوع الرِّدّة في هذه الأمة أمرٌ لا يُنكر ، فقد ارتد من ارتد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، فمنهم من مات على الكُفر ، كـ عبيد الله بن جحش ، حيث ارتَدّ في الحبشة ، ومات على غير ملّة الإسلام .

ومنهم من ارتدّ ثم عاد إلى الإسلام كـ طليحة بن خويلد ، وكان طليحة ارتد وادعى النبوة وقَتَل ، ثم أسلم وحَسُن إسلامه ، وكذلك عبد الله بن أبي سرح رضي الله عنه .

وإذا لم يُخش الشرك والكفر على الأمة لِمَ عَقَد الأئمة فُصُولاً وكُتُبا وأبْوابًا في كُتُبهم عن الرِّدَّة وأحكامها ؟

وهل الرِّدَّة إلاَّ في حق مُسلم خَلَع رِبْقَة الإسلام  مِن رَقَبَته ؟!

وأشهر صُور الرَّدّة ما كان بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو ما عُرِف بـ ” حروب الرِّدَّة ” .

قال أنس بن مالك رضي الله عنه : لَمَّا تُوفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارْتَدَّتِ العَرَب . رواه النسائي .

وفي الصحيحين من حديث أَبَي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَال : لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْ الْعَرَبِ قَالَ عُمَرُ : يَا أَبَا بَكْرٍ ! كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، فَمَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلاّ اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاّ بِحَقِّهِ ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا .

قَالَ عُمَرُ : فَوَ اللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ .

وحُمل على الرّدّة قوله عليه الصلاة والسلام : “يُؤْخَذُ بِرِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِي ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ : أَصْحَابِي ، فَيُقَالُ : إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ “

ويُبيِّن هَذا مَا أعْقَب بِه البُخاري رِوَايته لِهذا الْحَدِيث بِقوله : قال محمد بن يوسف الفربري : ذُكِر عن أبي عبد الله عن قَبيصة قال : هُم الْمُرْتَدُّون الذين ارْتَدّوا على عهد أبي بكر ، فَقَاتَلَهم أبو بَكر رضي الله عنه .

ولَمَّا بلغ ابن عباس رضي الله عنهما أن عَلِيًّا رضي الله عنه حَرّق المرتدين أو الزنادقة قال : لو كنت أنا لم أحرقهم ولقتلتهم ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : مَن بَدَّل دِينه فاقْتُلُوه . رواه الشافعي .

وفي رواية للبخاري : أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَرَّقَ قَوْمًا فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ لأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ ، وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ .

ولَمَّا بعث النبي صلى الله عليه وسلم أَبَا مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ ثُمَّ اتَّبَعَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَلْقَى لَهُ وِسَادَةً قَالَ : انْزِلْ ، وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ قَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالَ : كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ، ثُمَّ تَهَوَّدَ . قَالَ : اجْلِسْ ، قَالَ : لا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ – ثَلاثَ مَرَّاتٍ – فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ . رواه البخاري ومسلم .

وقال الإمام مالك بن أنس رحمه الله في الموطأ : باب القضاء فيمن ارْتَـدّ عن الإسلام .

ثم قال الإمام مالك رحمه الله : وَمَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا نُرَى – وَاللَّهُ أَعْلَمُ – : ” مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ ” أَنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ الإِسْلامِ إِلَى غَيْرِهِ ، مِثْلُ الزَّنَادِقَةِ وَأَشْبَاهِهِمْ ، فَإِنَّ أُولَئِكَ إِذَا ظُهِرَ عَلَيْهِمْ قُتِلُوا وَلَمْ يُسْتَتَابُوا ؛ لأَنَّهُ لا تُعْرَفُ تَوْبَتُهُمْ ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يُسِرُّونَ الْكُفْرَ وَيُعْلِنُونَ الإِسْلامَ ، فَلا أَرَى أَنْ يُسْتَتَابَ هَؤُلاءِ ، وَلا يُقْبَلُ مِنْهُمْ قَوْلُهُمْ ، وَأَمَّا مَنْ خَرَجَ مِنْ الإِسْلامِ إِلَى غَيْرِهِ وَأَظْهَرَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ ، فَإِنْ تَابَ وَإِلاَّ قُتِلَ ، وَذَلِكَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا عَلَى ذَلِكَ رَأَيْتُ أَنْ يُدْعَوْا إِلَى الإِسْلامِ وَيُسْتَتَابُوا ، فَإِنْ تَابُوا قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا قُتِلُوا ، وَلَمْ يَعْنِ بِذَلِكَ فِيمَا نُرَى – وَاللَّهُ أَعْلَمُ – مَنْ خَرَجَ مِنْ الْيَهُودِيَّةِ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ ، وَلا مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ ، وَلا مَنْ يُغَيِّرُ دِينَهُ مِنْ أَهْلِ الأَدْيَانِ كُلِّهَا إِلاَّ الإِسْلامَ ؛ فَمَنْ خَرَجَ مِنْ الإِسْلامِ إِلَى غَيْرِهِ وَأَظْهَرَ ذَلِكَ ، فَذَلِكَ الَّذِي عُنِيَ بِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . اهـ .

وفي ” الْمُدَوّنة ” : سُئل الإمام مالك : إذَا ارْتَدَّ وَقَدْ حَجَّ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الإِسْلامِ ، أَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ الْحَجُّ ؟ قَالَ : لا ، حَتَّى يَحُجَّ حَجَّةً مُسْتَأْنَفَة .

وهذا يُؤكِّد أنه يَرى أن ردّته وكُفره بعد إسلامه قد أحبطت ما عمله من أعمال قبل ذلك .

وقال الإمام عبد الرزاق الصنعاني ( المتوفَّي سنة 211 هـ ) : باب المرتدين

ثم روى عن معمر عن عمرو عن الحسن قال : إذا ارتد المرتد عن الإسلام ، فقد انقطع ما بينه وبين امرأته ، فقال الثوري : والرجل والمرأة سواء .

وروى عبد الرزاق عن الثوري قال : إذا ارْتَدَّتِ المرأة ولها زوج ولم يَدخل بها ، فلا صداق لها ، وقد انقطع ما بينهما …

وبوّب عبد الرزاق (باب كُفْر المرأة بعد إسلامها)

وقال البخاري ( توفِّي سنة 256 هـ ) : كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم

ثم عقد أول باب في هذا الكتاب ، وهو :

باب إثم مَن أشْرك بالله وعقوبته في الدنيا والآخرة . قال الله تعالى : (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )

، ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ ) .

وعقد بابا في ” قَتْلِ مَنْ أَبَى قَبُولَ الْفَرَائِضِ ، وَمَا نُسِبُوا إِلَى الرِّدَّةِ ” .

وبوّب أيضا  ” بَاب قَتْلِ الْخَوَارِجِ وَالْمُلْحِدِينَ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ) . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَاهُمْ شِرَارَ خَلْقِ اللَّهِ ، وَقَالَ : إِنَّهُمْ انْطَلَقُوا إِلَى آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ فَجَعَلُوهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ” . 

قال الإمام البخاري :

وقال جرير والأشعث لعبد الله بن مسعود في الْمُرْتَدِّين : اسْتَتِبْهم وكَفِّلهم ، فتابوا وكَفلهم عشائرهم .

بل جرى الخلاف في قبول توبة الْمُرْتَدّ ، فَمِن الصحابة من كان لا يَرى قبول توبة مَن ارتدّ .

قال الإمام الطحاوي ( متوفّى سنة هـ 321 هـ) : وقد رُوي في استتابة المرتد وفي تركها اختلاف عن جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ثم روى بإسناده إلى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال : أخذ بالكوفة رجال يُفْشُون حديث مسيلمة الكذاب ، فكتب فيهم إلى عثمان بن عفان ، فكتب عثمان أن أعرض عليهم دين الحق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فمن قبلها وتَبَرّأ من مسيلمة فلا تَقتله ، ومَن لَزِم دِين مُسيلِمة فاقتله ، فقبلها رجال منهم فَتُرِكُوا ، ولَزِم دين مسيلمة رجال فَقُتِلُوا .

وروى الإمام مالك عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القارئ عن أبيه أنه قال : قَدِم على عمر بن الخطاب رَجلٌ مِن قِبَل أبي موسى الأشعري ، فسأله عن الناس فأخبره ، ثم قال له عمر : هل كان فيكم مِن مَغْرَبة خَبَر ؟ فقال : نعم ، رجل كَـفَـر بعد إسلامه . قال : فما فعلتم به ؟ قال : قَرَّبْنَاه فَضَرَبْنا عُنُقه ، فقال عمر : أفلا حبستموه ثلاثا ، وأطعمتموه كل يوم رغيفا ، واستتبتموه لعله يتوب ويُراجع أمْر الله ، ثم قال عمر : اللهم إني لم أحضر ولم آمر ولم أرضَ إذ بَلغني .

ورواه الطحاوي من طريق يعقوب بن عبد الرحمن الزهري عن أبيه عن جده قال : لَمَّا افتتح سعد وأبو موسى تستر أرسل أبو موسى رسولاً إلى عمر – فَذَكَر حديثا طويلا – قال : ثم أقبل عمر على الرسول فقال : هل كانت عندكم مَغْرَبة خَبَر ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين أخذنا رجلا من العرب كفر بعد إسلامه ، فقال عمر : فما صنعتم به ؟ قال : قدمناه فضربنا عنقه ! فقال عمر : أفلا أدخلتموه بيتا ثم طَيّنْتُم عليه ، ثم رميتم إليه برغيف ثلاثة أيام لعله أن يتوب ، أو يراجع أمر الله ؟ اللهم إني لم آمر ولم أشهد ولم أرْضَ إذ بلغني .

ثم قال الإمام الطحاوي : فهذا سعد وأبو موسى رضي الله عنهما لم يستتيباه ، وأحب عُمر أن يُستتاب ، فقد يحتمل أن يكون ذلك لأنه كان يرجو له التوبة ، ولم يوجب عليهم بِقَتْلِهم شيئا ؛ لأنهم فعلوا ما لهم أن يَروه فيفعلوه ، وإن خالف رأي إمامهم .

قال ابن عبد البر المالكي ( ت 463 هـ ) : وروى داود بن أبي هند عن الشعبي عن أنس بن مالك أن نَفَرًا من بكر بن وائل ارتدوا عن الإسلام يوم تستر ، فلحقوا بالمشركين ، فلما فُتحت قُتلوا في القتال ، قال : فأتيت عُمر بِفَتْحها ، فقال : ما فعل النفر من بكر بن وائل ؟ فعرضت عن حديثه لأشغله عن ذِكرهم ! فقال : لا ، ما فعل النفر من بكر بن وائل ؟ فقلت : قُتِلوا . قال : لأن أكون كنت أخذتهم سِلما أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس من صفراء وبيضاء . قلت : وهل كان سبيلهم إلا القتل ؟ ارتدوا عن الإسلام ولَحِقُوا بالمشركين . قال : كنت أعرض عليهم أن يَدخلوا في الباب الذي خَرجوا منه ، فإن قبلوا قَبِلْت منهم وإلاَّ استودعتهم السجن .

قال أبو عمر ابن عبد البر : يعني : استودعتهم السجن حتى يتوبوا ، فإن لم يتوبوا قُتِلُوا . هذا لا يجوز غيره ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : مَن بَدَّل دِينه فاضْرِبُوا عُنقه .

ثم قال : ولا أعلم بين الصحابة خِلافا في استتابة المرتد ، فكأنهم فَهِمُوا مِن قول النبي صلى الله عليه وسلم : ” مَن بَدّل دِينه فاقتلوه ” أي : بعد أن يُسْتَتَاب . والله أعلم .

إلاَّ حديث معاذ مع أبي موسى ، فإن ظاهره القتل دون استتابة ، وقد قيل : إن ذلك المرتد قد كان اسْتُتِيب . اهـ .

وروى الإمام الدارمي والطحاوي من طريق ابن معيز السعدي قال : خرجتُ أطْلب فَرَسًا لي بالسَّحَر فَمَرَرْتُ على مَسجد من مساجد بني حنيفة ، فسمعتهم يشهدون أن مسيلمة رسول الله ! قال : فَرَجَعْتُ إلى عبد الله بن مسعود ، فذكرتُ له أمرهم ، فبعث الشُّرَط فأخذوهم ، فَجِئ بهم إليه ، فتابوا ورجعوا عما قالوا ، وقالوا : لا نعود ، فَخَلّى سَبيلهم ، وقَدّم رجلا منهم يقال له عبد الله بن النواحة فضرب عنقه ، فقال الناس : أخذت قوما في أمر واحد فَخَلَّيْتَ سبيل بعضهم وقَتَلْت بعضهم ؟ فقال : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا فجاء ابن النواحة ورجل معه يقال له : حجر بن وثال وافدين من عند مسيلمة ، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتشهدان أني رسول الله ؟ فقالا : أتشهد أنت أن مسيلمة رسول الله ؟ فقال لهما  : آمنت بالله وبرسوله ، لو كنت قاتلا وافدا لقتلتكما ، فلذلك قَتَلْتُ هذا .

قال الطحاوي : فهذا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قد قَتل ابن النواحة ولم يَقْبل توبته إذْ عَلِم أن هكذا خُلُقَه يُظْهِر التوبة إذا ظُفِر به ، ثم يعود إلى ما كان عليه إذا خُلِّي .

وفي رواية الدارمي : وَأَمَرَ بِمَسْجِدِهِمْ فَهُدِمَ.

ورواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة والإمام أحمد وأبو داود مُختصَرا . 

قال الإمام ابن عبد البر القرطبي المالكي ( ت 463 هـ ) في استتابة المرتدين : قال بعضهم يُستتاب مرة واحدة في وقت واحد ساعة واحدة ، فإن تاب وانصرف إلى الإسلام وإلاَّ قُتِل .

وقال آخرون : يُستتاب شهرا .

وقال آخرون : يُستتاب ثلاثة أيام ، على ما رُوي عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود – رحمه الله عليهم .

ولم يَستتب ابن مسعود ابن النواحة وَحْده ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه من عند مسيلمة : ” لولا أنك رسول لقتلتك ” ، فقال له ابن مسعود : إذ أظهرت الرِّدة أنت اليوم لست برسول ، فقتله ، واستتاب غيره . اهـ .

وروى عبد الرزاق والطحاوي من طريق أبي الطفيل أن قَوما ارْتَدّوا وكانوا نصارى ، فبعث إليهم علي بن أبي طالب معقلَ بن قيس التيمي ، فقال لهم : إذا حَكَكْتُ رَأسي فاقتلوا الْمُقَاتِلة واسْبُوا الذرية ، فأتى على طائفة منهم فقال : ما أنتم ؟ فقالوا : كُـنّا قَومًا نصارى فَخُيّرنا بين الإسلام وبين ديننا ، فاخترنا الإسلام ، ثم رأينا أن لا دِين أفضل مِن دِيننا الذي كنا عليه ! فنحن نصارى ، فَحَكّ رأسه ، فَقُتِلَتْ الْمُقَاتِلَة وسُبِيَت الذّرية .

وروى عبد الرواق من طريق أبي عمرو الشيباني قال : أُتِيَ عليّ بشيخ كان نصرانيا فأسلم ، ثم ارتد عن الإسلام ، فقال له علي : لعلك إنما ارتددت لان تُصيب ميراثا ، ثم تَرجع إلى الإسلام ؟ قال : لا ، قال : فلعلك خطبت امرأة فأبوا أن يزوجوكها ، فأردت أن تَزوجها ثم تعود إلى الإسلام ؟ قال : لا ، قال : فارجع إلى الإسلام ! قال : لا ، أما حتى ألقى المسيح ، فلا ، فأمَرَ به ، فَضُرِبَتْ عُنُقه .

وبهذا يتبيّن أن الصحابة رضي الله عنهم لم يتورّعوا عن تكفير من كَفَر بالله ، إذ لو تورّعوا عن ذلك لَمَا حاربوا أهل الرِّدّة ، ولَمَا حَكموا عليم بالرِّدَّة أصلا .

ولو تورّعوا عن تكفير من كفر بالله لَمَا قَتَلوا السحرة .

ولو تورّعوا عن تكفير من كفر بالله لَمَا حكموا على أحد بالرَّدَّة ثم قَتَلوه بعد رِدّته ، كما صحّت بذلك الأخبار مما تقدّم بعضها .

ولا يُقال إن الصحابة رضي الله عنهم يَحْكُمُون على سبيل العموم ؛ لأن ما وقع لأشخاص مُعيّنين لا يُمكن أن يكون على سبيل العموم ، بل هو في حق أشخاص مُعينين حَكم الصحابة رضي الله عنهم بِكُفرهم ثم أقاموا عليهم حدّ الرَّدَة .

فهل (الصحابة استنكفوا وثقل عليهم أن يُرمى مؤمن مسلم من أهل القبلة بالشرك) ؟

الجواب : ما تقدّم من النصوص الصحيحة الصريحة في تكفير تارك الصلاة ، وهو كالإجماع بين الصحابة ، وتكفير تارك الزكاة ، وتارك الحج إذا كان مُستطيعا .

وقِتال الْمُرتدِّين ، وما سُمِّيت به تلك الحروب ، فإنها مشهورة بِحروب الرِّدَّة .

فكيف قاتلهم الصحابة رضي الله عنهم إذا كانوا لم يحكموا بِكُفْرِهم ؟!

وكيف سَمّوهم ( مُرْتدِّين ) واستباحوا دمائهم وأموالهم ؟!

وهذه عقيدة السلف الصالح من لدن الصحابة إلى زمان الأئمة الأربعة ، إلى الأزمنة المتأخِّرة .

فقد روى عبد الرزاق أن محمد بن أبي بكر كتب إلى عليّ يسأله عن مسلمين تزندقا ، فكتب إليه : إن تابا ، وإلاَّ فاضرب أعناقهما.

 وروى عبد الرزاق أيضا أن عروة كتب إلى عمر بن عبد العزيز في رجل أسلم ثم ارتد ، فكتب إليه عمر : أن سَلْه عن شرائع الإسلام ، فإن كان قد عَرفها فاعْرِض عليه الإسلام ، فإن أبى فاضْرِب عُنقه ، وإن كان لم يعرفها فغلّظ الجزية ، ودَعْه .

قال سفيان بن عيينة : المرجئة سمَّـوا ترك الفرائض ذنباً  بمنـزلة ركوب المحارم وليس سواء ؛ لأن ركوب المحارم متعمدا من غير استحلال معصية ، وترك الفرائض من غير جهل ولا عذر هو كُـفْـر .

قال ابن رجب رحمه الله : وقد استدل الإمام أحمد وغيره على كُـفْر تارك الصلاة بِكُفْر إبليس بترك السجود لآدم ، وترك السجود لله أعظم . اهـ .

فمن ترك الصلاة فبِه شَبَهٌ من إبليس لأنه ترك السجود لله والخضوع له والانقياد لأمره .

وقال إسماعيل بن سعيد : سألت أحمد بن حنبل عن من ترك الصلاة متعمداً ، فقال : لا يكفر أحدٌ بَذَنبٍ إلاَّ تارك الصلاة عمداً ، فإن تَرَكَ صلاةً إلى أن يدخل وقت صلاةٍ أخرى يُستتاب ثلاثا .

وقال أبو أيوب سليمان بن داود الهاشمي : يُستتاب إذا تركها متعمداً حتى يذهب وقتها ، فإن تاب وإلا قُتل ، وبه قال أبو خيثمة .

وقال وكيع بن الجراح عن أبيه في الرجل يحضره وقت صلاة فيُقال له : صَلِّ ، فلا يُصلى . قال : يؤمر بالصلاة ويُستتاب ثلاث صلوات ، فإن صلى وإلا قُتل .

وقال محمد بن نصر المروزي : سمعت إسحاق يقول : قد صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تارك الصلاة كافر ، وكذلك كان رأى أهل العلم من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا أن تارك الصلاة عمداً من غير عذر حتى يذهب وقتُها كافِـر .

ورأي الإمام مالك بن أنس رحمه الله أن القَدَرِيّة يُقتَلون بعد أن يُستتابوا .

فقد روى الإمام مَالِك في الموطأ عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، فَقَالَ : مَا رَأْيُكَ فِي هَؤُلاءِ الْقَدَرِيَّةِ ؟ فَقُلْتُ : رَأْيِي أَنْ تَسْتَتِيبَهُمْ ، فَإِنْ تَابُوا وَإِلاّ عَرَضْتَهُمْ عَلَى السَّيْفِ ! فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : وَذَلِكَ رَأْيِي . قَالَ مَالِك : وَذَلِكَ رَأْيِي .

وكان الإمام مالك بن أنس رحمه الله يرى أنهم أشركوا بِما ذهبوا إليه من مُعتقد فاسد في القَدَر .

قال أبو الوليد الباجي في المنتقى : وَقَدْ رَوَى أَبُو مُسْهِرٍ قَالَ قُلْت لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ : خَطَبَ إلَيَّ رَجُلٌ مِنْ الْقَدَرِيَّةِ أَفَأُزَوِّجُهُ ؟ فَقَالَ : لا . قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ)

وأبو الوليد الباجي مالكي المذهب ، وهو شارح موطأ الإمام مالك في شرحه المشهور بـ ” الْمُنْتَقَى ” ، وتُوفِّي سنة 474 هـ .

فهل تورّع أيضا الأئمة عن رَمْـي مسلم بالشرك أو بالكُفْـر إذا كان واقعا فيه مُتّصِفًا به ؟

قال الإمام ابن العربي القاضي المالكي ( متوفّى سنة 543 هـ) :

وكُلّ مَن اتَّهَم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الْحُكْم فهو كَـافِـر .

وقال رحمه الله : فَكُلُّ مَنْ قَالَ : إنَّهُ يَنْزِلُ الْغَيْثُ غَدًا فَهُوَ كَافِــر .

وقال : وَمَنْ قَالَ : إنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي الرَّحِمِ فَهُوَ كَافِــر .

وقال : مَنْ ادَّعَى عِلْمَ الْكَسْبِ فِي مُسْتَقْبَلِ الْعُمْرِ فَهُوَ كَافِــر.

وقال : فَكُلُّ مَنْ أَنْكَرَ وُجُودَ اللَّهِ فَهُوَ كَافِــر .

وقال : فَإِذَا أَنْكَرَ أَحَدٌ الرُّسُلَ ، أَوْ كَذَّبَهُمْ فِيمَا يُخْبِرُونَ عَنْهُ مِنْ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ ، وَالأَوَامِرِ وَالنَّدْبِ ، فَهُوَ  كَافِــر .

وقال : فَمَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِنْ الشَّرِيعَةِ فَهُوَ كَافِــر .

وقال : إنَّ أَهْلَ الإِفْكِ رَمَوْا عَائِشَةَ الْمُطَهَّرَةَ بِالْفَاحِشَةِ ، فَبَرَّأَهَا اللَّهُ ، فَكُلُّ مَنْ سَبَّهَا بِمَا بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْهُ فَهُوَ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ ، وَمَنْ كَذَّبَ اللَّهَ فَهُوَ كَافِرٌ . فَهَذَا طَرِيقُ قَوْلِ مَالِكٍ . اهـ .

وتَبِعه الإمام القرطبي المالكي ( متوفّى سنة 671 هـ ) فإنه قال في تفسيره :

من قال إنه يَنْزِل الغيث غَدا وجَزَم فهو كَافِــر .

وكذلك من قال إنه يعلم ما في الرحم فهو كَافِــر.

وزاد القرطبي :

ومن أنكر أن يكون أبو بكر رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كَافِــر ؛ لأنه رَدّ نصّ القرآن .

وقال : فمن قال إن هناك طريقا آخر يُعرف بها أمْره ونهيه غير الرسل بحيث يُستغنى عن الرُّسُل فهو كَافِــر ، يُقْتَل ولا يُستتاب ، ولا يحتاج معه إلى سؤال ولا جواب !

وقال : ولا نعلم بين أهل التفسير اختلافا أن الكفر ها هنا قولهم : ” مطرنا بنوء كذا وكذا ” وأن نظيره فَعَل النجم كذا ، َوأن كل من نَسب إليه فِعلا فهو كَافِــر .

فهل كان الإمام مالك رحمه الله وأتباعه على مذهبه لا يتورّعون عن رمي أحد من أهل القبلة بالشِّرْك إذا كان مُستحقًا للوصف به ؟

وهل كانوا يتسرّعون في أحكامهم على الناس بأن ذلك الفعل أو القول شِـرك ؟!

وذلك ما يُرمَى به الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ويُتَّهَم به !

وأنت ترى سبيل أهل السنة ، خاصة علماء المالكية ..

رابعا :

ما ذكروه عن جابر رضي الله عنه من أنه سُئل (أترمي أحداً من أهل القبلة بالشرك ؟

قال : معاذ الله أيكون ذلك ؟

أترميه بالكفر ؟

قال : لا يكون ذلك أبداً)

واستدلالهم به متضمّن لِجهالات !

أولها : أنهم عزو الحديث إلى مجمع الزوائد ، وهو ليس كِتاب رواية بِقَدْر ما هو كتاب تخريج .

ثانيها : أنهم لبّسوا على الناس بذلك ، وذلك أن الهيثمي أورد الحديث تحت عنوان :

باب لا يَكْفُر أحد مِن أهل القبلة بِذَنْب .

ولم يَفْهَم منه أحد مِن علماء الأمة أنه لا يُمكن أن يقع أحد في الشرك ولا في الكُفر .

ثالثها : نَصُّه عند الهيثمي – الذي أحالوا عليه – كما يلي : وعن أبي سفيان قال : سألت جابرا وهو مجاور بمكة وهو نازل في بني فهر ، فسأله رجل : هل كنتم تدعون أحدا من أهل القبلة مشركا ؟ قال : معاذ الله ، ففزع لذلك . قال : هل كنتم تدعون أحدا منهم كافرا ؟ قال : لا . قال الهيثمي : رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح . اهـ .

رابعها : أخذ ما يوافق أهواءهم وترك ما دلّ على خلافه ، وهذه عادة أهل الأهواء في الاستدلال .

فقد روى من الإمام اللالكائي طريق سليمان اليشكري قال : قلت لجابر بن عبد الله : أكنتم تَعُدّون الذَّنب شِرْكا ؟ قال : لا ، إلاَّ عبادة الأوثان ؟

وروى أبو يعلى من طريق أبي سفيان عن جابر رفعه قال : كان يقول : يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك . فقلنا : يا رسول الله ، تخاف علينا وقد آمنا بما جئت به ؟ فقال : إن القلوب بين – وأشار الأعمش بإصبعين – .

فهذا صريح في أن المقصود أنه لا يُرمَى مسلم بِشِرْك أو كُـفْـر لأجل الوقوع في الذنب .

خامسها : أن ما جاء في قول جابر رضي الله عنه مُطابق لاعتقاد أهل السنة في أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بِذنب ، أي : في ارتكابها ، وليس في استحلالها ، فإن الإجماع مُنعقد على كُفر من استحل ما حرمّ الله .

ولذلك رواه الإمام اللالكائي في اعتقاد أهل السنة من أكثر من طريق .

وهذا هو اعتقاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب واعتقاد علماء المملكة أيضا .

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسالته إلى أهل القصيم ما نصّه : ولا أشهد لأحَدٍ من المسلمين بِجَنّة ولا نار إلاَّ مَن شَهِد له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكني أرجو للمحسن وأخاف على المسيء ، ولا أُكَفِّر أحَدًا من المسلمين بِذَنْب ، ولا أُخْرِجُه مِن دائرة الإسلام  . اهـ .

وهذا ما نصّ عليه الإمام الطحاوي في عقيدته التي تُدرّس في أكثر جامعات المملكة ، إذ يقول الإمام الطحاوي الحنفيّ ( المتوفّى 321 هـ) : ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بِذَنْب ما لَم يَسْتَحِلّه … ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يَعفو عنهم ، ويدخلهم الجنة برحمته ، ولا نأمن عليهم ، ولا نشهد لهم بالجنة ، ونستغفر لمسيئهم ، ونخاف عليهم ولا نُقَنّطهم . اهـ .

سادسها : أنه لا يُعرف عن الصحابة رضي الله عنهم التورّع في تكفير من كَفَر بالله ، بل جاءت عنهم النصوص الصحيحة والكثيرة في تكفير من كَفَر بالله ، وكم كان عمر رضي الله عنه يقول : دعني أضرب عُنقه ! في غير حادثة ، وقد تقدّمت أفعال الصحابة رضي الله عنهم في هذا الباب .

فهذه النصوص والنقول عن أئمة الإسلام ، وأكثر ما نقلت عن أئمة المالكية رحمهم الله ؛ لأن السؤال ورد من المغرب ، والمذهب الفقهي السائد في المغرب هو مذهب الإمام مالك رحمه الله .

وكم هم الذين يتمذهبون بمذهب إمام في الفقه ، يُخالفونه في العقائد وأصول الدّين !

وإني على يقين أنه لو خرج فيهم الإمام مالك أو من سار بِسَيْرِه كابن عبد البر أو ابن العربي أو القرطبي أو غيرهم من أئمة المالكية ، لَرَمَوْهم بـ ” الوهابية ” !

فمن هو الأولى بالوصف بِقِلّة العِلْم والعقل ؟!

أليسوا هم الذين قالوا : (ولكن من تحدث فالوهابية لا تعقل ما يقولون ولا يزنوا حديثهم وكلماتهم قبل القائها علينا لتصدمنا)

فهل الذين تمسّكوا بما كان عليه الأئمة من زمن الصحابة فمن بعدهم إلى زمن الأئمة الأربعة إلى الأزمنة المتأخِّرة هم الذين لا يعقلون ؟ وهم الذين لا يَزِنُون حديثهم وكلماتهم ؟!

سبحان الله ! ما أشبه الليلة بالبارحة !

أمَا رُمِي خير البشر صلى الله عليه وسلم بأنه كاهن ومجنون ؟

وصدق ورقة بن نوفل حينما قال للنبي صلى الله عليه وسلم : لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِيَ . رواه البخاري ومسلم .

أمَا إنه ما مِن دعوة إلى نبذ الشرك وترك ما كان عليه الآباء من باطل ؛ إلا قُوبِلت بالعداوة والبغضاء !

وكذلك كانت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ، فإنه لم يدعُ إلى نفسه ، ولا إلى مذهب جديد ، ولا إلى دعوة يُخالف بها ما كان عليه أهل العلم ، إنما دعا إلى نبذ الشرك والخرافة ، وترك ما يُعبَد من دون الله .

ثم إن الشيخ رحمه الله لم ينتسب إلى غير السنة ، وإنما نَسَبه أعداؤه !

وأهل السنة لا يرضون بِنِسبَة إلى غير السُّنَّـة .. بينما أصحاب الدعوات والأحزاب ينتسبون إلى دعواتهم وأحزابهم ! 

خِتاما :

سبقت الإجابة عن سؤال بخصوص دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وهل كان خارجيا ؟

وذلك هنا :

http://www.al-ershaad.com/vb4/showthread.php?t=639

وعن سؤال آخر :

ما رأيكم بمن يقول : الأمة ليس فيها مشركين ، وأن جميع من فيها يدخلون الجنة ؟ وأنكل من أسلم يدخل الجنة ؟

http://www.almeshkat.com/index.php?pg=qa&ref=1006

وهنا .. تتمة الجواب

http://www.almeshkat.com/index.php?pg=qa&ref=1007

والله تعالى أعلم .

 المصدر: 

http://www.al-ershaad.com/vb4/showthread.php?t=4903

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *