هل رأيت الكعبة

جاء جاري من العمرة فذهبت لزيارته.

أخذتني الخواطر لَما علمت بِمَقدَمه.. أحب أن أرى أثر الأعمال على الوجوه.. أتتبع هذا الأثر لأستكشف مكنونات القلوب.. هل غيَّرتْه العبادة؟

هل استفاد قلبه شيئًا جديدًا من خشية أو تعظيم أو إنابة..؟

هل نرى في وجهه نور الكعبة، وتعب الطواف، وأثر السجود، وإشقاء البدن..؟

هل نحس بفرحة التعب التي يحسها عبادُ الحج والعمرة خاصة..؟

وتذكرت حالي لما ذهبت للعمرة..

كان يشغلني في البداية أين سننزل أولًا أفي مكة أم في المدينة؟

هل سأجد المكان كما تخيلت؟

بم سأشعر حين ألقى الكعبة وأراها لأول مرة؟

انطلقنا نلبي..

وأنت في أول الأمر لا تستطيع أن ترفع صوتك بالتلبية مع أن هذه هي السنّة، لكن تكون هناك رهبة في بادئ الأمر، واستغراب لهذه العبادة الجديدة، بخلاف الصلاة مثلًا التي يطرقها العبد كل يوم كثيرًا فرضًا ونفلًا.

وشيئًا فشيئًا يعلو صوتك، وتجد أنك أحيانًا لا تلتفت إلى الناس، وهل ينظرون أو يسمعون، وتشغلك التلبية، وقد يخفت صوتك مرة أخرى.. كل ذلك وأنت تضع حقائبك، ويدفعك إنسان، ويمر من أمامك آخر، أو تنتقل من وسيلة مواصلات إلى أخرى، ويكلمك رفقاؤك أو تكلمهم، أو تغفو قليلًا أو تسهو..

ثم تعود لتتذكر أن هذه عبادة جديدة، فليكن لك منها نصيب، واغتنم فرصتك قبل أن تنقطع التلبية برؤية البيت.

وفي فترة الغفوة أو السهو تتمتم بالتلبية، وتتداخل ألفاظها، وقد تشرد في تدبر معانيها..

لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك..

ما كان ظن إبراهيم عليه السلام حين أذن في الناس بهذه العبادة؟

وهل أجاب البشرُ حق الإجابة؟

لبيك..

لبيك اللهم لبيك:

أى: (أجيبك يا ألله إجابة بعد إجابة) هكذا كانوا ينصون على المعنى في الكتب، ولكن.. هل أجاب هذا القلب مع هذه الجوارح؟

اللسان تحرك، والشفتان تنطقان، فهل نطق القلب وأجاب..

وتذكرت في لمحة عابرة قولًا لبعض الصحابة كان يزيده في تلبيته أظنه أنس رضى الله عنه: لبيك حقًا، تعبدًا ورِقَّا.

وهذا مثل قول زيد بن عمرو بن نفيل: لبيك حقًا حقًا، تعبدًا ورقًا.

ولكن لماذا زاد أنس على ما كان يلبي به النبي صلى الله عليه وسلم وهم كانوا أحرصَ الناس على الاتباع والاقتفاء..؟

ما أظن ذلك خرج منه إلا رغمًا عنه، فضلًا عن أن النبي لم ينه عن ذلك..

كانت هذه القلوب تجيب حق الإجابة.. وأفعالهم ،وأقوالهم، وسمتهم، وهديهم كان من إجابة قلوبهم. لذا فالفعل منهم ليس كغيرهم. وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختصوا بما لم تختص به جماعة أخرى من الناس.

وما كان ذلك من أنس رضى الله عنه إلا استشعارًا لعذوبة العبودية، وحلاوة للرق ما دام مصروفًا لله عز وجل، ولا يكون الرق محمودًا إلا فى هذا الموطن.

وقد يصح أن يذل الأخ لأخيه، والصديق لصديقه، والحبيب لحبيبه، والضيف لضيفه، كما قال حاتم:

وإني لعبد الضيف ما دام ثاويًا           وما فىَّ إلا تلك من شيمة العبد

 

وقال المقنع ناسجًا نسجه:

وإني لعبد الضيف ما دام نازلًا             وما شيمةٌ لي غيرها تشبه العبدا

 

فهذا مهما علا وحسُن ففي منحًى بعيد وواد آخر، بل ما أبعدَه عن عبودية الله عز وجل، وأين الثرى من الثريا.

الخلاصة أن هذه الزيادة من أنس معبرة أشد التعبير عن سفر القلب لتلبية داعي الرب سبحانه.

لما حاذينا الميقات تجردنا للإحرام كلٌ كيفما استطاع، وارتبك الأمر شيئًا في الطائرة، ولكن في النهاية استقر الأمر وبقيت فكرة ملحّة تطرقنى: التجرد..

إنك تتجرد من كل شيء، ولا تستر جسدك إلا بما يشبه الخِرَق، يقول العلماء: إن هذا لفتٌ للكفن، حيث يتذكر الإنسان موته وكفنه، ولولا الأشباه والأمثال ما انتبه الساهون، وما أفاق الغافلون.

مر الليل سريعًا، وقرب الفجر، وخشينا أن نتأخر عن إتيان البيت وتأدية المنسك؛ لأن التعب كان قد بلغ منا مبلغه.

وبعد أن صلينا، وبعد أن طلعت الشمس علينا ونحن نسير، وارتفعت لتظهر الأشياء؛ رأينا الكعبة….

إذا أردت أن تلخص الكعبة في كلمتين فماذا تقول؟

البهاء والروعة.. والروعة أصل معناها ما يروع الإنسان ويفزعه، ثم انصرف المعنى لما يستحسن، ولا يجد له المتكلم ما يعبر به عنه.

وأظن أنه قد بقي في حق الكعبة شيء من المعنى الأول يتسرب لقلب الرائي.

تبهرك ضخامتها لأنك لم ترها إلا في الصور أو المرئيات..

ولم أتمالك إلا أن أقول لرفقائي:

هل تصدقون أنكم ترون الكعبة..؟

تقشعر الجلود، وتوجل القلوب، وتكاد تفيض العيون بما فيها، أما أصحاب القلوب الرقيقة فيبكون إذا رأوا الكعبة بكاءً شديدًا.. وتنحبس الكلمات في الحلوق، وتجد نفسك لا شعوريًا تطوف حول هذا البناء العتيق الجليل.

وخطر لي خاطر..

أى سر عجيب في هذا البناء..؟

ثم قلت لنفسي: إن الله عز وجل أراد أن تهوي القلوب والأبدان لهذا البيت، ويسر لهم ذلك، وشوّقهم إليه، وأمنهم فيه، وجعل من أتاه مرة، وذاق حلاوة هذه الزيارة كمن شد بينه وبينه بحبل لا ينقطع، قد يرتخي أو يرق أو يغلظ، لكنه لا ينقطع ما دام القلب فيه من جذوة الإيمان ما فيه، وتذكرت قول الله تعالى:  ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾ . فمن آب وأقبل يسر للفهم والحفظ، ومن أبى وأدبر يسر للغفلة والنسيان، ونزعت منه لذة القرب.

وكذلك الكعبة..

بقدر إقبالك وإيابك ومحبتك وإخلاصك واستجابة قلبك وخضوعه وسجوده؛ تجد الشوق لها والرغبة في زيارتها والطواف بها.

كان سيل الخواطر والأفكار لا ينقطع مع كل خطوة نخطوها في أداء العمرة، كنا كمن يعيش حلمًا أبيض صافيا محببًا لا يريد أن يفيق منه.. تسير وتطوف وتسعى وكأنك لا تقوم بذلك حقيقة، والجو لطيف، وقد غاب التعب وكأننا -نحن الذين لم ننم– قضينا الليل كله في نوم لذيذ.

 

فكرت…

أخيرًا لامست هذه العبادة التي طالما قرأت عنها، ولكن رُوحها بعيدة عنك..

فارق كبير بين أن تقرأ قول الله عز وجل: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴾  فقط وبين أن تدور حول الكعبة سبعة أشواطٍ طِوال وأنت منبهر خاشع خاضع ذاكر لله عز وجل.

فارق كبير بين أن تقرأ في الكتب: (يسن الاضطباع في طواف القدوم وطواف العمرة) وبين أن تحسر الرداء عن كتفك الأيمن، وتقاوم ما يمكن أن يداخلك من حياء أمام هذه الحشود، ثم سرعان ما تنسى ذلك لأن الكل مشغول بما هو أعظم.. وتطرق قلبَك لذةُ الانصياع والانقهار لله سبحانه لأنك فعلت هذه العبودية الصغيرة، وهكذا في كل عبادة في هذه الأماكن المهيبة المقدسة.

كنت أقول..:

كان يشغلنى أين سننزل أولًا.. وحمدت الله أن نزلنا في مكة أولًا..

وسرعان ما جال بذهني الخلاف الشهير: مكة أفضل أو المدينة؟

وقد ظللت زمنًا أظن أن الأمر يشبه ما حُكي عن بعض الأذكياء أنه سئل عن طعامين نفيسين الفالوذج وشيء آخر أيهما أفضل، فقال بذكاء: لا أقضي على غائب، فأُتي بهما فجعل يأكل من هذا قطعة ومن هذا قطعة حتى كاد يذهب بهما، فكرروا عليه السؤال فقال: كلما أردتُ أن أقضي لأحدهما أتى الآخر بحجته..!

ولقد شعرت بشيء من ذلك لما ذهبنا للمدينة، ورأينا ما رأينا من الضخامة والفخامة (وللمدينة حديث آخر)، ولكني لما تذكرت مكة وخيرت نفسي: أين تحب أن تعيش لم تتردد في أن تختار مكة..

هل كان ذلك لأن الكعبة هي أول شيء طرقنا في رحلتنا، والإنسان مجبول على محبة منازله الأولى والحنين إليها..؟

هل كان ذلك لأنها أحب البلاد إلى الله، وإلى النبي صلى الله عليه وسلم..؟

نعم.. فلا شيء يعدل كونها أحب البلاد إلى الله، ولا ينافي ذلك حب المنزل الأول.

ولكنك كنت في أثناء إقامتك في مكة تفكر في شيء آخر.. كنت تملأ عينيك من رؤية الكعبة كالمشتاق الذي لم ير محبوبه سنين طوالا، فلما رآه واستيقن صورته واطمأن إلى أن جماله ما زال هو هو لم يمسه غبارُ الأيام وتراب السنين؛ أخذ يعب النظرة تلو النظرة في نهم لا يشبع.

أقول: كانت رؤية الكعبة شيئًا آخر.. كنت تريد أن تتخيلها على صورتها الأولى.. أن تخلع عن ذهنك –لبعض الوقت- هذه الصورة المستقرة المطبوعة لها بهذه الكسوة الثمينة العطرة.

كنت تريد أن تنفذ إليها..أن تراها حق الرؤية.. وتغمض عينيك وتحاول أن تتخيل هذه اللحظات الإيمانية الرفيعة العالية.. لحظات بناء إبراهيم عليه السلام لها وإسماعيل.. تلك اللحظات الكونية الصادقة التي تهتز لها الأرض، وترتجف لها قلوب البشر، بل وترتجف لها الجبال والشجر والحجر والدواب.. أية مشاعر وأحاسيس أحسها إبراهيم عليه السلام وهو يرفع القواعد ويؤسس البيت الحرام من المؤكد أن قلبه كان يخفق نشوة وحبًا وتسليمًا وامتنانًا وإجلالًا لله عز وجل.. ولا يبعد أن يكون قد بكى شوقًا ولهفة وابنه يناوله ما يبني به؛ لأنه يريد أن يتم البناء وينصدع لأمر الله تبارك وتعالى.

وبالتأكيد كان يستعذب المشقة والتعب من أجل إقامة أعظم وأجل بناء في هذا الكون الفسيح الرحب.

وتفكرْ ثانية -ولا انقطاعَ لذلك– ما الذي وضعه الله في هذا البناء ليكون له مثل هذه الجاذبية والتأثير..؟

ما الذي أوجده الله في هذه البقعة ليجعل أهل الأرض يدورون حولها ليلًا ونهارًا دون كلل أو ملل.

وتذكرت الطواف.. في أي وقت تقصد فيه الكعبة تجد الناس متحلقين حولها يطوفون ويدعون ويبتهلون.. لقد تعمدت أن آتى في كل الأوقات الممكنة.. قبل الفجر وبعده، في وقت الظهيرة القائظ وبالليل.. في أي وقت تطرق فيه البيت فإنك واجدٌ لا محالة جماعات من الناس طائفة به أو ملتزمة أو مقبلة.. وتذكرت الحجر الأسود الذي ما استطعت تقبيله حتى الآن لأجل الزحام، ولأجل مخافة الوزر؛ لأن كثيرًا من الناس يتزاحمون ويتضاربون –وهم فى البيت الحرام!- لأجل تقبيل الحجر.. فيا عجبًا كيف يرتكبون المحرم لفعل مستحب..

ولكن..

ما هذا..؟

انظر.. ألا تعجب لسواده..؟

بلى.. لقد كان هذا الحجر الأسود أبيضَ ناصعًا كالثلج كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نزل الحجر الأسود من الجنة أشد بياضًا من الثلج، فسوّدته خطايا بني آدم”.

ولم أكن لأصدق أن هذا الحديث صحيح لولا أن وجدت الشيخ الألباني رحمه الله قد صححه، بل وصحح حديثًا آخر، وإن شئت قل هما حديث واحد أن رسول الله قال: “لولا ما مسه من أنجاس الجاهلية، ما مسه ذو عاهة إلا شفي، وما على الأرض شيء من الجنة غيره”.

فيالكثرة خطايانا، ويالصبر ربنا عز وجل وحلمه علينا.

ماذا كنت أقول لك في أول المقال..؟

آه..

كنت أخبرك عن جاري الذي جاء من العمرة فذهبت لزيارته وأنا متلهف لألمح التغير الذي طرأ عليه بعد هذه الرحلة التعبدية.. وأصدقك القول: إنني لم أجد ما أبحث عنه..

وحينما تذكرت مجيئنا..

وحينما تذكرت أننا أيضًا قد زارنا الناس..

وربما بحث أحدهم عما كنت أبحث عنه، وظل يفتش في وجوهنا عن شيء..

داخلني الحياء، والخوف، والوجل..

وتساءلت: هل وجد هذا الإنسان ما كان يبحث عنه..

وهل رأى الكعبة

في وجوهنا..؟

الكاتب: وليد سميح عبد العال
رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Spotlight/0/27272/#ixzz2zGNGeexc

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *